هناك خطأ يتكرر في قراءة المشهد اليمني، وهو اختزال الحرب في المعارك العسكرية، والقصف، وحركة الجبهات.
هذه الصورة، رغم أهميتها، لم تعد تعكس الواقع الذي يعيشه ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين، حيث تحولت الحرب إلى منظومة يومية من القمع والانتهاكات التي تستهدف الإنسان وحقوقه الأساسية.
في السنوات الأولى من النزاع، حظيت الانتهاكات في اليمن باهتمام واسع من المنظمات الدولية والهيئات الحقوقية ووسائل الإعلام. كانت هناك جهود مستمرة للرصد والتوثيق، وضغوط متواصلة من أجل حماية المدنيين.
لكن مع مرور الوقت، تراجع هذا الزخم، وكأن انخفاض وتيرة العمليات العسكرية يعني تلقائيًا تراجع الانتهاكات. والحقيقة أن ما حدث هو العكس تمامًا.
اليوم، يعيش ملايين المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين تحت واقع أكثر قسوة وأقل ظهورًا أمام العالم. لم يعد الخوف يقتصر على الصحفيين أو النشطاء، بل امتد إلى المواطن العادي.
أصبح التعبير عن الرأي محفوفًا بالمخاطر، حتى إن مجرد الإعجاب بمنشور على وسائل التواصل الاجتماعي أو إعادة نشر تغريدة قد يضع صاحبه تحت طائلة الملاحقة أو الاحتجاز.
إنها سياسة لا تستهدف أفرادًا بعينهم، بل تهدف إلى ترسيخ الخوف داخل المجتمع وإخضاعه بالكامل.
ولا تقف الانتهاكات عند حدود تقييد حرية التعبير، بل تمتد إلى الاعتقالات التعسفية، والإخفاء القسري، والتعذيب، وملاحقة العاملين في المجال الإنساني، وفرض القيود على المجتمع المدني، وتقويض الحقوق الأساسية، بما في ذلك الحق في الصحة، من خلال سياسات أضرت بجهود الوقاية والرعاية الصحية، وأثرت في وصول الخدمات الأساسية إلى السكان.
كما لا تزال الاعتداءات على المدنيين مستمرة في عدد من المناطق، سواء عبر القصف أو القنص أو غيرها من الانتهاكات المرتبطة بالنزاع.
وربما تكمن خطورة المشهد في أن البيئة التي يمكن أن توثق هذه الانتهاكات أصبحت هي الأخرى مستهدفة. فمن الصعب الحديث عن مجتمع مدني مستقل في ظل الملاحقات والقيود المفروضة على النشطاء والعاملين في المجال الحقوقي.
أما المنظمات المحلية التي ما تزال موجودة في مناطق سيطرة الحوثيين، فلم تعد تؤدي الدور الرقابي والحقوقي الذي ينتظره الضحايا، لأسباب متعددة، وهو ما خلق فجوة كبيرة في الرصد والتوثيق، وترك كثيرًا من الانتهاكات بعيدًا عن اهتمام المجتمع الدولي.
لهذا السبب، تزداد أهمية الدور الذي تضطلع به المنظمات الدولية المستقلة، مثل هيومن رايتس ووتش، العفو الدولية، المفوضية السامية لحقوق الإنسان، وغيرها من الهيئات الأممية.
فمع تضييق الخناق على المجتمع المدني المحلي، لم يعد بالإمكان التعويل على الداخل وحده لنقل حقيقة ما يجري. كما أن استمرار احتجاز موظفين أمميين وعاملين في المجال الإنساني يمثل تحديًا إضافيًا أمام جهود حماية حقوق الإنسان، ويستدعي مواصلة المطالبة بالإفراج عنهم وضمان قدرتهم على أداء مهامهم.
تراجع الاهتمام الدولي لا يعني أن الانتهاكات قد توقفت، بل قد يعني أنها أصبحت أقل ظهورًا وأكثر صعوبة في التوثيق.
وهذا تحديدًا ما يجعل استمرار الرصد والمتابعة والمساءلة أمرًا لا يحتمل التأجيل. فغياب الكاميرات لا يعني غياب الضحايا، وهدوء الجبهات لا يعني أن حقوق الإنسان أصبحت في مأمن.
ولا تقتصر حماية المدنيين في اليمن على وقف إطلاق النار، بل تشمل أيضًا عدم السماح بتحول مناطق سيطرة الحوثيين إلى مساحة مغلقة، تُرتكب فيها الانتهاكات بعيدًا عن أنظار العالم، وبعيدًا عن أي مساءلة أو محاسبة.