4 فبراير 2026
29 يناير 2026
يمن فريدم-فيديل سبيتي


في عام 2050 قد لا يكون السؤال الأكبر ماذا سنعرف؟ بل كيف سنكون؟ في زمن الذكاء الاصطناعي يتقدم الطب والعلوم البيولوجية المتعلقة بجسم الإنسان من هدف إصلاح الأعطال الجسدية ومداواة الأمراض إلى إعادة برمجة الجسد البشري، وهذا يترافق مع تطور المنصات الإنترنتية من خدمة المستخدم إلى التنبؤ بما يريد.

وهناك في الخلفية تطورات كثيرة أيضاً في المحيط الذي يعيش فيه الإنسان بدءاً بالبيئة وأحوالها، إلى المناخ وتوزيع الثروات، وتطوير تأمين الغذاء والحاجات الأولية للمجتمعات البشرية، وبناء عليه يمكن القول إن الإنسان ينتقل من كونه كائناً يعيش داخل حدوده، إلى مشروع مفتوح للتعديل والقياس والإدارة وإعادة التكيف مع التطور على المستويات كافة والمنطلق بسرعة يبدو أنها لن تبطئ قريباً.

الإنسان المعزز بيولوجياً

الفكرة الأساس في هذا السيناريو أن الإنسان في عام 2050 لن يتغير فقط عبر التعليم والتكنولوجيا الخارجية، بل عبر تعديل داخلي مباشر، ويبدأ ذلك بتوسع العلاجات الجينية عبر تحسينات محدودة محتملة، أو تحقق ما يزال قيد التجربة في جعل الاتصال العصبي بالأجهزة الإلكترونية ممكناً.

وبحسب الدراسات الاستشرافية حول هذا الموضوع فليس الهدف هو تحويل الجميع إلى "سوبرمان"، بل تطوير الجسد بما يتناسب مع تطور الاقتصاد وأنواع العمل والسياسة والأخلاق والعلوم والأفكار التي سيكون للذكاء الاصطناعي دور مركزي فيها.

كثيراً ما قدم الخيال العلمي هذا النموذج بوضوح في الأفلام والروايات، وكانت "هوليوود" قد بدأت مبكراً بعرض أفلام يكون أبطالها عبارة عن بشر وآلات في الوقت عينه. وفي رواية Change Agent يضع دانيال سوارز العالم قرب عام 2045 داخل سوق سوداء للتعديل الجيني، إذ يصبح "تحسين النسل" خدمة، وتتحول الجينات إلى سلطة جديدة تدار حولها الجريمة والتنفيذ والقانون.

البطل يتعرض لحقنة تغير حمضه النووي وتبدل ملامحه وهويته، ثم تبدأ مطاردة تكشف كيف يمكن للهوية أن تسرق عبر البيولوجيا نفسها لا عبر تزوير الأوراق فقط. وقد اشترت "نتفليكس" حقوق هذه الرواية، لتحويلها إلى فيلم سينمائي.

في رواية Upgrade لبليك كراوتش تظهر الفكرة نفسها لكن بنبرة مختلفة، عالم قريب حظر التعديل الجيني بعد كارثة غذائية مرتبطة بالهندسة الوراثية، ثم تحدث "ترقية" جينية داخل جسد رجل واحد ترفع التركيز والذاكرة والقدرات وتقلل النوم، وكأن العقل صار جهازاً يمكن رفع تردده. هذا المسار يبدو قابلاً للحدوث، لأن التحرير الجيني خرج من النظرية إلى الترخيص.

في ديسمبر/ كانون الأول عام 2023 أعلنت "إدارة الغذاء والدواء الأميركية" الموافقة على أول علاجات خلوية جينية لمرض فقر الدم المنجلي، ويقرأ أنصار هذا السيناريو بأنه عتبة تاريخية على أساس أن ما يبدأ علاجياً عادة، يواجه لاحقاً ضغط التحسين من السوق ومن الأفراد.

ونشرت "منظمة الصحة العالمية" في يوليو/ تموز عام 2021 إطار حوكمة لتحرير الجينوم البشري يتحدث عن آليات رقابة وقدرات وطنية وقواعد عالمية لضمان استخدام آمن وفعال وأخلاقي.

وتناقش الأكاديميات الوطنية الأميركية تحرير الجينوم الموروث للأجيال بوصفه ملفاً مليئاً بأسئلة اجتماعية وأخلاقية، وتعرض مسارات حذرة جداً لأي انتقال إلى الاستخدام الإنجابي، ووضع وتقرير مجلس "نوفيلد" للأخلاقيات الحيوية في بريطانيا مبادئ وتوصيات لسياسات مستقبلية إذا صار هذا الخيار مطروحاً في التكاثر البشري.

فوق ذلك، فإن ما يسمى اصطلاحاً واجهات الدماغ - حاسوب بدأت تدخل التجارب البشرية. وأعلنت شركة "نيرالينك" Neuralink في تحديث رسمي في أبريل/ نيسان عام 2024 أنها أجرت أول زرع بشري ضمن دراسة في يناير/ كانون الثاني عام 2024. ونقلت "رويترز" في يناير عام 2026 على لسان إيلون ماسك أن الشركة تستهدف إنتاجاً كثيفاً بحلول عام 2026، وأن عدداً من الأشخاص تلقوا زرعات ضمن مسار التجارب، وهذا ما يدل مبكراً وبوضوح على أن الوصلة العصبية غادرت الرواية إلى المختبر.

وهذه التجارب رفعت من نوع الأسئلة المطروحة حول مثل هذه التجارب من قبيل، من يملك حق التعديل؟ ومن يقرر الحد الفاصل بين العلاج والتحسين؟

الإنسان المدار خوارزمياً

السيناريو الثاني يكمل الأول تلقائياً، أي أنه عندما يصبح الإنسان قابلاً للقياس، يصبح قابلاً للإدارة. في عام 2050 قد لا يقاس الفرد بما يفعل فقط، بل بما تلتقطه الأنظمة عنه مثل بياناته وسلوكه ونبرة صوته وعلاقاته وحركته وتاريخه الرقمي، ثم تتحول القياسات إلى درجات سمعة أو أخطار تفتح أو تغلق أبواب الوظيفة أو قرض والتأمين والسكن، وحتى في درجة القبول الاجتماعي.

المرجعية السردية التي تستدعى كثيراً هي نموذج مجتمع التقييم الشامل، إذ يقيم الناس بعضهم بعضاً في كل تفاعل، فتتحول العلاقات إلى سوق تقوم على تصنيف ودرجات في شبكة رقابة متبادلة بين الناس أنفسهم، يخاف فيها كل فرد حكم الآخرين ويشارك في تشغيل هذا "النوم الخوارزمي" الجديد، إذ يكون تقييم كل شخص قائماً على ما تقوله الخوارزميات عنه.

تعتبر شوشانا زوبوف الباحثة والأكاديمية الأميركية البارزة في نقد تأثير التكنولوجيا في المجتمع والرأسمالية الحديثة، والأستاذة الجامعية في علم النفس الاجتماعي في جامعة "هارفارد"، أن "رأسمالية المراقبة" هي منطق اقتصادي سيستولي على التجربة الإنسانية ويحولها إلى بيانات سلوكية، ثم يصنع منها "منتجات تنبؤ" تباع لمن يريد معرفة ما سيفعله لاحقاً، أو حتى لتوجيهه لما سيفعل.

المفكر ميشال فوكو عبر عن هذا المنطق بالقول إن من المهم أن تكون مراقباً طوال الوقت، بل أن تعيش وأنت تفترض إمكان المراقبة دائماً، فتضبط نفسك بنفسك. وعندما تنتقل الفكرة إلى المجتمع الرقمي، يصبح "البرج" هو الخوارزمية، والزنزانة هي حسابك وسيرتك الرقمية، والعقوبة خسارة نقاط أو حرمان خدمة أو سقوط سمعة كما تضيف "موسوعة الإنترنت الفلسفية" على توقعات فوكو، ومع الوقت قد يفضل الفرد ما هو آمن اجتماعياً على ما هو "صحيح معرفياً".

الإنسان تحت ضغط المناخ.. إعادة هندسة العيش

هنا لا يعود المناخ خلفية للحياة، بل قوة يومية تعيد ترتيب كل شيء بدءاً من شكل المدن إلى إيقاع العمل، وخرائط الهجرة والاقتصاد وحتى المزاج العام. التغير ليس مجرد ارتفاع حرارة أو فيضانات، بل تغير في شروط الوجود وتغيير في أين يمكن للناس أن يعيشوا بأمان؟ وكيف يشتغلون؟ وكيف ينامون؟ وكيف يأكلون؟ وكيف يتشاركون الموارد؟

الخيال العلمي قدم نموذجاً قريباً زمنياً عبر رواية The Ministry for the Future لكيم ستانلي روبنسون، لأنها تتعامل مع المناخ بوصفه سياسة ومالاً ومجتمعاً، لا منظراً كارثياً فقط. وكان لبيل غيتس رأي في هذه الرواية، إذ رأى أنها مخيفة، لكنها تحمل أملاً، لأنها لا تكتفي بإعلان الكارثة بل تعرض طرقاً للخروج منها.

العلم يقول إن الأخطار تتصاعد مع كل جزء من درجة احترار، تقرير التجميع في التقييم السادس للهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ IPCC يتحدث عن أخطار واسعة ومتصاعدة، وأن كل ارتفاع إضافي يقلص هامش التكيف.

"منظمة الصحة العالمية" وضعت سيناريو بتغير الفرد جسدياً ونفسياً واجتماعياً بسبب تغير المناخ، فالجسد يعيش ضمن حدود سلامة جديدة، والنفس تدخل قلقاً جماعياً وإنهاكاً من الأخبار، والعلاقات قد تجمع بين تضامن محلي في الأزمات وبين امتياز طبقي لمدينة أكثر برداً وهواء أنظف، وهنا يعود درس "القدماء" بصورة حديثة، أي لا تتحدى الشمس، ولا تفاوضها.

الإنسان المفرغ معرفياً

السيناريو الأخير على المدى البعيد هو في أن التحول في عام 2050 لن يكون فقط في ما يعرفه الإنسان، بل في طريقة اشتغال عقله نفسه. بدل أن يحمل المعلومات ويعالجها داخلياً، سيعتمد أكثر فأكثر على أدوات خارجية: تذكيرات، بحث فوري، توصيات، ومساعدات ذكاء اصطناعي تكتب وتلخص وتقرر.

النتيجة المتوقعة ليست "غباء عاماً" بالضرورة، بل عقلاً سريع الوصول للمعلومة، أضعف في ترسيخها، وأقل صبراً على التفكير العميق. فقد بينت الدراسات الحالية أن استخدامنا المفرط لأفعال وقرارات وأدوات خارجية تؤدي إلى تقليل متطلبات المعالجة العقلية للمهمة، مثل تدوين المعلومات أو برمجة الهاتف للتذكير أو الاعتماد على البيئة بدل حفظها داخلياً. السؤال البحثي لم يعد: هل يحدث التفريغ؟ بل: متى ولماذا نلجأ إليه وما تبعاته على التعلم والانتباه وبناء المهارات؟

دراسة 2025 في مجلة Societies تربط كثافة استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بانخفاض درجات التفكير النقدي، وفي أواسط عام 2025 دار جدل حول دراسة عن أثر استخدام الذكاء الاصطناعي في مهمات تأدية فروض الكتابة والبحث مقارنة بالبحث الشخصي للباحث أو الكتابة من دون أدوات. في هذا السيناريو يتغير الفرد معرفياً ونفسياً، ويصبح متفوقاً في الوصول إلى المعلومة، لكنه قد يصبح أضعف في امتلاكها، وقد تختلط فكرة "الفهم" بشعور رضا سريع، لأن الإجابة أنيقة، لا لأنها عميقة أو صحيحة.

(اندبندنت عربية)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI