كما هي العادة، ستُقيد جريمة إغتيال الزميل الصحفي محمد عيضة، رحمه الله، مراسل قناتي العربية والحدث في حضرموت ضد مجهول ، وهو أمر اعتدنا عليه في كل جريمة إغتيال تقع ضد الصحفيين، وبالتالي لن تكلف الأجهزة الأمنية نفسها عناء البحث والتحري ومتابعة وملاحقة الجناة وإلقاء القبض عليهم وتقديمهم للمحاكمة، وهي أسهل الطرق في أن تتخلى الأجهزة الأمنية عن مسؤوليتها وعن القيام بواجبها في البحث عن الجناة الفاعلين ومن يقف ورائهم .
رأينا ذلك في السنوات والاشهر الماضية حين قُيدت كل جرائم اغتيالات الصحفيين او معظمها ضد مجهولين وأُغلق موضوع متابعة الجناة وانتهى الأمر .
في السنوات الماضية أُغتيل الصحفيون صابر الحيدري ورشا الحرازي ونبيل القعيطي وأديب الجناني وغيرهم من الصحفيين ، لانهم يعملون في مهنة الصحافة، والتي اصبحت في نظر المجرمين ومن يقف ورائهم جريمة نكراء يجب معاقبة من يمتهنها بالإغتيال واسكات صوته الى الأبد .
إلى اليوم لم نسمع أن تم القبض على الجناة الفاعلين أو المشتبه بهم او داعميهم وتقديمهم الى النيابة للتحقيق معهم ومحاكمتهم لاحقا وقيدت كل الجرائم الواقعة على الصحفيين ضد مجهولين ، هذا التراخي وهذا التساهل في تتبع الجناة وتعقبهم وملاحقتهم ومن يقف ورائهم من قبل الاجهزة الامنية سواء في عدن او تعز او حضرموت او في اي محافظة اخرى، دفع الجناة ومن يقف ورائهم ، بل وشجعهم الى ارتكاب مزيد من هذه الجرائم البشعة لأنهم امنوا العقاب ومن أمن العقاب فخخ سيارة صحفي او قنصه عن بعد ، وكشفت عن فراغ أمني كبير ، خاصة وأن بعض من تعرضوا للإغتيال سبق لهم أن تقدموا ببلاغات الى الأجهزة الامنية والقضائية وتكلموا في وسائل التواصل الاجتماعي قبل اغتيالهم وقتلهم انهم يتعرضون للتهديد ومع ذلك لم تأخذ الأجهزة الأمنية والقضائية بلاغاتهم وشكاويهم على محمل الجد وكانت النتيجة أن تطايرت جثث الصحفيين اشلائاً في الهواء وازهقت أرواحهم البريئة دون ذنب او جريمة ارتكبوها ،سوى انهم في نظر قاتليهم والداعمين لهم انه يجب اسكاتهم واخراص أصواتهم وكتم انفاسهم الى الأبد ، فقد أمن الجناة الملاحقة والعقاب ، لذلك استباحوا الدماء بدم بارد وبحنفة من مال ارضاءً لهذا الطرف او ذاك .
صحيح أن الأعمار بيد الله لكن ، وكما هو معروف ، في أي بلد في العالم حين تتلقى الأجهزة الأمنية والقضائية بلاغات من أشخاص تعرضوا للتهديد بالقتل فإن واجبها توفير الحماية لهم ولو بالحد الادنى على الأقل، ومن تلك الحماية الزام مؤسسات الدولة جميعها والمحال التجارية وغيرهم في الشوارع والاماكن العامة والخاصة بتركيب كاميرات مراقبة لايقاف والحد من الجرائم ولسرعة الوصول الى الجناة ، وجمع معلومات على الفاعلين ، وهو ما لم يحصل أبداً لا مع الصحفيين ولا مع غيرهم ممن تم اغتيالهم وفي وضح النهار وأحيانا بالقرب من مبانٍ تابعة للأجهزة الأمنية.
حين تقع الجريمة ضد الصحفيين أو غيرهم من الشخصيات المعروفة تطالعنا وكالة الأنباء اليمنية والصحف الرسمية بخبر أن رئيس الحكومة أو رئيس الجمهورية كلف وزارة الداخلية بتشكيل لجنة للتحقيق في الجريمة وكأن الوزارة لا تعرف طبيعة عملها وما الذي عليها فعله وهو خلل في فهم روح ونص القانون وكأن متابعة الجناة والكشف عنهم وجمع الاستدلالات والتحقيق الاولي معهم ليس من اختصاصها ، الا بعد أن يُطلب منها تشكيل لجنة للتحقيق ، هذا الفهم القاصر للقانون جعل الجناة أنفسهم يسخرون من هذه الأخبار والتصريحات لأنهم يدركون قلة الخبرة في العمل وفهم القانون ،لذلك يأمنون ليأخذوا نفسا قصيرا ويعاودن ارتكاب جرائمهم في مناطق أخرى، وهكذا يستمر نزيف الدم والعبث بالأمن والاستقرار وثمة من لايريد للأمن والأمان والسلام أن يستقر في اليمن ، وهناك ايضا من لا يريد ان يدوش نفسه في التحري والبحث عن الجناة وهو يعرف أن الجريمة ستقيد ضد مجهول في نهاية المطاف، وبالتالي نرى ان أولياء الدم يحتسبون ابنهم شهيدا وينتظرون الإنصاف من الله ، لانهم لم يروا يوما ان قُدم متهما الى النيابة والمحكمة في اغتيال الصحفيين وأن يد العدالة لم تستطع يوما ان تطال الجناة او تصل إليهم ومن يقف ورائهم ، وللانصاف ثمة حالات ، وهي قليلة ، قُدم متهمون الى العدالة ، لكن لم نرَ متهما باغتيال الصحفيين قُدم الى العدالة حتى الآن.
والسؤال الذي يطرح نفسه الى متى سيظل الصحفي يدفع حياته ثمناً لمواقف سياسية أو عسكرية لم يكن طرفاً فيها وإنما نقلها فتحمل العبئ عن قائلها ودفع حياته ثمناً لها ؟
ومتى سنرى المتهمين في اغتيال الصحفيين في يد العدالة ؟
اعتقد ان الإجابة على هذين السؤالين ترد عليهما الأجهزة الأمنية والقضائية ،كي لاتظل الجرائم ضد الصحفيين مقيدة ضد مجهولين .
مقترح
أرى أن تشكل نقابة الصحفيين اليمنيين ونقابة المحامين اليمنيين لجنة مشتركة لتوثيق جرائم الاغتيالات التي وقعت ضد الصحفيين لتقديمها يوما ما الى العدالة محليا او دوليا، المهم ان يكون التوثيق متطابق مع معايير حقوق الإنسان في جمع المعلومات
رحم الله الصحفي محمد عيضة وكل الصحفيين الذين تم اغتيالهم.