مضى أكثر من شهر منذ بداية الحرب على إيران (بالتعريف القانوني) وتبعاتها على المنطقة، سيما دول الخليج العربية التي تتعرض بدورها إلى عدوان إيراني.
لم يسقط نظام إيران وستتوقف الحرب دون تغيير استراتيجي كبير سوى الهشاشة الامنية الاقليمية. وهذا يفتح باب الصراع الاقليمي على مستوى حاد.
دخل الحوثي متأخراً في خط الحرب بعمليات غير مؤثرة بعد طول انتظار وهذا الدخول يراهن على القدرة على تنفيذ الأذى وتوسيع رقعة الصراع، مع التأكيد على وحدة أطراف الحرب وتفعيل أبعاد المحور الإيراني ضمن استراتيجية التلويح بالخطر دون الذهاب به إلى أقصى حد.
وبهذا تصبح اليمن ضمن رقعة الصراع الإقليمية وأبعادها الدولية التي تتبدى يوماً بعد آخر. فكيف سيكون الوضع في اليمن؟
سيتعرض اليمن في الخمس إلى العشر سنوات القادمة إلى:
- تفاقم المأساة الإنسانية والاجتماعية
- ترسيخ الانقسام السياسي والجغرافي
- استعار التطرف المذهبي والأيديولوجي
- تحول المواجهات المحلية إلى مستوى تقني أعلى
هذه الفرضيات الأربع ليست قائمة على نبوءة مجانية، إنما هي استقراء لمسار الأحداث، وتحديداً على ضوء الحرب الجارية في منطقة الخليج.
كيفما انتهت الحرب الجارية، فإن المنطقة ستدخل في منطق حرب تحت الرماد إذ نسفت إيران كل إجراءات التهدئة مع دول الخليج، وهذه ستعمل على الأخذ بالثأر بصورة طويلة المدى وفي أكثر من وجه، وستعمل على معالجة أوجه القصور في الأمن الإقليمي بخطوات متعددة، منها سباق تسلح لا يرحم.
منذ عقد، واليمن ساحة صراع بالوكالة بين قوتين إقليميتين. تسبّب الحوثيون في هذه الحرب باقتحامهم صنعاء ومحافظات يمنية أخرى في صيف 2014، ومن ثم استجلاب تحالف عسكري إقليمي بهدف استعادة السلطة، وبهذا أسسوا للانقسام الهوياتي والجغرافي والمالي في اليمن.
لكنهم أصبحوا الآن بيدقاً أكبر مما هو متوقع، وانخرطوا تدريجياً في خارطة الصراع الدولي.
وبهذا تتحول اليمن إلى ساحة صراع مزدوج: إقليمي ودولي، أي يجري تدريجياً تدويل الصراع في اليمن وتعدد طبقات التنافس فيه، ويتعدد الفاعلون.
حالياً، في ظل إرهاصات تبدل النظام الدولي نحو صورة جديدة ما تزال غير واضحة، فقد تتمثل بعودة ثنائية قطبية (الصين وأمريكا) أو حرب باردة متعددة الأقطاب. هناك دولتان تمثلان نقطة التقاء قطبي شرارتين، وخط تماس عالي الضغط، هما اليمن وأوكرانيا.
سياسياً، أيّاً كانت وجهة النظام الدولي الجديد، فإن اليمن عقدة صراع وكسر عظم، وستعمل الأطراف الدولية على تعضيد وكلائها المحليين، وبهذا لن يذوي الحوثي، وقد أثبت قدرة تكيف عالية وتثبت نفعه في محور إيران، وهذا رصيد قابل للترويج دولياً لدى الصين أو روسيا أو كليهما.
جيوسيساً، أصبح انقسام اليمن بين كتلتين جغرافيتين وسلطتين أمراً واقعاً يترسخ أكثر فأكثر، مع تمايز هوياتي شديد وفقدان لمتانة الصورة الذهنية لليمن الواحد الموحد. تتآكل الدولة الموحدة مقابل نشوء جيل جديد يعيش تبايناً سلطوياً وسرديتين وطنيتين على الأقل.
وعليه، فإننا أمام عودة شطرية قسرية، فيها منطقة حوثية مغلقة شبيهة بنظام بيونغ يانغ (كوريا الشمالية): قوة تهديد عسكرية وبنية أيديولوجية انفجارية متعددة الحشوات (مذهبية، تاريخية، سياسية)، ومنطقة أخرى رخوة البناء الأيديولوجي، وليست كوريا الجنوبية بطبيعة الحال، ولن تكون في العشر السنوات القادمة لغياب بشائر ذلك.
في منطقة الحوثي، سيتوغل جهاز التحكم في كل مفاصل حياة الفرد. البنية السياسية ستتحول إلى نسخة مماثلة تماماً للنظام الإيراني، يحتل فيها الجهاز العسكري والأمني موقع القلب في الحياة الاقتصادية، وتترسخ السلطة الدينية في الفضاء العام.
بينما كتلة الحكومة - التي لن تستفيض في وصفها مع الاكتفاء بكلمة الهشة، يتحدد مصيرها وهويتها السياسية وقابليتها للحياة بالمتغيرات في الشهور الستة القادمة، وقدرتها على معالجة ما بعد حل الانتقالي، سيما وقد بدأ هذا الأخير في العودة لممارسة دوره وتحدي السلطة الحكومية والاستحكام على الحياة السياسية في محافظات الجنوب.
اقتصادياً، سيغرق الحوثيون في حصار أشد، ويتعاملون معه بآليات تكيف كثيفة مع ضبط الحياة الاقتصادية بالتهريب. المرحلة القادمة ي مرحلة صراع موانيء ومنافذ.
لديهم القدرة على تهديد موانئ الحكومة ومنشآت النفط، وهذه الحكومة لا تمتلك قوة ردع.
بالمقابل، ما لم تتمكن الحكومة في أقرب وقت – بعد إثبات قدرتها الردعية – من استعادة مواردها الذاتية وتفعيلها، فإنها ستعاني من مشاكل اقتصادية نتيجة توجه المنطقة إلى سباق تسلح على حساب المساعدات الخارجية الاقتصادية. دون ردع، فإن الحكومة مرتهنة بتوافقات سياسية إقليمية تتجاوز إرادتها.
ستتعقد الحياة الاقتصادية بسبب موجات تبعات الحرب الراهنة على الاقتصاد العالمي.
عسكرياً، ستتحول المواجهات اليمنية إلى ساحة اختبار للسلاح منخفض الكلفة عالي الفعالية.
وهذا يعني اكتساب الأطراف اليمنية أسلحة وتقنيات جديدة، وسيقلب الاتصال والإنترنت هذه المعركة. من يتحكم بهذه العوامل يستطيع كسب المعركة.
لن تنسحب أمريكا من المنطقة حتى لو اتجهت إلى عزلة داخلية، والسبب هو أمن إسرائيل، وهذا سيمس اليمن.
أمن إسرائيل يتجاوز حدودها الحالية ويمتد إلى جنوب البحر الأحمر وإلى خليج عدن، ومن أجله سيرتسم محور جديد فيه فاعلون دوليون مثل إثيوبيا وغير دوليين مثل صوماليلاند.
سيكون على الحكومة التحضير مسبقاً لضغوط الدخول في محور يضم إسرائيل وإثيوبيا، أو محور عربي بديل يتعامل مع خطرين في آن: خطر الانضمام إلى محور فيه إسرائيل، وهذا يعزز سردية الحوثي، وبالتالي محور بلا شرعية قيمية، وخطر تدويل البحر الأحمر وخلق صراعات متوزعة، لأن الصراع القادم سيحدث براً في اليمن وبحراً في البحر الأحمر.
ستصبح الجزر اليمنية مناطق شدّ وجذب وميدان مناورات. ما هي قدرات الحكومة بحرياً؟
حالياً، الطرف الجاهز للانخراط في صراع دولي إقليمي محلي متوسط الأجل هو الحوثي، وسيتعين على الحكومة معالجة انقسامات الجنوب في أقرب وقت. وكلمة "معالجة" تحتمل معاني كثيرة: سياسية وأمنية واقتصادية. وسيتعين عليها تحقيق ربط عضوي بين محافظات اليمن التي تسيطر عليها لتكوين كتلة سكانية وعسكرية مناهضة ومتماسكة.
تتصارع القوى الدولية والإقليمية من أجل الموارد والنفوذ، وهذا الصراع، على قدر ماديته، إلا أنه يتوارى خلف قيم وأفكار عديدة. ولن تتوانى دولة علمانية في دعم كيان طائفي وإذكاء الصراع المذهبي.
ستصبح المواجهة بين الحوثية الزيدية والسلفية أقوى من أي صراع سياسي آخر، ولن تتمكن الأحزاب من أخذ زمام الأمور وتخفيف الطابع المذهبي إلا بفرض معادلة وبلاغة وطنية وسياسية.
ما لم تمسك السعودية وحدها ملف اليمن (طرف الحكومة) وتخفف من حدة التدخلات الأخرى في هذه الكتلة، فإن الحكومة لن تتمكن من مسايرة إيقاع الصراع القادم.
موقع الحكومة وقدرتها على التموضع الإيجابي في هذه المعادلة الإقليمية والدولية مرهون بقدرتها على تشكيل قيادة موحدة ومركز قرار واحد متماسك وتفاعلي، مهمته توسيع الموارد لا الوقوع في إجراءات تقشف واهية، والخروج من دائرة تلقي المساعدات الخارجية نحو إدارة موارد ذاتية، وتوطين صناعات أمنية وعسكرية في حدود معقولة، والاستفادة من انقسام النظام الدولي دون الوقوع في ارتهان أيديولوجي أو الانخراط في تحالف يقضي على الشرعية المعنوية والقيمية.
حكومياً، الذهاب نحو إجراءات كسر عظم في المواجهة العسكرية والاقتصادية، مع التفاوض على هامش تحرك بين الإرادات الإقليمية والدولية، أمر حتمي ولا مفر منه للبقاء على قيد الحياة.
في الأخير، تنطوي هذه المقاربة التنبؤية على حتمية عالية إلا ان تغيير خارطة السيطرة يمنيا في الفترة القليلة القادمة يمكن ان يخفف من وجهة هذه التصورات.
(من حساب الكاتب في فيس بوك)