21 سبتمبر 2026
21 سبتمبر 2026


تحلّ ذكرى 21 سبتمبر 2014 على اليمنيين مثقلةً بسنوات من الحرب والانقسام والدمار، وبحزنٍ عميق على الكم الهائل من القتلى والجرحى والنازحين الذين دفعوا ثمن صراعٍ لم يكن المواطن البسيط طرفًا في صناعة قراراته.

فمنذ ذلك اليوم، لم تكن الخسارة في مؤسسات الدولة وحدها، بل امتدت إلى حياة الناس وأمنهم وبيوتهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم. وبين ركام الدولة وطوابير الجوع ومطارات الغربة، ظلّ اليمني يدفع الكلفة الأكبر، عامًا بعد عام.

يحزنني، كما يحزن كل يمني، هذا العدد الهائل من أبناء شعبنا الذين فقدوا حياتهم خلال سنوات الحرب، وآلاف آخرون أصيبوا أو فقدوا أحباءهم أو أصبحوا عاجزين عن العودة إلى حياتهم الطبيعية. خلف كل رقم إنسان، وخلف كل ضحية أسرة مكلومة، وخلف كل بيتٍ هُدم قصة عائلة فقدت أمنها وذاكرتها ومستقبلها.

ولم يتوقف وجع اليمنيين عند من قُتل أو جُرح، بل امتد إلى ملايين اضطروا إلى ترك بيوتهم ومدنهم وقراهم. فقد أصبح النزوح أحد أكثر الوجوه قسوة للأزمة اليمنية، حيث اضطر ملايين اليمنيين إلى النزوح داخل البلاد، بينما اضطر آخرون إلى عبور الحدود بحثًا عن الأمان والاستقرار، فتوزع اليمنيون بين دول الجوار ودول المنطقة، ووصلت الهجرة إلى بلدان بعيدة في آسيا وأوروبا وأمريكا الشمالية وغيرها.

وهكذا لم تعد مأساة اليمن مجرد حرب داخل حدود وطن، بل أصبحت مأساة شعبٍ تشتتت أسرُه بين المخيمات والمدن والمطارات والموانئ والحدود. عائلاتٌ انفصلت عن بعضها، وأبناءٌ كبروا بعيدًا عن مدن آبائهم، وأجيالٌ من الأطفال أصبح الوطن بالنسبة إلى بعضهم ذكرى أو صورة في هاتف أو حكاية يسمعونها من آبائهم.

وفي دول الجوار، حمل اليمنيون معهم خوف الحرب وآثارها الاقتصادية والاجتماعية، وبدأوا حياة جديدة في ظروف لم يختاروها. وفي بقاع أخرى من العالم، تشكلت جاليات يمنية جديدة، تبحث عن الأمان والعمل والتعليم والاستقرار، لكنها تحمل معها سؤالًا مؤلمًا: متى يصبح من الممكن العودة إلى وطنٍ آمن يستطيع الإنسان فيه أن يعيش بكرامة دون أن يضطر إلى البحث عن وطن بديل؟

إن تشتت اليمنيين في بقاع العالم ليس مجرد ظاهرة هجرة، بل هو أحد أكثر الآثار الإنسانية إيلامًا للحرب. فحين يضطر الإنسان إلى مغادرة وطنه، لا يحمل حقيبته فقط؛ بل يحمل معه ذاكرته ولهجته وبيته وأصدقاءه وأحلامه، ويحمل سؤالًا دائمًا عن اليوم الذي يستطيع فيه العودة.
ولم يعد المواطن اليمني يواجه فقط سؤال: كيف نوقف الحرب؟ بل أصبح يواجه سؤالًا أكثر مرارة: **كيف نستعيد وطنًا فقدنا فيه الأمن، وتفرقت فيه الأسر، وتوقفت فيه الرواتب، واضطر فيه أبناؤنا إلى البحث عن مستقبلهم في أماكن أخرى؟

ففي ذلك اليوم، 21 سبتمبر 2014، سقطت العاصمة صنعاء تحت سيطرة جماعة مسلحة، وتراجعت مؤسسات الدولة أمام منطق القوة، وبدأ فصلٌ جديد من تاريخ اليمن عنوانه اختلال السلطة، وتعدد مراكز القرار، وتحول السلاح من وسيلة دفاع إلى أداة لفرض الإرادة السياسية.

وليست هذه الذكرى مناسبة لاستدعاء الأحقاد أو تعميق الانقسام، بل محطة للتأمل والمساءلة: كيف وصلت الدولة اليمنية إلى هذا السقوط؟

ولماذا لم تستطع القوى اليمنية، طوال السنوات الماضية، الوصول إلى صيغة تعيد الاعتبار للدولة ومؤسساتها وتضع حدًا لمنطق القوة والسلاح؟

ولماذا لا يقبل الحوثي، بعد كل ما جرى، أن يعيش كبقية القوى السياسية ضمن دولة واحدة، فيخضع سلاحه للمؤسسات الوطنية، ويسهم في بناء يمنٍ يتساوى فيه الجميع؟

لم يكن سقوط صنعاء مجرد انتقال للسيطرة على مدينة، بل كان انهيارًا لمبدأ أساسي في حياة الدول: أن تكون السلطة العامة محكومة بالقانون، وأن يكون السلاح حكرًا على المؤسسات الوطنية، وأن يُحسم التنافس السياسي عبر الحوار والانتخابات، لا عبر الحصار والاقتحام والقوة المسلحة.

ومنذ ذلك اليوم، أصبح اليمن أمام سؤال مصيري: هل تكون الدولة مرجعية الجميع، أم تبقى الجماعة المسلحة صاحبة الكلمة الأعلى؟ فالدولة لا يمكن أن تستعيد عافيتها فيما يوجد طرف يحتفظ بجيش خاص، وقرار حرب مستقل، ومؤسسات موازية، وقدرة على فرض شروطه على المجتمع وبقية القوى السياسية.

بعد سنوات من الحرب والانقسام، لم يعد المواطن اليمني يبحث عن انتصار جماعة أو هزيمة جماعة، بل يبحث عن قوت يومه، وراتبٍ يكفي أسرته، ودواءٍ لمريضه، وبيتٍ آمن، ومستقبلٍ لا تحكمه أصوات الرصاص. لقد أنهكت الحرب الناس، وأثقلت كاهل الأسر، ودفعت الملايين إلى الفقر والنزوح والهجرة، بينما استمرت القيادات والجماعات في إدارة صراعاتها على حساب المواطن البسيط.

أيُّ مشروع سياسي هذا الذي يترك الشعب جائعًا وخائفًا وممزقًا؟ وأيُّ سلطة تدّعي حماية الوطن بينما يعجز المواطن عن تأمين احتياجات أسرته الأساسية؟ لماذا لا يكون إنقاذ الإنسان اليمني أولوية قبل الشعارات والمناورات والاحتفاظ بالسلاح؟

لقد تعب الشعب اليمني من الحرب، وتعب من الوعود، وتعب من سلطة لا تمنحه أمنًا ولا راتبًا ولا كرامة. وهو لا يريد دولة تُحكم بالقوة، بل دولة تحميه وتوفر له الحياة الكريمة. يريد أن يستيقظ دون خوف، ويعمل دون ابتزاز، ويختلف دون اعتقال، ويعيش مواطنًا كامل الحقوق في وطنٍ لا تتحكم فيه جماعة مسلحة.

إن من يدّعي الدفاع عن الشعب مطالبٌ أولًا بأن يسمع أنينه. فالشعب الذي يبحث عن لقمة عيشه لا يمكن أن يقبل استمرار الحرب من أجل نفوذ جماعة، ولا يمكن أن يظل رهينة لمشروع سياسي يُقدّم السلاح على الخبز، والسلطة على حياة الناس، والشعارات على مستقبل اليمن.

أسئلة تحتاج إلى إجابة

- لماذا لا يعترف الحوثي بأن 21 سبتمبر كان يومًا سقطت فيه الدولة، لا يومًا انتصرت فيه السياسة؟

-إذا كان مشروعه وطنيًا، فلماذا بدأ بالسيطرة المسلحة على العاصمة بدلًا من الاحتكام إلى المؤسسات والانتخابات؟

-لماذا يصر على الاحتفاظ بالسلاح الثقيل والمتوسط خارج مؤسسات الدولة، رغم أن هذا السلاح كان سببًا مباشرًا في إطالة الحرب وتعطيل السلام؟

-إذا كان واثقًا من تأييد اليمنيين، فلماذا لا يتحول إلى حزب سياسي مدني يخوض المنافسة عبر البرامج والانتخابات، بدلًا من فرض النفوذ بالقوة؟

-بأي منطق يمكن الحديث عن السيادة اليمنية فيما يوجد قرار عسكري وأمني خارج الدولة؟

-لماذا يُطلب من بقية اليمنيين الخضوع للقانون، بينما يمنح الحوثي نفسه حقًا استثنائيًا في امتلاك السلاح وتحديد مصير البلاد؟

-هل يريد الحوثي دولة لجميع اليمنيين، أم سلطة فوق الدولة لا تخضع للمساءلة؟

-من يتحمل مسؤولية الضحايا والنازحين والدمار حين يكون قرار الحرب بيد جماعة واحدة؟

-لماذا تُعامل المطالبة بجيش وطني واحد وقانون واحد باعتبارها عداءً، بينما تُقدَّم هيمنة الجماعة باعتبارها حقًا مكتسبًا؟

-ما الذي يمنع الحوثي من إعلان التزامه الصريح بتسليم الأسلحة الثقيلة والمتوسطة إلى دولة يمنية متوافق عليها؟

-كيف يُطلب من المواطن الصابر أن يتحمل المزيد، بينما تستمر صراعات النفوذ ويظل راتبه وحقه في الأمان معلّقين؟

-هل يقبل أن يكون جزءًا من الدولة اليمنية، أم يريد أن تكون الدولة جزءًا من مشروعه؟

-وهل يملك الشجاعة السياسية للاعتراف بأن زمن الجماعات المسلحة يجب أن ينتهي، وأن زمن الدولة يجب أن يبدأ؟

إن أي حديث عن السلام لا يتناول أصل الأزمة سيظل مجرد هدنة مؤقتة. وأصل الأزمة هو وجود قوة مسلحة خارج الدولة، قادرة على تعطيل المؤسسات، وفرض الأمر الواقع، وإبقاء المجتمع في حالة خوف واستنفار دائمين.

السلام الحقيقي لا يعني فقط وقف إطلاق النار، بل يعني إنهاء أسباب الحرب. ولا يمكن إنهاء أسباب الحرب من دون توحيد المؤسسة العسكرية والأمنية، وإعادة الاعتبار للقضاء، وضمان الحقوق والحريات، ورفض الاعتقال خارج القانون، وفتح المجال أمام التنافس السياسي السلمي.

إن تسليم السلاح للدولة لا يعني إلغاء أنصار الحوثي أو حرمانهم من حقوقهم السياسية، بل يعني مساواتهم بغيرهم من المواطنين، وتحويل الجماعة إلى مكوّن سياسي يخضع للدستور والقانون، لا إلى سلطة تفرض نفسها بقوة السلاح.

اليمن ليس ملكًا للحوثي، كما أنه ليس ملكًا لأي جماعة أو حزب أو منطقة. اليمن وطنٌ لجميع أبنائه، ولا يحق لأي طرف أن يختزل هويته في شعاره، أو يربط مستقبل الملايين بمشروعه، أو يطلب الاعتراف بسلطته بينما يرفض الاعتراف بحقوق الآخرين.

فهل يريد الحوثي دولة يحكمها القانون، أم سلطة تستمد قوتها من السلاح؟

هل يقبل أن يكون أنصاره ومواطنوه متساوين مع بقية اليمنيين، أم يصر على تقسيم المجتمع إلى أصحاب حق وخصوم وتابعين؟

وهل يستطيع أن يقدم لليمنيين إجابة واضحة عن السؤال الذي يطارد هذه الذكرى: لماذا لا يترك سلاحه للدولة، إذا كان يريد فعلًا بناء دولة لا بناء سلطة؟

في ذكرى 21 سبتمبر 2014، لا يحتاج اليمنيون إلى مزيد من الشعارات، بل إلى مراجعة صادقة ومسؤولة. لقد أثبتت السنوات الماضية أن تعدد مراكز القوة لا يصنع استقرارًا، وأن السلاح المنفلت لا يحمي الوطن، وأن أي طرف يضع نفسه فوق الدولة يساهم في تعميق الانقسام وإطالة معاناة البلاد.

لقد آن الأوان أن يتوقف الجميع عن المتاجرة بمعاناة الشعب، وأن يدرك الحوثي وسائر القوى أن اليمنيين لا يريدون حربًا جديدة ولا سلطةً مسلحة، بل يريدون دولةً واحدة، وقانونًا واحدًا، وراتبًا منتظمًا، وأمنًا، وكرامة، وقوت يومٍ لا يُنتزع منهم باسم السياسة أو الثورة أو المذهب.

إن استعادة اليمن تبدأ من الاعتراف بأن الدولة ومؤسساتها تضررت بشدة عندما تقدمت القوة المسلحة على السياسة، وأن إنقاذها يتطلب إعادة السلاح إلى مؤسسات الدولة، وإعادة القرار إلى شعبها، وإعادة السياسة إلى ساحاتها الطبيعية: الحوار، والانتخابات، والقانون، والمواطنة المتساوية.

فمن يريد حكم اليمن عليه أن يقنع اليمنيين، لا أن يخيفهم. ومن يريد حماية اليمن عليه أن يبني جيشًا وطنيًا، لا أن يحتفظ بجيش خاص. ومن يريد أن يكون جزءًا من المستقبل فعليه أن يترك منطق الغلبة، لأن اليمن لن ينهض إلا بدولة واحدة، وسلاح واحد، وقانون واحد، وحقوق متساوية لجميع أبنائه.

ويبقى وجع اليمنيين هو الحقيقة التي لا ينبغي أن تضيع وسط كل الشعارات: لقد دفع المواطن ثمن الحرب من دمه، وأمنه، ولقمة عيشه، وبيته، ومستقبل أبنائه. فمن قُتل فقد حياته، ومن نزح فقد بيته، ومن هاجر حمل وطنه في حقيبته، ومن بقي في الداخل ما زال ينتظر دولةً تحميه.

ومن ركام الدولة إلى طوابير الجوع، ومن مخيمات النزوح إلى مطارات الغربة، يبقى السؤال الأكبر: متى تنتهي معركة السلطة، وتبدأ معركة إنقاذ الإنسان اليمني؟

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI