سألني الكثير خلال الساعات الماضية عن مدى تأثير تصويت اليمن ضد قرار الأمم المتحدة الخاص بالتغير المناخي، ولماذا أثار هذا التصويت كل هذا الجدل، خصوصاً أن القضية تبدو للبعض بعيدة عن الواقع اليومي الذي يعيشه اليمنيون.
وحبيت أجاوب على هذا السؤال بهذه النقاط والتحليل المختصر:
في 21 مايو 2026، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم A/80/L.65 بأغلبية كبيرة بلغت 141 دولة مقابل 8 دول فقط.
القرار استند إلى الرأي الاستشاري التاريخي لمحكمة العدل الدولية الصادر في يوليو 2025، والذي أكد أن الدول مُلزَمة قانونياً بمواجهة التغير المناخي، وخفض الانبعاثات، ومنع الأضرار البيئية.
الأهم في القرار أنه فتح الباب أمام مبدأ "المساءلة المناخية"، أي إمكانية مطالبة الدول المتسببة بالتلوث والانبعاثات الكبرى بدفع تعويضات للدول المتضررة من آثار التغير المناخي.
ورغم أن معظم دول العالم دعمت القرار، جاء اليمن ضمن الدول الثماني التي صوّتت ضده، إلى جانب الولايات المتحدة وروسيا والسعودية وإيران وإسرائيل وبيلاروسيا وليبيريا.
وهنا تظهر المفارقة الكبيرة.
فاليمن ليس دولة صناعية كبرى، ولا يُعد من الدول المسببة للتغير المناخي، بل على العكس تماماً؛ هو من أقل دول العالم انبعاثاً للغازات الدفيئة، لكنه في الوقت نفسه من أكثر الدول هشاشةً وتضرراً من آثار المناخ.
اليوم، اليمن يحتل المرتبة السابعة عالمياً في شُح المياه، بينما لا تتجاوز حصة الفرد اليمني من المياه المتجددة 86 متراً مكعباً سنوياً، مقارنةً بالحد الأدنى العالمي البالغ 500 متر مكعب.
وفي بعض الأحواض المائية، تتراجع المياه الجوفية بمعدل يصل إلى 8 أمتار سنوياً، في وقت يجري استنزاف المياه بمعدل يعادل ضعف قدرتها الطبيعية على التجدد.
بمعنى أوضح: اليمن يستهلك مخزونه المائي المستقبلي بالفعل.
الأزمة لا تتوقف عند المياه فقط.
أكثر من 17 مليون يمني يعانون من انعدام حاد في الأمن الغذائي، بينما يعتمد حوالي 90% من الإنتاج الزراعي على الأمطار، ما يجعل الزراعة اليمنية شديدة التأثر بالجفاف والتقلبات المناخية.
كما تخسر البلاد سنوياً ما بين 3 إلى 5% من أراضيها الزراعية بسبب الجفاف والتصحر.
أما الغطاء النباتي، فقد شهد تراجعاً خطيراً خلال السنوات الأخيرة؛ إذ ارتفعت معدلات التصحر وإزالة الغابات من 90% عام 2014 إلى 97% عام 2022، فيما جرى قطع أكثر من خمسة ملايين شجرة منذ 2018 بسبب أزمة الوقود.
وفي السواحل، يُعد اليمن من أكثر الدول منخفضة الدخل تعرضاً لخطر ارتفاع مستوى البحر، بينما تُصنف مدينة عدن سادس أكثر المدن هشاشة عالمياً أمام الفيضانات الساحلية والعواصف.
وتشير التوقعات إلى ارتفاع مستوى البحر بما يتراوح بين 0.3 و0.54 متر بحلول عام 2100، وهو ما يهدد المياه الساحلية والبنية التحتية والمناطق السكنية.
حتى الاقتصاد اليمني لن يكون بعيداً عن هذه التداعيات؛ فوفق تقرير البنك الدولي لعام 2024، قد يؤدي التغير المناخي إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي لليمن بنسبة تتراوح بين 3 و4% سنوياً بحلول 2040.
لهذا السبب تحديداً، يرى كثيرون أن التصويت ضد القرار لا ينسجم مع المصلحة اليمنية.
فالقرار كان يمكن أن يمنح اليمن مستقبلاً أرضية قانونية وسياسية أقوى للمطالبة بالدعم والتعويضات المناخية، كما كان سيعزز موقفه التفاوضي في ملفات التمويل المناخي والطاقة المتجددة والتكيف البيئي.
لكن التصويت ضد القرار قد يؤدي إلى:
• إضعاف موقف اليمن في المطالبة بالتعويضات والدعم المناخي.
• تقليل فرص الاستفادة من برامج التكيف والطاقة المتجددة.
• وضع اليمن سياسيًا ضمن معسكر الدول الرافضة للمساءلة المناخية.
• الإضرار بالمصداقية الدولية لليمن كدولة تُعد من أبرز ضحايا التغير المناخي.
والمفارقة الأكبر أن اليمن يُصنف اليوم كالدولة رقم 22 الأكثر هشاشةً أمام التغير المناخي، والـ12 الأقل استعداداً للتكيف معه، رغم أنها من أقل الدول مساهمةً في الانبعاثات الكربونية.
أي أن اليمن يدفع ثمن أزمة لم يكن سبباً فيها.
في النهاية، التغير المناخي لم يعد ملفاً بيئياً هامشياً، بل أصبح قضية مرتبطة بالمياه والغذاء والاقتصاد والاستقرار والأمن القومي.
واليمن، بحكم هشاشته الشديدة، يحتاج اليوم إلى سياسة مناخية تعتبر المياه والطاقة والبيئة قضايا بقاء، لا ملفات ثانوية يمكن تجاهلها.