10 أغسطس 2026
10 أغسطس 2026


منذ سيطرة الحوثي على صنعاء في سبتمبر/أيلول 2014، خضع اليمن لجملة من قرارات مجلس الأمن، أبرزها القرار 2140 لعام 2014، ثم القرار 2216 لعام 2015، إلى جانب قرارات لاحقة مددت أو طورت نظام العقوبات المفروض على أفراد وكيانات مرتبطة بتهديد السلام والأمن والاستقرار في اليمن.

اتخذ مجلس الأمن الدولي هذه التدابير بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. والقرار 2216، مثلا، نص صراحة على أنه صادر بموجب الفصل السابع، وطالب الحوثيين بإنهاء استخدام العنف والانسحاب من المناطق التي سيطروا عليها، بما فيها العاصمة صنعاء.

ماذا تعني هذه القرارات؟

أولاً: الصفة الإلزامية

القرارات التي يتخذها مجلس الأمن بموجب الفصل السابع تكون ملزمة للدول الأعضاء وفق أحكام ميثاق الأمم المتحدة، ولا تتوقف إجراءات تنفيذ العقوبات الواردة فيها على موافقة الأطراف المحلية في اليمن.

ثانياً: تجميد الأصول وحظر السفر

فرض مجلس الأمن تدابير محددة الهدف، شملت تجميد الأصول وحظر السفر بحق أفراد وكيانات مدرجة على قائمة العقوبات. وأُدرج عبد الملك الحوثي على القائمة في 14 أبريل/نيسان 2015، باعتباره قائداً لجماعة شاركت، وفق ملخص لجنة العقوبات، في أعمال تهدد السلام والأمن والاستقرار في اليمن.

ثالثاً: حظر الأسلحة

فرض القرار 2216 حظرًا موجهًا على توريد الأسلحة والمعدات العسكرية إلى الأفراد والكيانات المدرجة في نظام العقوبات، ومن يتصرفون بالنيابة عنهم أو بتوجيه منهم. وبالتالي، فإن وصف هذه التدابير بأنها "حصار شامل على الشعب اليمني" لا يعكس طبيعتها القانونية؛ فهي في الأصل تدابير عقابية وحظر أسلحة محدد الهدف.

رابعاً: لجنة الخبراء

أنشأ مجلس الأمن فريق خبراء لمساعدة لجنة العقوبات على متابعة تنفيذ التدابير، والتحقيق في الانتهاكات، وتقديم المعلومات والتقارير ذات الصلة.

ومن المهم التفريق بين العقوبات الدولية وحظر الأسلحة من جهة، وبين فرض حصار شامل على اليمنيين أو منع دخول السلع والمواد التجارية من جهة أخرى.

ماذا عن الموانئ وآلية التفتيش؟

في مايو/أيار 2016، أطلقت الأمم المتحدة آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش (UNVIM) ومقرها جيبوتي، بناءً على طلب الحكومة اليمنية.

اللافت أن الهدف المعلن للآلية كان تسهيل التدفق غير المعوق للسلع والخدمات التجارية إلى اليمن، مع ضمان الالتزام بحظر الأسلحة المفروض بموجب القرار (2216).

كما نصت الأمم المتحدة على أن الآلية تقدم خدمات تخليص سريعة ومحايدة للسفن التي تنقل الواردات التجارية والمساعدات الثنائية إلى الموانئ اليمنية الواقعة خارج سلطة الحكومة.

ومن هنا، يحاول الحوثيون اختزال هذه الآلية في وصفها بأنها "حصار على الشعب اليمني" ويتجاهلون الغرض الذي أنشئت من أجله. فهي، وفق الأمم المتحدة نفسها، صممت لتسهيل دخول السلع التجارية والمساعدات، مع التحقق من عدم انتهاك حظر الأسلحة.

وتبقى قضية تهريب الأسلحة إلى الحوثيين من إيران موضوعاً منفصلاً عن حركة السلع التجارية، وقد وثقت الأمم المتحدة على مدى سنوات انتهاكات مرتبطة بحظر الأسلحة، في حين تفرض قرارات مجلس الأمن تدابير لمنع وصول الأسلحة إلى الأفراد والكيانات المشمولة بالحظر، وتم مصادرة سفن وقوارب تحمل أسلحة ومعدات تصنيع في البحرين العربي والأحمر كانت في طريقة من موانئ إيران إلى الحوثيين.

مطار صنعاء والرحلات التجارية

أما الحديث عن "حصار جوي" فيحتاج أيضاً إلى كثير من الدقة لمواجهة ادعاءات الحوثيين.

في أعقاب الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة عام 2022، استؤنفت الرحلات التجارية المحدودة من مطار صنعاء، وكان خط صنعاء ـ عمّان أبرز خطوط السفر المنتظمة التي عادت للعمل. كما استُخدم المطار في الرحلات الإنسانية التابعة للأمم المتحدة والمنظمات الدولية.

في 6 مايو/أيار 2025 تعرض مطار صنعاء لغارات إسرائيلية أدت إلى أضرار واسعة وأوقفت حركة الطيران فيه، قبل أن تُستأنف الرحلات المحدودة في 17 مايو/أيار بعد أعمال إصلاح مؤقتة.

في 28 مايو/أيار 2025 تعرض المطار لهجوم إسرائيلي جديد أدى إلى تدمير آخر طائرة مدنية تابعة للخطوط الجوية اليمنية كانت تعمل من المطار، ما أدى إلى تعليق الرحلات مجدداً.

وهنا يجب التفريق بين أمرين: القيود التي فرضتها ظروف الحرب والتصعيد العسكري على حركة الطيران، وبين الادعاء بأن هذه القيود دليل على حصار شامل ومتعمد للشعب اليمني.

البنوك وتمويل الحرب

في ملف القطاع المصرفي، يطرح الحوثيون إجراءات الرقابة على المؤسسات المالية باعتبارها شكلاً من أشكال "الحصار"، بينما تقول الجهات المناهضة لهم إن المشكلة تتعلق باستخدام النظام المالي في عمليات مرتبطة بتمويل الحرب وشبكات مالية غير مشروعة.

ولذلك، فإن القضية لا تتعلق ببساطة بمنع اليمنيين من استخدام البنوك، وإنما بالصراع حول من يسيطر على النظام المصرفي، وكيف تُدار الأموال، وما إذا كانت المؤسسات المالية تُستخدم في تمويل العمليات العسكرية أو شبكات التهريب.

ومن الخطأ أيضاً الخلط بين إجراءات تستهدف شبكات أو كيانات مالية محددة وبين "حصار اقتصادي شامل على الشعب".

حملات الحوثيين ضد منظمات الإغاثة

يبرز وجه آخر للأزمة يتمثل في الإجراءات التي اتخذها الحوثيون ضد موظفي الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمحلية العاملة في مناطق سيطرتهم.

تعرض العاملون في المجال الإنساني للاعتقال، كما واجهت منظمات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية الإغاثية قيوداً متزايدة على أنشطتها، الأمر الذي أثار تحذيرات أممية متكررة بشأن أثر ذلك على قدرة المنظمات على الوصول إلى كل المحتاجين.

تزداد خطورة هذه الإجراءات في بلد يعتمد ملايين من سكانه على المساعدات الإنسانية. لأن التضييق على عمل المنظمات أو اعتقال موظفيها أو تعطيل برامجها ينعكس بصورة مباشرة على المدنيين، ويعمّق الفجوة الإنسانية والمعيشية.

حصار تعز وإغلاق الطرق.. وجه آخر للحصار الداخلي

من أبرز صور ما يمكن وصفه بـالحصار الداخلي الذي يفرضه الحوثيون على المدنيين، ما تتعرض له مدينة تعز من حصار وإغلاق للطرق والمنافذ الحيوية، وما رافق ذلك من قيود على حركة السكان ووصول السلع والمساعدات والخدمات الأساسية.

ليس هذا فحسب، فقد أغلقت الحوثيون وعطلوا طرقاً رئيسية في عدد من المحافظات، ما ضاعف من معاناة المواطنين وإجبارهم في بعض الحالات على سلوك طرق بديلة وطويلة، ورفع كلفة التنقل ونقل المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية.

هذا العمل يكشف عن مفارقة واضحة وعجيبة في خطاب الحوثيين؛ فبينما تُقدَّم القيود المفروضة عليهم خارجياً باعتبارها "حصاراً على الشعب اليمني"، يتم تجاهل القيود التي يفرضونها على حركة المواطنين والسلع داخل البلاد. إذا كان الحصار يعني تقييد حركة السكان ومنع وصولهم إلى الطرق والمنافذ والخدمات الأساسية، فإن ما شهدته تعز ومناطق يمنية أخرى يمثل أحد أبرز أوجه الحصار الداخلي الذي دفع المدنيون ثمنه لسنوات.

من المستفيد من سردية "الحصار"؟

المشكلة الأساسية في خطاب الحوثيين ليست في استخدام كلمة "حصار" فحسب، وإنما في توظيفها سياسياً لتقديم مجموعة مختلفة من الإجراءات والقيود باعتبارها سياسة واحدة تستهدف الشعب اليمني بأكمله.

والعقوبات الدولية تستهدف أفراداً وكيانات محددة، وحظر الأسلحة مرتبط بتدابير أممية واضحة، وآلية UNVIM أنشئت أصلاً لتسهيل دخول السلع التجارية والمساعدات إلى الموانئ الواقعة خارج سيطرة الحكومة، بينما تعطلت حركة مطار صنعاء في فترات مختلفة بفعل التطورات العسكرية والهجمات المتبادلة بين الحوثيين وإسرائيل.

في المقابل، لا يمكن إنكار الآثار الإنسانية والاقتصادية التي خلفتها الحرب، ولا القيود التي فرضها الحوثيون على حركة الأشخاص والسلع في مناطق سيطرتهم، فضلاً عن القيود الناتجة عن الحرب. لكن اختزال كل هذه التداعيات في وصفها بأنها "حصار مفروض على الشعب اليمني" يتجاهل تعقيدات الحرب وتعدد أسباب الأزمة، ويقدم تفسيراً سياسياً أحادياً لمعاناة اليمنيين.

الحصار الحقيقي هو إطالة أمد الحرب

السؤال الذي ينبغي طرحه ليس فقط: من يحاصر اليمن؟ بل أيضاً: من يملك قرار الحرب والسلام، ومن يستفيد من استمرار هذه المعاناة؟

المواطن اليمني هو الطرف الذي يدفع الثمن الأكبر، ومن هذا المنظور، وتحويل معاناة اليمنيين إلى أداة سياسية، واستخدام مصطلح "الحصار" لتبرير استمرار الحرب أو المطالبة بتعويضات دون تفكيك أسباب الأزمة ومسؤوليات أطرافها، لا يقدم حلاً للمدنيين.

في المجمل، استمرار الترويج لرواية "الحصار" بوصفها التفسير الوحيد لمعاناة اليمنيين لا يساعد في معالجة جذور الأزمة.

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI