لم يكن عبدربه منصور هادي رئيساً صاخباً، ولا قائداً امتلك تلك الكاريزما الحادة التي تجعل الجماهير تهتف باسمه أو تخشاه. جاء إلى السلطة بهدوء رجل التسويات، محمولاً على ظهر مرحلة انتقالية بالغة الارتباك، وفي لحظة بدأت الدولة اليمنية فعلياً في فقدان توازنها بشكل عميق إثر عقود طويلة من الحكم الهش والفساد الضارب في كل مفاصلها والتحالفات المتناقضة ومراكز النفوذ المتشابكة.
وما تزال القوى والنخب التي تعاملت مع هادي بكل الانتهازية والأنانية، تتهكم على هروبه من صنعاء ثم من عدن، برغم أن هذا الهروب منح اليمنيين فرصة لاستعادة الدولة، ومنح هذه القوى فرصة لمزيد من المنافع الضيقة، وبرغم أن عار الهروب كان ينبغي أن يلحق بها هي التي كانت تمتلك القوة الجماهيرية والتنظيمية والسلاح للمواجهة، وتجنبتها.
وللمفارقة القاسية أن الرجل الذي وصل بوصفه “رئيساً توافقياً” انتهى باعتباره المتهم الأول في انهيار الدولة وسقوط الجمهورية وتفكك مؤسساتها، في حين عملت القوى السياسية والاجتماعية والعسكرية التي أحاطت به، وتعاملت معه كمظلة شرعية تمنحها النفوذ والامتيازات، لا مشروعاً وطنياً ينبغي حمايته والوقوف خلفه، عملت على تبرئة نفسها من كل هذا الخراب الذي يطال كل شيء في البلاد.
منذ اللحظة الأولى، بدا هادي رئيساً بصلاحيات أقل من حجم الكارثة التي ورثها. فهو لم يرث دولة متماسكة، بل شبكة معقدة من الولاءات المتصارعة، ومراكز القوى التي تشكلت خلال عقود حكم الرئيس السابق علي عبدالله صالح، حيث ظل الجيش منقسماً، والقبيلة لاعباً أعلى من القانون، والأحزاب تنظر إلى السلطة باعتبارها غنيمة أكثر من كونها مسؤولية.
ورغم أن هادي حاول إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية وتقليص نفوذ مراكز القوى التقليدية، فإن تلك القوى نفسها لم تتوقف عن إضعافه، لا دفاعاً عن الدولة، بل دفاعاً عن مصالحها الخاصة، كانت تدعمه حين يخدم وجوده مصالحها وامتيازاتها، وتتخلى عنه حين تتطلب حساباتها ذلك، بينما بقي وحيداً يتحمل مسؤولية الانهيار المتسارع.
في سنوات حكمه، لم تكن الأزمة مجرد صراع بين سلطة ومعارضة، بل صراع بين مشاريع متداخلة: جماعة الحوثي التي تمددت بقوة السلاح، والرئيس السابق الذي احتفظ بشبكات نفوذ عميقة داخل الدولة، وأحزاب سياسية تبحث عن حصتها، وقوى إقليمية تدير حساباتها الخاصة، ومجتمع أنهكته الانقسامات والفقر والحروب.
وسط كل ذلك، تحوّل هادي تدريجياً إلى واجهة تتلقى الضربات من الجميع. كان مطلوباً منه أن يحافظ على الدولة، في وقت كانت القوى النافذة تتقاسم مؤسساتها وتنهش ما تبقى من سلطتها، وحين سقطت صنعاء بيد الحوثيين، بدا وكأن الجميع وجدوا أخيراً الرجل المناسب لتحميله كامل المسؤولية، رغم أن كثيراً من خصومه وحلفائه كانوا شركاء فعليين في إنتاج لحظة السقوط أو الصمت تجاهها أو الاستفادة منها.
تنصلت مختلف القوى من أي مسؤولية في مواجهة الجائحة الحوثية، وحملت هادي المسؤولية متهمة إياه بالتواطؤ مع الانقلابيين الصاعدين بسرعة تشكل الأوهام، وبينما كان الشارع ينتفض غضباً ويحاول لملمة صفوفه لمواجهتهم، تهافتت تلك القوى لإجراء حوار مع الجماعة التي بدت فاقدة للخبرة في التعامل مع مكاسبها الجديدة، وتركت الرئيس محاصراً وتحت الإقامة الجبرية، لم تضع حتى شرطاً واحداً للحوار يقضي بعدم المساس بمكانته وإن شكلياً.
في تلك اللحظة كانت مختلف تلك القوى قد تخلت عن هادي تماماً، لم يعد في نظرها أكثر من سجين لا حول له ولا قوة، أو آلة تعطلت بعد قرابة 3 أعوام كانت تنتج فيها قرارات تحقق لها المزيد من النفوذ والهيمنة التي سقطت بمجرد سقوط أبواب صنعاء.
كان المطلوب من هادي أن يواجه الهجمة البربرية على صنعاء ومؤسسات الدولة وحده وهو بلا سند سياسي أو اجتماعي حقيقي، أما أولئك الذين استفادوا منه مناصب وامتيازات ونفوذ وثروات، فاكتفوا بالتسليم، وفضلوا الانحناء للعاصفة حتى يأتي من ينقذهم منها، وكان هادي هو المنقذ أيضاً.
عندما تمكن هادي من الهروب إلى عدن عادت تلك القوى للركض خلفه مضحية ببعض مصالحها تحت هيمنة تحالف الانقلاب بين الحوثي وصالح، فهو قادر على تعويضها عمّا خسرته طالما يمكنها تسول القرارات، أو بالأصح إعداد مسوداتها، واستغفاله للتوقيع عليها.
لم يكن هادي بريئاً تماماً من أخطاء المرحلة؛ فقد بدا عليه الضعف والتردد وسوء إدارة التحالفات، وعجز عن بناء مشروع سياسي صلب، وامتدّ هذا إلى آخر سنوات حكمه إذ لم يتمكن من إنتاج قيادة قادرة على توحيد القوى المساندة لشرعيته، وكشفت سنوات الحرب عن فساد واسع داخل كان له مساهمة كبيرة فيه، وظهرت سلطته في أوقات كثيرة بعيدة عن معاناة اليمنيين وغارقة في حسابات النخب والصراعات البينية.
لكن اختزال كل مأساة اليمن في شخص هادي وحده بدا تبسيطاً مريحاً لقوى كثيرة أرادت الهروب من مسؤولياتها التاريخية. فالرجل لم يسقط وحده، بل سقطت معه طبقة سياسية كاملة ظلت لعقود تدير البلاد بمنطق المحاصصة والولاءات لا بمنطق الدولة.
أدار هادي ما أمكنه إدارته من مؤسسات البلاد ومناطق سيطرة سلطته بما وقع في نفسه مما يمكن تسميتها بالعُقَد المزمنة، إذ ظلت أحداث يناير 86 تحكم نظرته للكثير من الأمور، وعاش سنوات حكمه يحاول التخلص من إرث فترة نيابته لصالح، والتي تكونت فيها صورة ذهنية له باعتباره ضعيفاً وصاحب منصب ديكوري، ولم يولِ ثقته إلا لقلة من الشخصيات التي خذلته مراراً، وحاول مساومة قوى سياسية واجتماعية بحماية منصبه مقابل حصولها على المنافع، إلا أنها خانته وتخلت عنه وألقت بكل مسؤوليات الانهيار عليه.
حتى في منفاه الطويل، بدا هادي أشبه برئيس أُنهكته الحرب والعزلة وخيبات الحلفاء. اختفى تدريجياً من المشهد، بينما استمرت القوى التي تقاسمت النفوذ باسمه في إعادة إنتاج صراعاتها ذاتها. وحين أُعلن أمس عن وفاته، بدا الخبر بالنسبة لكثير من اليمنيين أقرب إلى إعلان رمزي عن نهاية مرحلة كاملة، بكل ما حملته من أوهام الانتقال السياسي، وأحلام الدولة، ومرارة الانهيار.
ربما لن يحمل التاريخ لعبدربه منصور هادي صورة واضحة وسهلة الفهم، وربما سيظل اسمه مرتبطاً بسنوات السقوط الكبير، لكن القراءة الأكثر عدلاً لتلك المرحلة تقتضي النظر إليه لا باعتباره المهندس الوحيد للانهيار، بل باعتباره أيضاً واحداً من ضحايا منظومة سياسية واجتماعية أوسع منه بكثير؛ منظومة أتقنت تقاسم السلطة، لكنها فشلت في حماية الدولة حين بدأت تتداعى.