لوحدي كنت أنا ساهر.. مع أول نغمة من تلك الأغنية وجدتني احلق بعيدًا، كأن الأوتار فتحت أبواب الذاكرة على مصراعيها. والنغم يشدك نحو الأفق الذي صدر من صوت استاذنا العزيز الدكتور نزار غانم وأوتار عوده.
لقد حلّقت بنا عاليًا، واعادتنا إلى الزمن الجميل، إلى ليالي صنعاء الشتوية الدافئة، حين كانت الأمسيات عامرة بالأصدقاء، والقلوب مفتوحة على الغناء والدهشة.
هذه الأغنية لم تكن مجرد لحن عابر، بل كانت جسرًا حملني إلى سنوات مضت، إلى تلك الأيام التي عشناها معاً بكل ما فيها من دفء وصدق. تذكرت الدكتور نزار وهو يأخذ بيدي ليعرفني على فنان من طراز آخر، يعرفني على الفنان العملاق سالم بامدهف، تلك القامة الفنية الفريدة التي لم تنل - للأسف - ما تستحقه من دراسة وتسليط ضوء ونقد.
كان الفنان سالم صاحب مدرسة متفردة، ويكفيه فخرًا أنه كان من أوائل من غنوا القصيدة المقفاة في خمسينيات القرن الماضي، سابقًا بذلك كثيرًا من رواد الأغنية العربية. وكم كنت وما زلت مشدوه عند الاستماع إلى رائعته الفنية البديعة أغنية عرائس اللحن القصيدة العمودية التي ابدع في تلحينها وتنويع مقامتها للشاعر الكبير الدكتور محمد عبده غانم صاحب كتاب شعّر الغناء الصنعاني.
فحينما لامس الدكتور نزار أوتار عوده بلحن أغنية لوحدي، اهتزت في داخلي الأشجان، وتحركت لواعج القلب وحنين السنين. أخذتني الذكريات إلى مساء بعيد في مقيل الصديق حميد الإرياني، حيث اجتمعنا مع ثلة من الأصدقاء ورواد المقيل. يومها حلّق الدكتور نزار بنا في فضاء الغناء الصنعاني بطريقة غير مألوفة؛ أدخل التنويعات المقامية.
وأضف شيئًا من روح فن الصوت، فبدت تلك المقطوعات التي كنا نظنها رتيبة وكأنها تولد من جديد. كنا مدهوشين كيف استطعت أن تنطق الاغنية الصنعانية واخراجها من قوالبه الجامدة التي عرفت بها لسنوات واصبحت أسلوب ونمط ثابت لكل الفنانين، لكن استطاع الدكتور نزار اخراجها من عالمها الخاص إلى رحابة التجديد والإبداع في تلك الجلسه الفنية.
وتدفقت الذكريات أكثر.. تذكرت تلك الأسفار التي قطعناها معًا، طوافين في بلدان كثيرة، نحمل معنا رسالة الغناء اليمني إلى العالم. من رافينا إلى روما، مرورًا بمدينة الحب فينيسيا، وصولًا إلى ميلانو، ومن لندن إلى ستوكهولم، عابرين بالكويت وبيروت ومن جدة إلى القاهرة كانت تلك الرحلات أشبه بقصيدة طويلة من الشغف والتعب الجميل.
لقد كان لك باع طويل في توثيق الأغنية اليمنية ونشرها. وما زلت أذكر تلك الأسطوانة التي أنتجتها شركة هولندية تحت إشرافك، وضمت أصواتًا يمنية خالدة مثل الفنان العرومة، وحمود الجنيد، وعمر غلاب، وصالح عبد الباقي. يومها شدّني كثيرًا أداء الفنانة إيمان إبراهيم في رائعتها "مهما يقول لك عني العواذل".
ومن المدهش أن تلك الأسطوانات انتشرت في الأسواق الأوروبية، بينما ظل كثيرون في وطننا لا يعرفون عنها شيئًا. أتذكر دهشتي حين جاءني رجل إيطالي يسألني عن أغنية لم أكن قد سمعتها من قبل.
قال لي إنها للفنان الكبير حمود الجنيد، (هكذا يقول ) وإنه يحتفظ بالأسطوانة في منزله. ظننت الأمر مزحة، لكن الصدفة كانت أجمل من الخيال؛ إذ أخبرته أن الفنان الجنيد نفسه كان حاضرًا معنا في تلك الأمسية.
لا أنسى فرحة الرجل وهو يطير فرحا بتحقيق حلمه أخيرًا، فقد كان يتمنى منذ سنوات السفر إلى اليمن و أن يلتقي بالفنان الذي طالما استمع إليه.
وهكذا، ما زالت الذكريات تنساب أمامي كشريط سينمائي طويل، مليء بالمواقف والمحطات التي تقاسمناها معًا. ذكريات لا تُحصى، وأسماء أصدقاء يطول ذكرهم، وحنين لا يهدأ.
وما زلت - كلما عادت تلك الألحان - أحنّ إلى عودة تلك الأيام، إلى بساطتها وصدقها، إلى ليالي صنعاء حين كان الغناء أكثر من فن كان حياة كاملة.
فعليك السلام يوم وُلدت، ويوم عشت بيننا تنثر الجمال، ويوم نلتقي مرة أخرى في فسحة من الذكريات التي لا تموت.