إن كان من ثروات يمكن أن يعول عليها اليمن، البلد الذي يئن تحت وطأة الحرب والفقر، فإن الرخام من تلك الثروات إلى جانب ما تزخر به بلاد البن والزراعة والنفط والموانئ. والرخام حجر غالي الثمن، ودائماً ما يزين واجهة القصور والأبنية.
في هذه القصة نكشف عن قصة بطلها الشاعر الشيخ حمد بن شودق العبيدي، وهو من أوائل من اكتشفوا "رخام مأرب"، الذي على رغم أهمية اكتشافه فإنه لم يجد طريقه إلى الصحافة بمرور نحو 35 عاماً من تلك القصة، وذلك على رغم تناول الناس لقصائد وأشعار ابن شودق في حياتهم اليومية والزيارات المتكررة للإعلاميين والصحافيين إلى منطقة "الثنية" التي أصبحت اليوم من أبرز مواقع ومناجم الرخام في اليمن.
الطريق نحو الجبال البيضاء
في الطريق إلى جبال "الثنية " قطعنا قرابة 130 كيلومتراً على الخط الأسفلتي من مدينة مأرب إلى منطقة "الرويك"، ومنها بدأنا التوغل بسيارتنا عبر خط رملي ممتد نحو قلب الصحراء، كان الدليل يوجهنا تارة يميناً وتارة يساراً، ومع تمايل السيارة فوق الرمال، راودني شعور يشبه قيادة مركبة سباق، قبل أن نصل إلى أول جبال الثنية بدت أمامنا جبال سوداء داكنة، كأنها محترقة، وقد حول استخراج الرخام منها أجزاء واسعة إلى لوحات بيضاء ناصعة، تلفت النظر من مسافات بعيدة.
ومع دخولنا أول مناجم الرخام المحاذية للخط الرملي، شعرت العين وكأنها أمام محطة تغذية بصرية، فالرمال المحيطة بلونها الذهبي، والأحجار البيضاء البراقة، وبين زحمة التأملات لمحنا غبار يتجه نحونا بسرعة كبيرة، ومع اقتراب الغبار بدأ يخف اندفاعه، لتتضح ملامح سيارة تنحدر في طريقها إلينا.
كانت السيارة القادمة لنجل حمد بن شودق العبيدي الشاعر الشعبي الذي فتح هذه الجبال بعكازه بعد تبادل السلام، أشار إلينا أن نتابعه بالسير خلفه بدأنا الصعود نحو الجبل، لكن سيارتنا عجزت عن المواصلة، فانتقلنا للركوب معه.
وخلال الطريق، كان يشير بيده إلى مواقع المناجم التي عمل فيها لأشهر عدة باستخدام آلات الحفر، خسر خلالها آلاف الدولارات من دون أن يجني منها دولاراً واحداً.
وفي أعالي جبال الثنية، وبينما كان الجو ملبداً بالغبار، واصلنا التجوال بين المناجم: مناجم جديدة تفتح، وأخرى متعثرة أو متوقفة، وثالثة وصل القائمون عليها إلى قرار التوقف بعد يأس طويل.
قصة الرخام في الثنية.. بدأت بحجر التقطه راعٍ بعكاز
في صيف عام 1979 لم تكن السماء فوق مأرب تمطر فحسب، بل كانت تفتح أبوابها دفعة واحدة. انهمرت الأمطار بغزارة حتى امتلأت الأودية، وتحولت الأرض الهادئة إلى سيول في وادي عبيدة، وقف الأهالي يراقبون السيول وهي تقترب من مساكنهم الطينية، تحمل معها الطين والحجارة وكل ما يعترض طريقها.
لم يكن هناك وقت للتردد، فاستدعيت جرافة على عجل لبناء ساتر ترابي يحمي القرية من غضب الماء.
وسط الضجيج كان حمد بن علي بن شودق العبيدي يقف قريباً من الجرافة، يشير بيده إلى مواضع جلب الأتربة، ويحث السائق على الإسراع. لم يكن رجلاً يكتفي بالمراقبة من بعيد، اعتاد أن يكون حيث يجب أن يكون، لكن لحظة واحدة كانت كافية لتغير مسار حياته انزلقت أطراف أصابعه، المغمورة بماء السيل، تحت عجلات الجرافة. لم يدرك أحد حجم الكارثة إلا بعدما هدأ هدير الآلة.
تحولت الإصابة سريعاً إلى تسمم، ولم يجد الأطباء سبيلاً سوى البتر، ثم تبعته عملية أخرى حين تفاقمت الإصابة خسر الشيخ جزءاً من جسده، لكنه لم يخسر روحه. كان شودق معروفاً بين الناس قبل الحادثة وبعدها، شاعر حكمة تتناقل الألسن قصائده من شرق اليمن إلى غربه، في أبياته شيء من صفاء الصحراء، وفي معانيها ما يشبه خبرة العمر، حتى صار الناس يلقبونه بـ"حكيم مأرب".
وحين تعلم السير بعكاز لم ينكفئ داخل بيته، كما يفعل كثر بعد الألم، بل عاد إلى حياته الأولى كان يرعى في الفيافي، يتتبع المطر والكلأ، تقوده إبله من سهل إلى آخر، ومن وادي إلى جبل.
هكذا قادته الطرق يوماً إلى جبال الثنية، القريبة من الرويك، عند أطراف الجغرافيا التي كانت تمثل آخر حدود الجمهورية العربية اليمنية قبل الوحدة. هناك، حيث تقل الطرق ويكثر الحضور من الجنود، صار حضوره مألوفاً، لم يكن راعياً للأبل فحسب، كان مقصداً للناس.
وبحسب حديث شاجع نجل حمد بن شودق لـ"اندبندنت عربية"، "إن الناس كانت تأتي إلى والده في الثنية قبل اكتشاف الرخام من شرق وجنوب اليمن (جمهورية اليمن الشعبية الديمقراطية)، يقطعون المسافات طلباً لتعريف خطي منه يساعدهم على استخراج هوية أو جواز سفر من الجمهورية العربية اليمنية يفتح لهم باب العمل في السعودية، في زمن كانت الحدود والعلاقات مغلقة بين البلدين (جمهورية اليمن الشعبية الديمقراطية والسعودية) كان يمنحهم ما يستطيع".
أرزاق أنبتتها الأمطار
مرت الأعوام، وكأن السيول التي أخذت من جسده عادت تحمل هدايا القدر له هذه المرة، لكن بعد نحو عقد ونيف من الزمن، عادت الأمطار إلى جبال الثنية، وجرفت معها هذه المرة أحجاراً من أعالي المرتفعات إلى مراعي الإبل كان الشيخ حمد يرعى إبله حين استوقفه حجر في مجرى السيل بدا مختلفاً عن سائر الحجارة.
وعن بداية اكتشاف قصة الرخام يروي صالح غانم "أن حمد بن شودق عثر في أحد أيام الصيف على قطعة حجر لفتت انتباهه، إذ وجدها باردة على رغم شدة الحرارة. ويضيف "تعجب من الأمر، فأخذ الحجر إلى مأرب وقام بقصه، ثم حمله إلى صنعاء، حيث عرضه على حسين معصار الورد وعبدالله العميسي رحمه الله ودعاهم للاستثمار، مؤكداً أن في الثنية مناجم رخام واعدة".
وبحسب غانم، قرر الثلاثة خوض التجربة، ونزلوا إلى المنطقة بإمكانات محدودة، وبدأوا العمل من الصفر من دون أي دعم قبلي أو حكومي.
"لم يكن لديهم سوى كمبريش واحد مستأجر" (جهاز ضغط هواء ويستخدم في الحفر والتكسير في المناجم)، "وحتى الشيول كان بالإيجار، كل شيء كان بسيطاً، لكن الإرادة كانت كبيرة".
ويتابع غانم "العمل الفعلي في مناجم الرخام بدأ مطلع عامي 1992 و1993، في ظروف بالغة الصعوبة، سواء من حيث الطرق أو المعيشة. كنا نصل إلى الثنية عبر الصحراء، من صافر مروراً بحقـول أسعد الكامل، مسافة تقارب 80 كيلومتراً. لم يكن هناك طريق أسفلتي أو خط دولي كما هو الحال اليوم، وحتى المياه كنا نجلبها من صافر".
ويشير صالح غانم إلى أن "استخراج الرخام في بداياته كان يتم عبر التفجير، وهي طريقة بدائية تؤدي إلى فقدان كميات كبيرة من الأحجار.
"كنا نحصل أحياناً على ربع أو ثلث الإنتاج فحسب، والباقي يتحول إلى مخلفات". ولفت صالح غانم إلى أنه "مع تطور التكنولوجيا أدخل العاملون معدات حديثة جرى استيرادها من الهند، مما حسن من جودة الإنتاج، على رغم استمرار التحديات وحتى اليوم، فجزء كبير من الأحجار لا يستخدم لأنه لا يطابق المواصفات المطلوبة من حيث اللون والنقاء، وقد يذهب نصف الإنتاج بلا فائدة".
ويختم غانم حديثه بالإشارة إلى أبرز الصعوبات الحالية، وفي مقدمها "غياب الكهرباء الحكومية، والاعتماد على المولدات مع ارتفاع أسعار الديزل، إضافة إلى شح المياه وعدم وجود آبار ارتوازية، فضلاً عن غياب أجهزة فحص جودة الحجر قبل الشروع في الحفر في الجبل. نشتغل بما تيسر، ونتوكل على الله، وما هو مقسوم سنحصل عليه".
ويقول غانم في حديثه إلى "اندبندنت عربية" عن حمد بن علي بن شودق "يعجز عنه الوصف"، مضيفاً "كان إنساناً كريماً وشجاعاً بمعنى الكلمة معيشته كانت بسيطة جداً، لا يملك شيئاً في هذه المنطقة قبل اكتشاف الرخام، وكانت حياته تعتمد على الأغنام والإبل فحسب، بلا وظائف أو مصادر دخل أخرى".
شراكة انتهت بعد أسبوع
وعن بدايات حسين الورد مع حمد بن شودق في العمل بمناجم الرخام، يقول محمد نجل حسين الورد في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، "كان والدي يعمل معلم بلاط، وبخبرته في هذا المجال تعرف على قطعة الحجر التي اكتشفها الشيخ شودق بأنها رخام، لكن الظروف حينها كانت صعبة للغاية، فاضطر والدي لبيع بعض ممتلكاته وإقناع أحد الأشخاص بالانضمام إليهم للعمل في الثنية. وافق ذلك الشخص ونزل إلى المنطقة، إلا أنه بعد أسبوعين فقط قرر الانسحاب وفسخ الشراكة، تاركاً لوالدي مسؤولية المشروع وحده".
ويضيف محمد حسين "والدي الآن يتلقى العلاج في الأردن، وبدأ يسرد لنا تفاصيل ممتلكاته الضخمة في قطاع المقاولات والرخام وكيف تحولت العائلة من الظروف الصعبة إلى عالم الثراء"، مشيراً إلى أنهم "استطاعوا تصدير رخام مأرب إلى سوريا وتركيا في عام 2009".
وعن الشريك الذي انسحب مبكراً من المشروع، يجيب "لا يزال موجوداً، لكنه يواجه ظروفاً صعبة حتى اليوم".
وعن الشريك الثالث للمشروع عبدالله العميسي يقول أحد المطلعين على العمل في مناجم الرخام لـ"اندبندنت عربية"،
"بعد سنوات من العمل في الرخام، غادر عبدالله العميسي إلى صنعاء، وواجه في نهاية المطاف خلافاً عائلياً أودى بحياته بعد سنوات عدة من النشاط في مناجم الرخام".
أما الشاعر والشيخ حمد بن علي بن شودق فقد توفي عام 2007، وعما خلفه، يقول شاجع، نجله، في حديثه إلى "اندبندنت عربية"، "لم يورثنا والدي شيئاً من متاع الدنيا، ولم يترك خلفه سوى سيارته التي نحتفظ بها كتذكار يختزل حضوره، إلى جانب محبة واسعة في قلوب كل من عرفه، وإرثه الحقيقي المتمثل في قصائده وأشعاره، إضافة إلى ما قدمه من أعمال خيرية يلقاها أمامه عند ربه".
الثنية وأمنيات شاعرها
أما سيد محمد واحد من العمال في مناجم الرخام فيقول عن حمد بن شودق "عرف طوال سنوات عمله في الجبل بأنه لم يكن يسعى إلى الربح بقدر ما كان حريصاً على أن تمتد الفائدة إلى الآخرين، وكانت له أمنيته أن تتحول (الثنية) إلى مدينة كمدن العرب في الجزيرة".
رحل شودق حمد، لكن أثره بقي حاضراً، إذ واصل الأبناء، ومعهم رفيق البدايات، المسيرة التي تحولت مع الزمن إلى قصة نجاح لافتة، بعدما قادتهم تجارة الرخام إلى مصاف كبار التجار في البلاد.
ويعمل ناجي حمد شودق اليوم في جبال الثنية مع عدد من إخوانه في مناجم الرخام، وعلى رغم تسلم ناجي للزعامة القبلية بعد والده، فإن اللقب لم يبعده عن صخب الجبل ولا عن قسوة العمل نادراً ما يجد وقتاً للحديث إلى وسائل الإعلام، فمعظم يومه يمضيه فوق آلات الحفر، يتابع العمل بيديه ويشرف على أدق تفاصيله. وبين أقرانه والعاملين في استخراج الرخام، يعد الأكثر حظاً وأكثرهم بساطة وكرماً مع العمال في المناجم بحسب حديث مطول معهم وهم يستعرضون مواقف الإنقاذ والنجدة وهم في السفر أو في المرض أو الإجازة.
ومنذ اكتشاف الرخام في مأرب بدأت رحلتها خارج الجبال، لتغدو خياراً مفضلاً في سوق البناء، وتصل إلى مختلف محافظات اليمن، حيث تزين واجهات الفلل والقصور الفاخرة.
ويفسر المهندس سيف اليشيعي هذا الإقبال "بمتانة رخام وأحجار مأرب، التي قاومت عوامل التعرية، وحافظت على ألوانها كما هي بأي لون كانت بعد سنوات طويلة من قصها واستخدامها".
(اندبندنت عربية)