25 يناير 2026
24 يناير 2026
يمن فريدم-إسراء الشاهر
فرانس برس


لم تكن الحرب المشتعلة بين الجيش السوداني وقوات "الدعم السريع" لأكثر من 33 شهراً مجرد صراع مسلح، بل لحظة فاصلة أعادت تشكيل المجتمع من جذوره، وتركت آثاراً اجتماعية عميقة تتجاوز الدمار المادي، بدءاً من انهيار النسيج الاجتماعي إلى فقدان الثقة بين الأفراد وتغير أنماط التعايش وغيرها. فالنزوح وانقطاع التعليم والعنف المستمر أفرزت أجيالاً مثقلة بالقلق النفسي والاجتماعي.

ومع انحسار القتال داخل بعض المناطق، يطفو سؤال أكثر تعقيداً من إعادة البناء المادي، هو كيف يبدو السودان اجتماعياً بعد الحرب؟

نسيج متصدع

يقول أحمد عبدالكريم نازح من مدينة الخرطوم يقيم حالياً داخل إحدى ضواحي مدني، إن "الحرب غيرت كل شيء حتى النظرة إلى الناس والحياة. فحين غادرنا بيوتنا، كنا نعتقد أن النزوح مسألة موقتة، أيام أو أسابيع ونعود. لكن مع مرور الوقت، اكتشفنا أن الخسارة ليست في البيت وحده بل في العلاقات التي تفككت على الطريق".

ويتابع عبدالكريم "في الحي الذي نزحت إليه، نعيش مع عشرات الأسر التي لا نعرفها. في البداية كان هناك تعاطف، لكن مع تزايد الضغوط وقلة الموارد بدأ كل شخص ينغلق على نفسه. الجار الذي كان يطرق الباب للمساعدة أصبح اليوم حذراً، ليس لأنه سيئ بل لأنه خائف مثلنا".

ويشير إلى أن الشعور بالغربة لا يرتبط بالمكان فحسب، فحتى بين أبناء المنطقة الواحدة تغير التعامل. بعضنا أصبح يشك في الآخر بسبب الانتماءات أو الاتهامات التي ولدتها الحرب، وصرنا نزن كلماتنا ونخشى سوء الفهم. فهذا الشيء لم نكن نعهده من قبل.

ويضيف "الأصعب هو الإحساس بفقدان الكرامة، وذلك بأن تعتمد على المساعدات أو أن تشعر بأنك عبء على الآخرين، فهذه الأشياء تترك أثراً عميقاً في النفس. فالنزوح لا يجردك من بيتك فحسب، بل يضعك في موقع ضعف دائم".

ويختم النازح عبدالكريم قائلاً "أعتقد أن العودة وحدها لن تعيد الأمور كما كانت. نحن في حاجة إلى وقت طويل لنعالج ما حدث بيننا كبشر. فإذا لم نتحدث عن الألم الذي عشناه، ولم نعترف بالخسائر التي أصابت الجميع، فسيبقى المجتمع هشاً حتى لو توقفت الحرب تماماً".

فقدان الثقة

الباحثة الاجتماعية نوال موسى تقول إن "أحد أكثر ما خلفته الحرب تعقيداً هو تآكل الثقة داخل المجتمع. ففي كثير من المناطق، أصبحت العلاقات الاجتماعية مبنية على الحذر والافتراضات المسبقة، إذ إن أعوام العنف والانقسام زرعت شكوكاً عميقة بين الناس، وخلقت مسافة نفسية يصعب ردمها بسرعة".

وتتابع موسى "تغيرت نظرة الأفراد إلى بعضهم بعضاً، نتيجة الاصطفافات التي فرضتها الحرب. فالاتهامات والإشاعات وتجارب الخذلان جعلت الثقة مسألة مكلفة. وكثر يفضلون الصمت على التعبير، والانغلاق على دوائر ضيقة من العائلة أو الأصدقاء خشية سوء الفهم أو التعرض للأذى. هذه الثقة المفقودة لا تؤثر في العلاقات الشخصية فحسب، بل تمتد إلى المؤسسات المجتمعية. فالمدارس ولجان الأحياء والمبادرات المحلية فقدت قدرتها على لعب دور جامع، لأن الناس باتوا يشككون في النيات والولاءات. حتى المبادرات التضامنية تقابل أحياناً بريبة، وكأن المساعدة نفسها تحتاج إلى إثبات".

وعن كيفية ترميم الثقة، تؤكد موسى أن "الأمر يتطلب أكثر من شعارات المصالحة، إذ يحتاج إلى عدالة انتقالية تعالج الانتهاكات، وإلى مساحات آمنة للحوار تسمح للناس بسرد تجاربهم من دون خوف. من دون ذلك ستظل الثقة هشة وقابلة للانهيار مع أول اختبار جديد، وسيبقى المجتمع معلقاً بين ذاكرة الحرب وخوف تكرارها".

تحول جماعي

من جهتها، أفادت الباحثة في علم الاجتماع ودراسات ما بعد النزاعات سلوى محمد الأمين بأن "الحرب في السودان أحدثت كسراً عميقاً في البنية الاجتماعية، يصعب تجاوزه من دون تدخل واع وطويل الأمد. فما نعيشه اليوم عبارة عن تحول جماعي في طريقة تفاعل الناس مع بعضهم بعضاً، إذ إن الحرب أعادت تعريف مفاهيم الثقة والانتماء، وحتى الأمان الاجتماعي".

وتستطرد "في المجتمعات التي تعرضت لعنف واسع ونزوح جماعي تصبح العلاقات اليومية مشحونة بالخوف والشك، فالناس لا يتعاملون مع الآخر بوصفه شريكاً في المجتمع، بل بوصفه احتمال تهديد. وهذا السلوك مفهوم في سياق الصدمة، لكنه إذا استمر من دون معالجة يتحول إلى نمط دائم يفتت النسيج الاجتماعي".

وتشير الأمين إلى أن "أخطر ما في هذه المرحلة هو التطبيع مع الانقسام، فحين يعتاد المجتمع على غياب الثقة يبدأ في بناء آليات بديلة للبقاء، مثل الانغلاق على الجماعات الصغيرة، أو إعادة إنتاج هويات ضيقة. فكل ذلك يقوض فكرة الدولة والمجتمع الجامع، ويجعل أي مشروع وطني لإعادة البناء هشاً منذ بدايته".

وتضيف "ترميم ما كُسر اجتماعياً لا يمكن أن يتم بقرارات فوقية فحسب. فالمطلوب هو العمل على مستوى القاعدة عبر مبادرات حوار مجتمعي، ودعم الصحة النفسية والاعتراف بالضحايا وتجاربهم. فتجاهل الألم لا يلغيه بل يؤجله، وقد يعيد إنتاج العنف بصورة مختلفة".

ومضت الباحثة في علم الاجتماع في القول "السودان بعد الحرب يقف عند مفترق طرق. إما أن يستثمر هذا الوعي بالألم لبناء عقد اجتماعي جديد أكثر عدلاً وشمولاً، أو أن تترك الجراح مفتوحة فتتحول إلى مصدر دائم للانقسام وعدم الاستقرار، فالمستقبل الاجتماعي للبلاد يتوقف على ما نفعله الآن لا على ما نعلنه من نيات".

أجيال متعبة

امتدت آثار الحرب لتصوغ وعي جيل كامل نشأ في ظل العنف وعدم الاستقرار. فالأطفال والشباب الذين كبروا بين النزوح وانقطاع التعليم وفقدان الأمان يحملون عبئاً نفسياً واجتماعياً سيترك أثره في المجتمع لأعوام طويلة. هذه الأجيال لم تختبر الاستقرار إلا بوصفه فكرة بعيدة، مما يغير نظرتها إلى المستقبل والانتماء والعمل، بحسب متخصصين نفسيين.

يقول الاختصاصي التربوي والنفسي سامر عبدالله إن "أجيال ما بعد الحرب تواجه عبئاً مزدوجاً، مثل فقدان الأمان النفسي والانقطاع عن التعليم المنتظم. فالأطفال الذين نشأوا داخل مخيمات النزوح أو في بيئات مليئة بالعنف، لم يكتسبوا المهارات الاجتماعية والسلوكية الطبيعية، مما يؤثر في قدرتهم على التعلم والتكيف لاحقاً".

ويضيف عبدالله "غياب الروتين المدرسي والبيئة المستقرة يجعل هؤلاء الأطفال أكثر عرضة للقلق والتوتر، وحتى اضطرابات السلوك. كما أن الشباب الذين فقدوا أعوام تعليمهم يجدون صعوبة في الانخراط داخل سوق العمل أو المشاركة الفاعلة في المجتمع، ويصبحون حلقة ضعيفة قد تُستغل أو تُهمل".

وزاد "ترميم المجتمع بعد الحرب لا يقتصر على البنية التحتية، إنما يبدأ من معالجة هذا الإرث النفسي والتربوي. فيجب توفير برامج دعم نفسي وتعليم مرن ومساحات آمنة للتعلم واللعب، لضمان قدرة الأجيال الجديدة على إعادة بناء حياتهم وتحقيق الانتماء الاجتماعي".

وأردف الاختصاصي النفسي والتربوي قائلاً "إن تجاهل هذا الجانب يعني استمرار آثار الحرب على المجتمع، حتى بعد توقف النزاعات، إذ تتحول الجروح النفسية والتربوية إلى عقبات دائمة أمام التنمية والاستقرار الاجتماعي".

إعادة البناء

في سودان ما بعد الحرب، يواجه المجتمع تحديات هائلة لإعادة بناء ما انهار اجتماعيًا وثقافيًا. فالضرر لم يقتصر على البنية التحتية بل شمل النسيج الاجتماعي، إذ تفتت الروابط بين الأسر والجماعات المحلية وتضاءلت الثقة بين المدنيين والسلطات، بالتالي فإن محاولة ترميم هذا الواقع تتطلب استراتيجيات متكاملة تجمع بين المصالحة المجتمعية وإعادة توطين النازحين وتأهيل البنية التربوية والصحية، لإعادة إنتاج بيئة مستقرة قادرة على احتضان الحياة الطبيعية.

مدير مكتب إعادة التأهيل الاجتماعي في إحدى الولايات المتضررة هاشم البشير يقول إن "ما تركته الحرب من دمار اجتماعي أكبر من الخراب المادي نفسه، إذ فقدنا شعور الانتماء والقدرة على التعاون بين المجتمعات المختلفة، وكثير من الأحياء تحولت إلى مناطق عزل، والأطفال والشباب الذين نشأوا في النزوح يفتقدون المهارات الاجتماعية الأساس، مما يزيد صعوبة التعايش السلمي".

ويضيف البشير "جهود إعادة البناء لن تنجح من دون مشاركة المجتمع نفسه، إذ يجب أن تركز البرامج على التعليم والتدريب المهني والمبادرات الثقافية التي تعيد الثقة بين الناس. فمعالجة النزاعات المحلية وخلق فرص عمل وإعادة النازحين إلى أماكنهم، كلها عناصر أساس. إذا أهملنا الجانب الاجتماعي، فإن إعادة البنية التحتية وحدها لن تحقق السلام المستدام، وستظل آثار الحرب جلية في العلاقات بين الناس لعقود قادمة".

ويلفت مدير مكتب إعادة التأهيل الاجتماعي إلى أن "الترميم الاجتماعي يحتاج إلى وقت طويل، وصبر على المستوى الفردي والمؤسسي. فالمجتمع هو حجر الأساس لأي استقرار بعد الحرب، وإهماله يعني إعادة إنتاج دائرة الفقر والصراع مرة أخرى".

عملية تراكمية

من جانبها، تشير الباحثة في التنمية المجتمعية نجلاء حسن إلى أن "إعادة البناء بعد الحرب تتطلب النظر إلى المجتمع ككل، لا كأفراد أو مؤسسات منفصلة. فكثير من الأسر فقدت شبكات الدعم التقليدية وما حدث من نزوح أو تهجير خلق فجوات اجتماعية عميقة، تحتاج إلى برامج موجهة لإعادة التواصل وتعزيز التعاون بين الفئات المختلفة".

وواصلت حسن "إعادة الثقة بين الناس عملية تراكمية تبدأ بمبادرات صغيرة وتعليم مشترك للأطفال وأنشطة مجتمعية ومشاريع تعاون اقتصادي، كلها عناصر تعيد شعور الانتماء وتقلل التوتر بين المجموعات المختلفة".

وأردفت "الجانب المهم هو إشراك المجتمع نفسه في تصميم وتنفيذ برامج إعادة البناء. فحين يرى الأفراد أنهم مشاركون في صنع الحلول، فإن الالتزام الاجتماعي يزداد وتصبح عملية المصالحة أكثر واقعية وديمومة".

ونوهت الباحثة في التنمية المجتمعية إلى أن "السودان بعد الحرب في حاجة إلى إعادة إنتاج الأمان الاجتماعي قبل أي تطوير مادي. ومن دون معالجة الفجوات الاجتماعية ستظل أزمات الماضي تلقي بظلالها على المستقبل، وستبقى أية محاولة للبناء هشة أمام أول اختبار جديد".

(اندبندنت عربية)

 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI