8 فبراير 2026
8 فبراير 2026


لعقدين متتاليين، شاركت النخب اليمنية في تحويل إحدى القضايا اليمنية الرئيسية، وهي القضية الجنوبية، إلى معقلٍ لكل القضايا، ونقلتها من حدودها العقلانية إلى استلاب عاطفي يطال المناصرين والمناهضين على السواء.

اليوم، تبدو القضية الجنوبية - عائمة المعالم - محمّلة بحمولة حصرية وطاقة طرد مركزي، لا يمكن مقاربتها إلا عبر استحضار حالة شعورية متناقضة؛ بين ادّعاء إلغائي، قائم على استعلاء وتفوّق استحقاقي غير عقلاني، يؤسّس لمظالم أكبر من مظلومية المنطلق، أو شعورٍ ساحق بالذنب يشلّ القدرة على التفكير السليم، ويقود إلى حالة استسلام قسري لا تؤسّس لتوافق حقيقي.
القضية الجنوبية في الضمير الجمعي للنخب اليمنية -من دون الحوثي - هي المكافئ الموضوعي للهولوكوست في الذهنية الغربية.

وهذا الوضع يؤسّس مداميك التناقض الأخلاقي والعجز السياسي في رؤية اليمن كلّ اليمن.

ستنفجر تبعات التفاوت في توزيع مشاريع التنمية داخل مناطق الحكومة نفسها، وستلحق بها سياسة تجاهل نصف اليمنيين، وعدم التحرك لتحريرهم من قبضة الحوثي.

أولى نذر هذا الانفجار هي تكوّن اقطاب بديلة عن عيدروس بنفس منطق عيدروس داخل منظومة الحكم لدى الشرعية. والاسوأ ان الأقطاب الجديدة معززة بأيديولوجيا متعددة الطبقات؛ مذهبية وانفصالية وعصبوية جهوية بين-صراعية.

سنكون امام عيدروسات جديدة لا تتعفف عن بلورة رأسمال سياسي ومالي يشل أي حكومة.

النخب اليمنية باتت رهينة لهذه الحالة الشعورية، وبالموازاة يقف الحوثي متفرجًا، وقد يلتهم الجميع، ويخلّصهم من كل هذا الشعور بفرض واقع جديد، نتيجة غرق الأطراف المعنية بالقضية الجنوبية في دوّامة تناوب بين الاستعلاء والذل، وتناسي الخطر الحقيقي المحدق باليمن.

إحدى أعراض هذا الخلل تتجلى في صيغة الحكومة الحالية، التي وإن كانت مرحلية ونشأت من رحم تحديات ما بعد طيّ صفحة الانتقالي المنحل اسمياً، تنطوي على عوامل للانفجار الداخلي، وتعزّز الإحساس بالضيم الجغرافي، وتُطفو الترضيات على حساب العدالة النسبية وكفاءة الأداء.

يومًا بعد آخر، تتكوّن كرة جليد مظلمة كبرى، تتمثل في الانحراف عن المهام الرئيسة في استعادة الدولة وتحقيق التنمية، واستئناف المرحلة الانتقالية.

فالقضية الجنوبية، بصيغتها الحالية العائمة، تفتح الباب لابتزاز واسع، وظلمٍ واقع على الشرق والغرب، وعلى الشمال والجنوب على حدّ سواء.

تبدو لي فكرة تحقيق مناطق استقرار جاذبة في قطاع الشرعية - وهي فكرة نادى بها كثيرون - محض أنانية، واستسلامًا لمنطق القضية الجنوبية الإقصائي، وتنازلًا ضمنيًا عن مناطق الحوثي، مقرونًا بعقاب جماعي لنصف اليمنيين، طالما وهذا الهدف معزول عن العمل لاستعادة مناطق الحوثي، واستكمال سحب محددات السيادة من يد هذه الجماعة الباغية.

فواحد من تبعات هذا الاختطاف العنيف هو الاستسلام لمنطق المحاصصة الجغرافية دون مراعاة الحقيقة السكانية، أو العمل على تحفيز الناس للدفاع عن مصالحهم، وجمعهم حول هدف محاربة الحوثي.

والوجه الآخر هو التبعية العمياء لمنطق الانفصال، انطلاقًا من تفسير مغلوط لمعاني عدالة القضية الجنوبية. على سبيل المثال، لدى الاشتراكيين تحوّلت القضية الجنوبية من موضوع إلى جوهر قادر على خلق نزعة أيديولوجية هي "الجنوبية".

ولدى المؤتمريين الجدد هي القوة الموازية لدحر الإصلاح حتى وإن كلّف الأمر الدوس على تاريخ صالح الوحدوي .

أما لدى الاصلاحيين فهي ميدان محلي لوقائع صراع إقليمي يعيد فرز المحاور وهي مصدر توهم النقاء الوطني.

وبالنسبة لموظفي الدولة فإن القضية الجنوبية هي صك براءة من ممارسات أبشع أشكال الفساد الإداري والمالي.

لذا، مستقبل اليمن واليمنيين مرهون بإعادة اعتبار هذه القضية في سياقها السليم، وخارج الحالة الشعورية المتولّدة عنها. فالسجين تحوّل إلى جلاد، مُفرِزًا خطاب كراهية واختزالية مرضية تجاه غيره.

(من صفحة الكاتب عبر صفحة الفيس بوك)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI