حين يقول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن الحوثيين تواصلوا مع إدارته، وإنهم لا يريدون تدخلا أمريكيا في الحرب، وإنهم يسمحون بمرور معظم السفن، فإن المسألة لم تعد مجرد تصريح عابر، بل تكشف عن معركة سياسية تجري بالتوازي مع المعركة العسكرية.
فالذي يحاول الحوثيون فعله واضح: تحويل مكاسبهم العسكرية على الساحل وباب المندب إلى ورقة سياسية، وتقديم أنفسهم لواشنطن بمساعدة الوسيط المعروف باعتبارهم الطرف القادر على تقديم الضمانات وحماية المصالح.
وهنا يجب أن تسبق الشرعية الحوثيين إلى واشنطن: المطلوب ليس استجداء تدخل أمريكي، ولا مطالبة واشنطن بخوض حرب نيابة عن اليمنيين، وإنما التذكير بتعريف القضية أمام الإدارة الأمريكية بصورة أكثر دقة. هذه ليست مجرد معركة يمنية؛ إنها قضية سيادة دولة، وأمن إقليمي، وملاحة دولية، ومنع قيام نفوذ إيراني مسلح على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وعلى الشرعية أن تقول للأمريكيين بوضوح: نحن مع حماية الملاحة الدولية، ومستعدون لتقديم كل الضمانات اللازمة لذلك، لكن الضامن الحقيقي يجب أن يكون الدولة اليمنية، لا جماعة إرهابية مسلحة يقابل ذلك تحرك عسكري منظم على الأرض.
والأهم أن على واشنطن ألا تنظر إلى الحوثيين باعتبارهم طرفا سياسيا يمكن الوثوق بتعهداته. نحن أمام جماعة مسلحة متطرفة، مصنفة كجماعة إرهابية في الولايات المتحدة، لا تزال تستخدم العنف والإكراه وسيلة لفرض إرادتها على السعب اليمني، بل هذا من صميم وجودها وتكوينها، وتقوم قوتها على الحرب والقمع والتسلط والإرهاب، ولا تعرف في إدارة صراعاتها إلا منطق السلاح وفرض الأمر الواقع. وسيكون منة الخطأ السياسي والاستراتيجي أن تتحول هذه الجماعة، بمجرد امتلاكها القدرة على تهديد الملاحة، إلى طرف يمنح الضمانات الدولية أو يفرض شروطه على المجتمع الدولي.
كما يجب أن تكون الرسالة أكثر وضوحا بشأن أي تفاهم أمريكي حوثي محتمل او تفاهم حوثي مع اي دولة اخرى لاعبة. لا اعتراض على وقف التصعيد وحماية الملاحة، لكن لا ينبغي أن يتحول أي تفاهم إلى اعتراف ضمني بسيطرة الجماعة الإرهابية على باب المندب أو الجزر اليمنية، ولا إلى مكافأة سياسية على مكاسب عسكرية.
فإذا حدث ذلك، فإن المجتمع الدولي لن يكون قد أوقف الحرب، بل سيكون قد كافأ القوة المسلحة على تغيير الجغرافيا وفرض الأمر الواقع. والخطر الحقيقي ليس فقط أن يسيطر الحوثيون على جزيرة أو مدينة لفترة من الزمن، وإنما أن تتحول هذه السيطرة لاحقا إلى حقيقة سياسية تقول للعالم: لقد أصبحنا هنا، فلنتفاوض على بقائنا.
المعركة الآن تجري على مستويين متوازيين: معركة ميدانية لاستعادة الساحل والجزر والمواقع الاستراتيجية ومنع تثبيت السيطرة الحوثية عليها، ومعركة سياسية لمنع تحويل هذه السيطرة العسكرية إلى شرعية دولية. وهذه الثانية قد تكون أخطر من الأولى، لأن خسارة موقع عسكري يمكن ان يستعاد، لكن تحويل السيطرة المسلحة إلى أمر واقع مقبول دوليا او فيه تفاؤل للتفاوض قد يجعل استعادته أكثر تعقيدا وكلفة.
وهذا تحديدا ما يجب على الشرعية إفشاله. على القيادة الشرعية أن تكثف تحركها الآن، وبسرعة، بل وبشكل اكبر في الرياض وواشنطن والعواصم المعنية، وأن تقدم خطة واضحة لا مجرد مطالب: توحيد القوات اليمنية بغرفة عمليات واحدة بالاستفادة من القوة المنسحبة بذكاء، والعمل لاستعادة المواقع الاستراتيجية، وتأمين باب المندب، وضمان حرية الملاحة بالشراكة مع المجتمع الدولي. وفي الوقت نفسه، يجب التأكيد أن الشرعية لا تغلق باب الحل السياسي، لكنها ترفض أن يكون السلاح جواز مرور إلى الى شرعنة جماعة ارهابية متمردة.
يجب جعل واشنطن تدرك أن قبول صيغة من نوع "لا تستهدفوا مصالحكم وسنترككم وشأنكم" قد يمنح الحوثيين مكسبا يتجاوز اليمن. فباب المندب ليس ورقة تفاوض حوثية، ولا ورقة نفوذ إيرانية، ولا ثمنا لتفاهم أمريكي مؤقت؛ إنه سيادة يمنية وممر دولي. وسيكوم من الخطأ أن تسمح الولايات المتحدة، أو أي قوة دولية، بتحويل جماعة إرهابية مسلحة إلى حارس لهذا الممر مقابل تعهدات مؤقتة لا تملك الجماعة ضمان استمراريتها.
حانت اللحظة التي يجب فيها على الشرعية أن تتحرك بشكل اكبر كدولة لا كطرف منكسر؛ أن تزيد من مخاطبة واشنطن بلغة المصالح، والرياض بلغة الشراكة، والمجتمع الدولي بلغة القانون والسيادة. لا تطلبوا من العالم أن ينقذ اليمن فقط؛ قدموا له شريكا يمنيا قادرا على حماية اليمن وباب المندب.
والرسالة الأوضح التي ينبغي أن تصل إلى واشنطن والعالم بما فيهم الوسيط اللدود هي: لا تمنحوا الحوثيين شرعية من بوابة باب المندب. فمن يفرض نفسه بالسلاح، لا ينبغي أن يكافأ بمنحه حق التفاوض على ما استولى عليه بالسلاح.