عقب قرار إخراج الإمارات من اليمن بطلب من حكومته الشرعية، أثيرت تساؤلات حول مصير الجنوب الذي ظل لـ10 أعوام فارضاً سطوته العسكرية، ممثلة بقوات المجلس الانتقالي الذراع المسلحة الموازية لقوات الدولة الشرعية.
لم تكُن تلك المدة هينة على وجود اصطدم مراراً بمؤسسات الحكومة العسكرية والمدنية، إضافة إلى الخدمات التنموية والإنسانية والاجتماعية، مما أثار الحديث عن عواقب حال "الفراغ" الذي سيخلف الاستغناء في مشهد البلد المنهك بانقسامات حادة تتهدد ما بقي له من رقعة متماسكة في نطاق الحكومة المعترف بها التي عادت لها ثقة الداخل بإسناد سعودي كبير.
موقف ملتزم لسد الفراغ
منذ أحداث حضرموت والمهرة التي احتدمت مشاهد فصولها الدراماتيكية خلال شهر واحد، منذ مطلع ديسمبر/ كانون الأول عام 2025 حتى مطلع يناير/ كانون الثاني الجاري، كانت تلك أحداث كافية لتغيير المعادلة السياسية والعسكرية وحتى الخدمية على الأرض اليمنية بصورة جذرية.
ونتيجة لهذه التغيرات، غادرت القوات الإماراتية بقضها وأدواتها، تاركة الكثير من الأحداث الكبرى والمهمات، والتساؤلات المثيرة في جردة 10 أعوام من السطوة والسيطرة والنشاط.
وحتى أولئك الذين حذروا من الفراغ الأمني والخدمي تلاشوا بعد تغير الموازين على الأرض بسرعة لافتة سجلت عودة ملحوظة لحضور الدولة، مسنودة بموقف الرياض الملتزم على مستويات عدة لم تقتصر على تحسن الخدمات واستتباب الأمن ودفع المرتبات، وهي تغيرات أضحت حديث الناس وتوجت باستعادة ثقة اليمنيين بأنفسهم ومستقبل بلادهم.
يقول وكيل وزارة الإعلام فياض النعمان إنه بموجب إخراج الإمارات من المحافظات المحررة تنفيذاً للقرار السيادي للرئيس رشاد العليمي، بدأت ملامح واضحة مختلفة تظهر على الأرض بتحسن تدريجي في الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه وانتظام نسبي في بعض القطاعات الخدمية.
ويعتبر النعمان خلال حديثه إلى "اندبندنت عربية" أن هذا "التحسن الذي يتنامى في العاصمة الموقتة عدن والمحافظات المحررة الأخرى لم يكُن صدفة وإنما نتيجة لجهود عودة مؤسسات الدولة لدورها الطبيعي، بعيداً من الازدواجية وتعدد القرار والتدخلات التي كانت تفرضها سياسة أبو ظبي على المجلس الانتقالي المنحل".
الواقع معادلة لا يغطي الرصاص صوتها
كانت التغييرات البديلة على الأرض تمضي بتقدم حثيث لقوات "درع الوطن" الحكومية متبوعة بجهود سياسية بدأت بإزالة القوى المعطلة التي حسبت على "الانتقالي" والإمارات وإحلال شخصيات وازنة لها رصيد مقبول في الشارع اليمني، في رأس هرم الدولة ممثلة بمجلس القيادة الرئاسي، وتعيين شائع الزنداني رئيساً للحكومة، فيما راح عناصر "الانتقالي" يتسابقون إلى الرياض في إدراك يسعى إلى مواكبة التغير المتسارع الذي يجري على قدم وساق الواقع.
لم يكُن هذا السباق قفزاً من مركب عيدروس الزبيدي أو تعقلاً من العناد والمكابرة المناطقية، ولكنه قراءة للمتغيرات لتسجيل موقف جديد بعد أن مضت عملية طي صفحة الكيانات الموازية ومشاريعها.
يقول الصحافي والناشط المجتمعي وضاح الأحمدي إن "تحسن الخدمات من ماء وكهرباء وانتظام صرف الراتب كان واضحاً وسريعاً على نحو لم تشهده عدن منذ أعوام".
وهذه التغيرات منحت الناس "دفعة أمل في عودة الدولة ونفاذ القانون ولوائح المؤسسات الحكومية واستعادة العمل وفقاً للكفاءة لا المحسوبية والمناطقية".
ولعل أهم ما يأمل فيه الناس وفقاً للأحمدي "القضاء على ازدواجية المهمات بسبب وجود قرارين خارجيين مختلفين".
ويرى أن من الأهمية لتثبيت الأوضاع والقطع مع موجات الصراع "مشاركة أبناء المحافظات الجنوبية كافة في إدارة المرحلة المقبلة، بدلاً من المناطقية التي كانت تشكلت في عدن خلال الأعوام الماضية وهي نزعة لم تكُن تعرفها هذه المدينة بأية حال".
وضمن مساعي المملكة سُدت حال الفراغ الطويل الذي عانته مناطق الشرعية على صعيدي التنمية والخدمات، فصُرفت مرتبات نحو 40 ألف جندي، بمن فيهم قوات "الانتقالي" الذين رفعوا سلاحهم في وجه الدولة، وموظفو وزارة العدل وبعض القطاعات المدنية الأخرى.
وجاءت حزمة تمويل جديدة عبر وديعة بقيمة 300 مليون دولار لدى البنك المركزي اليمني تحسيناً للوضعين الاقتصادي والمالي و200 مليون دولار لمعالجة عجز الموازنة من إجمال 1.2 مليار دولار لتعزيز الأمن الغذائي في البلاد، ودعم مرتبات وأجور ونفقات التشغيل ومساعدة الحكومة في تنفيذ برنامج الإصلاحات الاقتصادية، فضلاً عن تمويل المشاريع الأخرى في الكهرباء والصحة والنقل وغيرها.
ولم يقتصر هذا الدعم على العاصمة الموقتة عدن، ولكنه شمل تطوير عدد من المشاريع التنموية في محافظات حضرموت والمهرة وسقطرى ومأرب وشبوة وأبين والضالع ولحج وتعز.
وكانت المملكة قدمت أواخر العام الماضي دعماً اقتصادياً إضافياً بقيمة 500 مليون دولار، تعزيزاً لموازنة الحكومة اليمنية ودعماً للبنك المركزي اليمني.
خطط عاجلة
من جهته أعلن المستشار فلاح الشهراني، المشرف على عملية إخراج التشكيلات العسكرية إلى خارج عدن وتثبيت الأوضاع والحال الأمنية، اجتماعه مع عدد من القطاعات التي عانت في الفترة الماضية من بينها دور الأيتام والمكفوفين ودار المسنين والأحداث وجمعية الطفولة الآمنة ومركز الأطراف الاصطناعية ومستشفى الأمراض النفسية وجمعية أطفال عدن للتوحد ونخبة من التربويين ومؤسسة الحياة للتدخل المبكر لذوي الاحتياجات الخاصة.
وبموجب تلك اللقاءات كشف الشهراني عن تنفيذ خطة عاجلة لدعم هذه المؤسسات وتمكينها، إضافة إلى دعم قطاع التعليم والمعلمين لدعم استمرار العملية التعليمية.
تعبير شعبي يعكس مزاج البلاد
رد الفعل الشعبي جاء مباشرة، وتسابق اليمنيون عبر مواقع التواصل إلى نشر صور ومقاطع فيديو تظهر عودة الخدمات بما فيها الكهرباء والمياه والخدمات لمنازلهم ومناطقهم التي عانت خلال سطوة "الانتقالي" حرماناً تاماً.
ثم عبرت تظاهرة حاشدة أمس الجمعة في عدن عن هذا الشعور برفع أعلام المملكة في رسالة تحمل في مضمونها وخطابها الارتياح الشعبي لما تحقق خلال أيام والتأكيد على حماية الأمن كأولوية ودعم حماية ما تحقق من تحسن في دفع المرتبات والخدمات والمشاريع التنموية التي كان آخرها وضع محافظ عدن ومسؤولين من البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، حجر الأساس للمرحلة الثالثة لتطوير مطار عدن الدولي التي تشمل إعادة تأهيل المدرج الرئيس وتحديث أنظمة الملاحة والاتصالات الجوية، بما يواكب الشروط الدولية ورفع كفاءة التشغيل وسلامة الحركة الجوية وتهيئته لاستقبال وتشغيل رحلات الناقلات الجوية المحلية والدولية.
لا مزايدة في الجنوب
وتكشف رسالة جموع ساحة العروض في عدن التي دانت محاولة اغتيال القيادي في قوات العمالقة حمدي شكري عن ارتباط شعبي يرى أن قضية الجنوب ليست أداة مزايدة أو تكسب سياسي لطرف بعينه دون الناس، بل إنها مطلب شعبي واعٍ نحو الحوار والاستقرار ورفض لمنطق الغلبة والقوة الذي يسعى إعادة الناس لدوامة الأزمات ومحاولات رهنهم للمزايدة السياسية لتحقيق مكاسب ذاتية.
أسبوع تحول المشهد
يقول الصحافي والكاتب السياسي الموالي سابقاً لـ"الانتقالي" جمال حيدرة إن التغيرات التي أعقبت إنهاء الوجود الإماراتي في جنوب اليمن كانت كبيرة، تحديداً في الجوانب العسكرية والسياسية والأمنية والخدمية.
ويرى أن المشهد السياسي تحول بصورة كاملة في غضون أسبوع واحد فقط بعد أن ظل "المجلس" مجرد ورقة بيد الإمارات للمساومة السياسية..
على المستوى الخدمي "لمس الناس تحسناً ملحوظاً في ارتفاع ساعات تشغيل التيار الكهربائي وتوافر المشتقات النفطية، فضلاً عن دفع رواتب الموظفين في السلكين العسكري والمدني".
توجس وقلق
إجمالاً لا تزال النظرة إلى تلك التغيرات "مشوبة بالترقب من هزات ارتدادية"، وفقاً لحيدرة، "ولا سيما أن أنصار عيدروس الزبيدي في ذروة غضبهم، ولا أحد يمكنه التنبؤ بالتطورات السياسية والعسكرية التالية، مع بقاء الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي في الرياض والتأخر في تشكيل لجنة تحضيرية للحوار الجنوبي- الجنوبي المزمع عقده في العاصمة السعودية أو حتى تحديد موعده".
بأدوات السياسة لا القوة الموازية
ومع مضي المتغيرات المدعومة من الحليف السعودي، ينتظر اليمنيون خلال الساعات المقبلة الإعلان عن حكومة الدكتور المخضرم شايع الزنداني الجديدة بأمل أن تسجل دوراً فاعلًا ومختلفاً لحضور الدولة بأدوات الاستقلالية والسيادة الكاملة بعد أن تخففت من أي شريك أو متواطئ مع مشاريع الفوضى المشبوهة وفرض أمر واقع قسري.
للحكومة الشرعية قرارها
ولعل ما أثار ارتياح اليمنيين أن الرياض لم تفرض رؤية سياسية معينة في الجنوب، تاركة هذه الجوانب للحكومة الشرعية، واستقبلت الأطراف السياسية بمن فيهم عناصر "الانتقالي" وأكدت بوضوح مباركتها لما يقرره اليمنيون لقضاياهم وأعلنت على لسان وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان دعم الرياض لقضية الجنوب بما يقرونه ويخرجون به خلال مؤتمر الحوار الجنوبي- الجنوبي.
فمشروع اليمن اليوم وفقاً لما تسعى إليه الشرعية والرياض، لا يرتبط بمجرد شخص أو كيان سياسي، بل بشعب ومنظومة أداء حكومي، فالمراحل وانكشافاتها قد تسقط الأفراد، لكنها لا تسقط عدالة القضايا.
وعلى مدى الأسابيع الماضية لم تتوقف حركة التنقل المتبادل بين مطاري عدن والرياض ليس فقط في جانب الدعم الإنساني والتنموي وتمويل البنك المركزي ورواتب الموظفين عسكريين ومدنيين وحسب، بل تعززت بدعم سياسي وعسكري مثله وجود قادة سعوديين يواصلون من تحت شمس عدن اللاهبة ومن وسط الناس وداخل مؤسسات الدولة، عملية الإشراف على جهود الدعم المتعدد وأهمها تثبيت الحال الأمنية والعسكرية وترتيب مسرح عمليات القوات التي حلت مكان قوات "الانتقالي" المنحل وطي صفحتها، بعدما أحكمت على مدى 10 أعوام قبضتها المسلحة على عدن والمحافظات الجنوبية مع رفض وقمع أي تشكيل عسكري يتبع الدولة لم تنشئه الإمارات.
اختفاء المظاهر المسلحة
ويقول النعمان إن "اختفاء المظاهر المسلحة داخل المدن وتراجع النقاط غير الرسمية التي كانت تنشرها ما تسمى ’ الأحزمة الأمنية‘ التابعة للانتقالي، أعاد للناس الشعور بالأمان"، مؤكداً أن "المواطن اليوم يتحرك من دون خوف من تلك القوى التي مارست انتهاكات مروعة بحق الناس، بفضل التوجيهات التي صدرت من التحالف العربي بقيادة السعودية لتفعيل القرار الواحد داخل غرفة القوات المشتركة للتحالف، مما عمل على إعادة ضبط المسار العسكري".
ويربط حال "الانفلات العسكري والأمني" التي عانتها المحافظات الجنوبية والشرقية في اليمن لأعوام "بوجود تشكيلات خارج إطار الدولة، وبعد خروج هذا العامل بدأت عملية إعادة تنظيم المشهد العسكري والأمني بقيادة واحدة وقرار واحد ومسؤولية واضحة أمام الحكومة والشعب كأساس لأي استقرار مستدام".
وما يجري اليوم يؤكد أن المحافظات التابعة للشرعية، وفق قوله، "لا تحتاج إلى وصاية خارجية بقدر حاجتها إلى دولة قوية ومؤسسات فاعلة، فالتجربة أثبتت أن الاستقرار يأتي من الداخل لا من تعدد الأطراف والحكومة ماضية في هذا المسار بدعم الأشقاء في السعودية وبإرادة أبناء اليمن أنفسهم".
(اندبندنت عربية)