في ظل انقطاع الإنترنت، لا تصل إلى خارج إيران سوى معلومات محدودة من الداخل. ويُعتقد أن الاحتجاجات الشعبية في الشوارع تراجعت إلى حد كبير عقب المواجهة الشديدة داخل شوارع عدد من المدن، غير أن التوترات خارج حدود البلاد لا تزال متواصلة، فيما لا يستبعد بعض المحللين احتمال إقدام الولايات المتحدة على خطوة ما.
وضمن حديث إلى الصحافية في "بي بي سي فارسية" مهرنوش بورضيايي، يشرح مسؤولان سابقان رفيعا المستوى في وزارة الحرب الأمريكية (البنتاغون) تعقيدات مسار اتخاذ القرار داخل الوزارة ومجلس الأمن القومي في البيت الأبيض، مؤكدين أن البحث عن خيارات عملية داخل واشنطن ما زال جارياً بجدية.
وبحسب قوليهما، فإن ما يبدو أنه تغير في مقاربة الرئيس الأمريكي حيال الدعم العسكري للمحتجين يرتبط، في المقام الأول، بالقيود الواقعية المفروضة على أي عمل عسكري والانقسامات داخل الإدارة، فضلاً عن الأسلوب غير التقليدي والشخصي للرئيس الأمريكي.
وبناء على هذه التقديرات، تجد المؤسستان الأمنية والعسكرية في الولايات المتحدة نفسيهما أمام أسئلة شديدة التعقيد، من بينها حال عدم اليقين في شأن ما قد يحدث خلال اليوم التالي لأي هجوم، إلى جانب الإخفاقات التاريخية لواشنطن في هندسة أو التنبؤ بالمآلات السياسية للعمليات العسكرية التي نفذتها داخل المنطقة، وهي بعض التحديات التي تواجه المستشارين العسكريين في العاصمة الأمريكية.
ويشدد هؤلاء على أن في ظل غياب المحتجين عن الشارع وعدم صدور أية خطوة استفزازية من جانب طهران، فإن اللجوء إلى عمل عسكري سيغدو خياراً بالغ الصعوبة والتعقيد بالنسبة إلى واشنطن، وإن كانت طريقة اتخاذ القرار لدى دونالد ترمب أظهرت أن المشهد قد ينقلب خلال أية لحظة.
البحث عن الخيار الذهبي
قبل دقيقتين من حلول الساعة الثالثة فجر الجمعة الموافق الثاني من يناير/ كانون الثاني الجاري، كان البنتاغون منشغلاً بالمراحل النهائية لوضع اللمسات الأخيرة على عملية خاطفة تستهدف القصر الرئاسي في فنزويلا واعتقال نيكولاس مادورو، حين طرحت فجأة مهمة بالغة الأهمية أخرى على جدول أعماله.
في بضعة أسطر، أعلن الرئيس دونالد ترمب أن واشنطن تضع سلاحها معبأ وجاهزاً دعماً للمتظاهرين داخل إيران، في حال أقدمت السلطات على ارتكاب مجازر.
وعلى الجدار الخارجي الأبعد لمبنى وزارة الحرب الأمريكية، المعروف بحلقة أي رينغ (E-Ring) والذي يضم مكاتب كبار مسؤولي البنتاغون وصناع القرار فيه، جرى تعريف مهمة جديدة.
مهمة تمثلت في إيصال التقييمات الاستخباراتية والسيناريوهات العملياتية وتقديرات الكلفة والعائد للخيارات المطروحة أمام الرئيس، بأقصى سرعة ممكنة إلى وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث.
أفادت وسائل إعلام أمريكية بأنه بعد أقل من 36 ساعة على هذا الموقف الذي أعلنه ترمب، وُضع أول مشروع لهذا الملف على مكتب رئيس الولايات المتحدة. مشروع أبرز مشكلة جوهرية، عدم وجود أية حاملة طائرات أميركية في مياه المنطقة.
ففي حال تنفيذ أي هجوم ذي دلالة على إيران وما قد يعقبه من رد انتقامي من طهران، فإن الانتشار العسكري القائم في الخليج لن يشكل درعاً دفاعياً محكماً لحماية القواعد الأمريكية وحلفائها من وابل الصواريخ الإيرانية. وانتهى اجتماع مساء السبت من دون اتخاذ قرار نهائي، لإتاحة مزيد من الوقت لدراسة الخيارات المطروحة.
وقالت نائبة وزير الحرب الأمريكية السابقة مارا كارلين في ردها على سؤال "بي بي سي" الفارسية "ألم يكن الرئيس على علم بعدم وجود حاملة طائرات في الخليج؟" أنه "قد لا يكون الرئيس نفسه أولى هذه المسألة اهتماماً كافياً، لكن يمكنكم التأكد من أن من يقدمون له المشورة في وزارة الحرب شددوا عليها بالتأكيد.
وعلى الأرجح كان السؤال الكبير هو ما الهدف الذي تسعى إليه الولايات المتحدة، والرئيس شخصياً؟ فقد أظهر ترمب حتى اليوم أنه كلما لجأ إلى الخيار العسكري، كان استخدامه محدوداً زمنياً وذا أهداف واضحة ومقيدة للغاية.
ولذلك، يمكن تصور أنه إذا قال له مستشاروه العسكريون إننا لا نملك قوات كافية في المنطقة، وحتى لو نفذنا هجوماً فلن تكون نتيجته مضمونة، فقد يخلص الرئيس إلى أن الوقت غير مناسب لمثل هذا التحرك".
وتظهر روايات قادة عسكريين وشخصيات بارزة من ولاية دونالد ترمب الأولى، مثل القائد السابق للقيادة المركزية الأمريكية "سنتكوم" والجنرال فرانك ماكنزي ومستشار الأمن القومي السابق جون بولتون، أن البنتاغون يمتلك منذ أعوام خططاً مفصلة خضعت لمراجعات متكررة لسيناريوهاته الكلاسيكية المعتادة، كالهجوم على المنشآت النووية الإيرانية أو القواعد العسكرية والبنى التحتية النفطية، وهي خطط تأخذ في الاعتبار كل شيء من نوع الذخائر ومسارات الطيران إلى التداعيات القانونية والسياسية وسائر الخيارات المحتملة.
وأقدم دونالد ترمب، ضمن خطوة غير مسبوقة خلال صيف 2025 على مهاجمة منشآت نووية إيرانية، استناداً إلى أحد هذه السيناريوهات.
ومع ذلك، يقول مسؤول رفيع سابق في البنتاغون فضل عدم الكشف عن اسمه لهيئة "بي بي سي"، إنه نظراً إلى عدم مسبوقية قرار ترمب في التعامل مع أحداث من قبيل المواجهة الأخيرة للمتظاهرين، لا توجد بالضرورة خطة جاهزة للتحرك ضد إيران، وإن جزءاً من العمل ينبغي إعادة تعريفه من نقطة الصفر.
ووفقاً له، إذا طالب الرئيس بعمل عسكري دعماً للمتظاهرين، فإن السؤال الأول في البنتاغون لن يكون عن نوع القنابل بل عن الهدف السياسي للرئيس، هل الغاية مجرد توجيه رسالة تحذير إلى طهران ورفع كلفة القمع، أم أن الهدف هو إضعاف البنية الأمنية، وربما تغيير النظام؟
ويكمن تعقيد آخر في أن المستشارين العسكريين للرئيس الأمريكي يدركون أنه رئيس غير تقليدي، لا يلتزم بالضرورة بالأنماط السياسية السائدة في واشنطن. والإجابة عن هذا السؤال تحديداً ترسم الفارق بين سيناريو هجوم رمزي على مبانٍ خالية أو مقار تابعة لقوات "الباسيج"، وسيناريو أشد خطورة يتمثل في استهداف قمة هرم السلطة، مثل المرشد علي خامنئي.
الخيارات المتاحة
وتقول كارلين لـ"بي بي سي" الفارسية "خلال الوقت الراهن، يجري بحث جدي عن الخيارات المتاحة. والسؤال هو ما هذه الخيارات؟ وماذا يمكن أن يحقق كل منها؟ من الصعب تصور تحرك سطحي أو شكلي.
ولذلك من زاوية معينة، يقوم الرئيس ترمب وفريقه بموازنة ما إذا كانوا سيقدمون على خطوة استعراضية ولافتة، أم أنهم لن يفعلوا شيئاً على الإطلاق".
وتشير نائبة وزير الدفاع السابقة إلى إشكالية أخرى، وصفتها بعض وسائل الإعلام الأمريكية بأنها بحث ترمب عن خيار بنتيجة مضمونة 100%، مضيفةً لم أرَ في حياتي خياراً عسكرياً بضمان كامل، فهناك دائماً قدر من الأخطار لا يمكن تجنبه.
أي نقاش في واشنطن حول الخيار العسكري يضع فوراً مسألة الرد الانتقامي الإيراني على الطاولة. وبحسب مسؤول سابق في البنتاغون، لا تزال إيران تمتلك مئات الصواريخ الباليستية، فيما تقع عشرات القواعد الأمريكية التي تضم نحو 30 ألف جندي أمريكي داخل المنطقة ضمن مدى هذه الصواريخ. ويشير إلى أنه خلال الأيام التي تصاعد فيها الحديث عن هجوم جدي، كان غياب حاملة طائرات أمريكية عن المنطقة بالنسبة إلى بعض المخططين أمراً خطراً ومثيراً للاستغراب في آنٍ، نظراً إلى الدور المحوري الذي تؤديه الحاملة ومجموعة القتال المرافقة لها في الدفاع الصاروخي وإدارة أية مواجهة محتملة.
وتشمل التوصيات المقدمة إلى الرئيس في واشنطن طيفاً واسعاً من الخيارات، بدءاً من العمل العسكري وتغيير النظام مروراً بتوقيف ناقلات النفط وفرض العقوبات، وصولاً إلى الهجمات السيبرانية والدعم الاتصالي أو تنفيذ عمليات سرية ودراماتيكية على غرار اعتقال رئيس فنزويلا.
ويقول هذا المسؤول السابق في البنتاغون لـ"بي بي سي" إنه إذا كان الخيار النهائي يتمثل في هجوم بالغ الدراماتيكية يصل إلى حد استهداف القيادة العليا في إيران، فإن التقديرات تشير إلى أن طهران ستسعى إلى رد متناسب وشديد الوطأة.
رد كهذا، في ظل غياب مظلة دفاع صاروخي واستعدادات جادة، قد يترتب عليه ثمن باهظ للقوات والقواعد الأمريكية.
وفي المقابل، فإن هجوماً محدوداً يستهدف مباني خالية أو بعض مقار قوات "الباسيج" أو وزارة الاستخبارات، ولا سيما خلال ساعات الليل، قد يوجه رسالة سياسية إلى طهران، وخلال الوقت نفسه يقلص احتمالات رد إيراني عنيف، غير أنه لن يحدث تغييراً في ميزان القوى بين المحتجين والسلطات. ومن جهة أخرى، لا يزال لغز اليوم التالي للهجوم يشغل بال عدد كبير من المستشارين.
في ربيع عام 2003، أعلن الرئيس الأمريكي جورج بوش من على متن حاملة الطائرات "لينكولن" انتهاء مهمة حرب العراق بنجاح، غير أن تلك الحرب استمرت سبعة أعوام إضافية وأودت بحياة آلاف الجنود الأمريكيين.
وتظهر سوابق المواجهات بين إيران والولايات المتحدة، سواء في واقعة قتل القائد السابق لفيلق القدس التابع للحرس الثوري قاسم سليماني أو خلال حرب الأيام الـ12، أن طهران غالباً ما سعت في ردودها الانتقامية إما إلى تقديم رد جزئي أو إلى تأكيد احتفاظها بحق الرد خلال وقت تختاره.
وبحسب أحد المسؤولين السابقين في البنتاغون ومع التراجع النسبي للحضور الميداني للمحتجين، قد يتحول تحرك حاملة الطائرات "لينكولن" نحو الخليج إلى أداة للإبقاء على الخيارات مفتوحة وإرسال رسائل ردع إلى طهران، بل وربما إلى امتداد لسياسة الضغط الأقصى عبر التلويح بتهديد مصادر النفط الإيرانية، بهدف إعادة إيران إلى طاولة المفاوضات أكثر مما يكون التزاماً حاسماً بالدخول المباشر في مواجهة عسكرية.
لكنه يتساءل في المقابل، هل ستقدم الولايات المتحدة على خطوة كهذه من دون نية الهجوم، في حين تقدر الكلفة التشغيلية اليومية لحاملة مثل لينكولن بما يراوح ما بين 5 ملايين ونصف المليون دولار و8 ملايين دولار، بحسب طبيعة المهمة؟
وتضيف مارا كارلين أنه إذا لم يكن الناس في الشوارع تصبح المهمة بالغة الصعوبة، وهذه هي المعضلة. من المرجح أن تصل المجموعة القتالية لحاملة الطائرات إلى المنطقة في منتصف الأسبوع المقبل، وربما إذا بدا الوضع هادئاً ظاهرياً ولم يكن هناك حضور شعبي في الميدان، تبقى لينكولن في المنطقة لأغراض الردع، أو تتحرك لاحقاً إلى وجهة أخرى.
وما يبدو مؤكداً حتى الآن هو الطابع غير التقليدي لقرارات الرئيس دونالد ترمب. ففي حرب الأيام الـ12 أعلن في البداية أن الولايات المتحدة لن تشارك في الهجوم على إيران، قبل أن يصدر فجأة أمراً باستهداف المنشآت النووية الإيرانية.
وخلال العام الماضي، ووفقاً لتقارير منظمة قاعدة بيانات أحداث ومواقع النزاعات المسلحة غير الربحية (ACLED)، نفذت الولايات المتحدة ما لا يقل عن 626 غارة جوية في دول عدة حول العالم، من بينها الصومال وإيران واليمن ونيجيريا وفنزويلا والعراق وسوريا، وكلها حصلت بموافقة الرئيس الأمريكي.
وتختتم كارلين قائلة نحن لا نتعامل حالياً مع سر، بل مع لغز. وهذا ما يجعل الوضع شديد الصعوبة، ففي رئاسة أكثر تقليدية يكون من الأسهل توقع متى تكون الحكومة مستعدة لاستخدام القوة العسكرية ومتى تتجنب ذلك. أما في حالة الرئيس ترمب فكل شيء يكتنفه الغموض، وفهمه بالغ الصعوبة فعلاً.