1 يناير 2026
19 ديسمبر 2025
يمن فريدم-منى عبدالفتاح


جاءت زيارة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان إلى القاهرة ولقائه الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، أمس الخميس في سياق الحرب السودانية المتصاعدة منذ أبريل/ نيسان 2023، التي أنتجت أزمات سياسية وأمنية معقدة، لم تقتصر على الداخل السوداني فحسب، بل باتت مهددة لعلاقات السودان الثنائية مع دول الجوار، خصوصاً مصر، التي تنظر إلى السودان باعتباره عمقاً استراتيجياً لا يحتمل مزيداً من التوترات.

حرصت القاهرة عبر هذا اللقاء على توجيه رسالة صلبة مفادها أن وحدة السودان وسلامة أراضيه "خط أحمر"، وأن الحفاظ على مؤسسات الدولة الوطنية شرط لا غنى عنه لأية تسوية سياسية قادمة. حملت تصريحات السيسي نبرة حاسمة بأن تفكك السودان لن يكون أزمة داخلية معزولة، بل ارتداداً إقليمياً واسع الأثر يطاول أمن وادي النيل والقرن الأفريقي والبحر الأحمر معاً. ومن هذا المنطلق بدا الموقف المصري أقرب إلى تحذير استراتيجي من مغبة الانزلاق نحو سيناريوهات التفكيك أو فرض الوقائع بالقوة.

في المقابل، وصل البرهان إلى القاهرة مثقلاً بتعقيدات الأزمة السودانية، مع تآكل فرص السلام تحت وطأة القتال المستمر والتشرذم السياسي، وتصاعد الشكوك داخل المؤسسة العسكرية نفسها. فقد سبق للبرهان أن أقر، خلال لقاء سابق بالقاهرة مطلع أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، بأن تحديات داخلية عميقة تعرقل تهيئة المناخ لأية مفاوضات جادة، في وقت تتنامى حال السخط بين ضباط ينظرون بقلق إلى انفتاحه على مسارات خارجية ربما تهدد مكانتهم، وبين طلب الدعم السياسي لتعزيز موقعه التفاوضي، والحاجة إلى طمأنة حلفاء الداخل، يتحرك البرهان في مساحة ضيقة تحكمها توازنات هشة وضغوط متعارضة.

تشكل الزيارة محطة اختبار حقيقية لمحاولات احتواء مسار الأزمة السودانية ومنع انزلاقها نحو مزيد من التعقيد. فهي تعكس مسعى لربط تطورات الحرب باعتبارات الدولة ومؤسساتها، وإعادة وضع الصراع السوداني ضمن معادلة الاستقرار الإقليمي، في سياق لا يسمح لمصر بالوقوف على مسافة واحدة، ولا يتيح للسودان هامشاً واسعاً للمناورة الزمنية.

تفعيل الاتفاقية

لوّحت مصر بإمكانية تفعيل "اتفاقية الدفاع المشترك" مع السودان، في إشارة لإدخال الأزمة السودانية في إطار الالتزامات السيادية المنظمة، في لحظة بات الصراع يتجاوز توصيفه كحرب داخلية، ليلامس مفاهيم تهديد الدولة ووحدة أراضيها، بما ينعكس مباشرة على الأمن القومي المصري.

وُقعت الاتفاقية في الـ15 من يوليو/ تموز 1976 بالإسكندرية بين الرئيسين أنور السادات وجعفر النميري، استكمالاً لمسار التكامل بين البلدين الذي بدأ بـ"منهاج العمل السياسي والتكامل الاقتصادي" في فبراير/ شباط 1974، وبالاستناد إلى معاهدة الدفاع المشترك العربية لعام 1950.

وفي جوهرها، تمثل الاتفاقية إطاراً قانونياً وأمنياً للتنسيق بين القاهرة والخرطوم عند تعرض أي منهما لتهديد جسيم. فقد نصت المادة الأولى على أن أي اعتداء مسلح يقع على أحد الطرفين أو على قواته المسلحة يُعد اعتداء عليهما معاً، ويلزم الطرف الآخر بتقديم المعاونة واتخاذ التدابير اللازمة، بما فيها استخدام القوة المسلحة، استناداً إلى ميثاقي الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية.

ووسعت المادة الثانية نطاق التطبيق ليشمل حالات خطر اندلاع الحرب أو الاعتداء المفاجئ أو نشوء حال طارئة يُخشى خطرها، مع الالتزام بتبادل المعلومات والتشاور وتوحيد الخطط والحركة فوراً.

أما دواعي استحضار الاتفاقية مع زيارة البرهان، فتتصل بتحول الحرب السودانية إلى عامل تهديد إقليمي مباشر. فتصاعد العنف، واتساع رقعة الانتهاكات، وخطر تفكك مؤسسات الدولة، كلها عوامل تجعل من التنسيق الأمني المنظم خياراً أقل كلفة من الانتظار.

وفي هذا السياق، لا يُفهم التلويح بالاتفاقية كإعلان تدخل عسكري، بل كأداة ردع وضغط سياسي - أمني، تهدف إلى حماية منطق الدولة، وضبط مسار الصراع، ومنع انتقال تداعياته إلى المجال الحيوي المصري والإقليمي.

حديث السيسي عن "الخطوط الحمراء" يعكس النية في ردع أي مسار يفضي إلى تقويض مؤسسات الدولة السودانية أو فرض كيانات موازية بقوة السلاح، وهي سيناريوهات ترى القاهرة أنها تمس مباشرة أمنها القومي.

ومن هنا، يصبح تفعيل الاتفاقية أداة ضغط استراتيجية، ورسالة مزدوجة، إلى الفاعلين المسلحين بأن تفكيك الدولة لن يمر بلا كلفة، وإلى المجتمع الدولي بأن مصر لن تقف متفرجة على انهيار جارها الجنوبي.

في هذا السياق، لا ينفصل الموقف المصري عن كونه جزءاً من مسار الرباعية الدولية (واشنطن والرياض والقاهرة وأبو ظبي)، ولا عن دعوتها لهدنة إنسانية وممرات آمنة للمدنيين. وتفعيل "اتفاقية الدفاع المشترك"، في جوهره، محاولة أخيرة لإعادة الصراع السوداني إلى منطق الدولة قبل أن يبتلعه منطق الفوضى، بما يحمله ذلك من ارتدادات تتجاوز حدود السودان إلى قلب الإقليم.

محاولة استباقية

يتمثل الدافع المعلن للتحرك المصري، الأكثر جدية من أي وقت مضى خلال ما يقارب ثلاثة أعوام من الحرب السودانية، في وقف نزيف الدم ومنع انهيار مؤسسات الدولة السودانية، لكن خلف هذا العنوان الإنساني والسيادي تختبئ أهداف أكثر تركيباً.

فمصر ترى أن استمرار الحرب يخلق واقعاً جديداً تتآكل فيه فكرة الدولة لصالح فاعلين مسلحين عابرين للحدود، واقتصادات حرب لا تعترف بالقانون ولا بالسيادة. هذا السيناريو، إذا استمر، لن يهدد السودان وحده، بل سيعيد تشكيل بيئة أمنية هشة تتمدد شمالاً لتضع مصر أمام مخاطر مزمنة لا يمكن احتواؤها بالأدوات التقليدية.

من هنا، يوجه تحرك السيسي رسالة محسوبة إلى المجتمع الدولي مفادها أن إدارة الأزمة عن بُعد لم تعد كافية، وأن ترك السودان رهينة للصراع المفتوح يعني قبول انهيار دولة محورية في الجغرافيا العربية والأفريقية.

القاهرة تسعى إلى نقل الملف من مربع البيانات والإدانات إلى مربع المسؤولية الدولية، حيث تُحمّل الأطراف المتورطة في العنف تبعات قانونية وإنسانية واضحة، ويُعاد الاعتبار لمفهوم الدولة بوصفه الإطار الوحيد لأية تسوية مستدامة.

في الوقت ذاته، تنتهج مصر سياسة توازن دقيقة، دعم صريح للجهود الدولية، لا سيما المساعي الأميركية الرامية إلى التهدئة ومنع التصعيد، مع احتفاظها بحقها الكامل في حماية أمنها القومي. هذا التوازن هو محاولة لصياغة دور فاعل داخل الأطر الدولية، وفي مقدمتها "الرباعية"، بما يسمح للقاهرة بأن تكون شريكاً في صناعة الحل.

من ناحية أخرى، يحمل لقاء السيسي بالبرهان بعداً رمزياً واستراتيجياً في آن واحد. فهو رسالة طمأنة للشعب السوداني بأن مصر لا تراهن على تفكك الدولة ولا على حلول مفروضة، بل على مسار سياسي يحفظ وحدة السودان واستقلال قراره.

وفي العمق، يهدف اللقاء إلى تثبيت خطوط تنسيق حول قضايا تتجاوز الحرب نفسها، من الأمن المائي في حوض النيل إلى استقرار القرن الإفريقي. هكذا، يتحول التحرك المصري من مجرد وساطة إلى محاولة استباقية لإغلاق أبواب أخرى، قبل أن تصبح كلفة إغلاقها أعلى من قدرة الإقليم على الاحتمال.

إجراء انتقائي

يُلاحظ أن تكثيف جهود السودان الدبلوماسية لحشد الدعم الإقليمي والدولي يأتي كجزء من معركة أعمق تدور داخل المؤسسة العسكرية نفسها، حيث باتت شرعية القيادة على المحك، لا أمام الخصوم فحسب، بل داخل الصفوف التي يفترض أنها تمثل عمود الدولة الفقري.

عقب لقائه بالمبعوث الأميركي الخاص للشؤون الإفريقية مسعد بولس في سويسرا خلال أغسطس/ آب الماضي، قرر البرهان إحالة عدد كبير من كبار ومتوسطي الضباط المحسوبين على "التيار الإسلامي" إلى التقاعد، مما شكل لحظة فاصلة في تاريخ الجيش السوداني في فترة ما بعد سقوط الرئيس السابق عمر البشير.

ربما كانت هذه الخطوة لترتيب موازين القوى داخل المؤسسة العسكرية، لا سيما أنها كسرت تقليداً راسخاً منذ النظام السابق. وربما كانت قراراً إدارياً بقدر كونه سياسياً لا سيما مع محاولات بعض الضباط تحويل بوصلتهم للتحالف مع بعض القوى السياسية المناوئة للبرهان، فهناك تسربات بأن تحالفاً مضاداً قد بدأ يتشكل داخل الجيش لإطاحة البرهان، في ظل تصاعد التذمر داخل المؤسسة العسكرية وتآكل الانضباط بفعل طول أمد الحرب.

وعلى كلٍ، يحاول البرهان الاستفادة من هذا القرار بتوجيه رسالة إلى الخارج لتكون في صالحه، ومفادها أن القيادة العسكرية تسعى إلى إعادة صياغة صورتها وهويتها.

في الواقع إن هذه الخطوة، في جوهرها، لا تعكس قطيعة بنيوية مع الإرث القائم داخل القوات المسلحة. فالمؤسسة العسكرية السودانية، بصيغتها الراهنة، تشكّلت إلى حد كبير في عهد عمر البشير، بعد إحالات واسعة لضباط غير موالين للنظام الإسلامي إلى "الصالح العام"، أعقبتها عملية ممنهجة لإعادة البناء بعناصر محسوبة على التيار الإسلامي بمختلف أطيافه، مما يجعل اختزال الظاهرة في استبعاد البرهان للمنتمين لـ"الإخوان المسلمين" ادعاء يصعب الدفاع عنه.

وعليه، فإن إحالة بعض الضباط إلى التقاعد لا تعني تفكيك الطابع الأيديولوجي للمؤسسة بقدر ما تمثل إجراءً انتقائياً يوازن بين هدفين: تحييد أية مراكز قوة محتملة قد تشكل تحدياً لسلطة البرهان من الداخل، وتقديم خطوة محسوبة تصلح للاستهلاك الدبلوماسي، تُخاطب بها القاهرة والمجتمع الدولي في آن واحد، من دون المساس بجوهر التوازنات داخل الجيش.

خبايا اللقاء

ما لم يُعلن في لقاء القاهرة بين السيسي والبرهان لا يقل أهمية عما تسرب في البيانات الرسمية، بل ربما يفوقه وزناً وتأثيراً. فخلف لغة الدعم والتنسيق والحفاظ على وحدة السودان، دار نقاش أكثر عمقاً حول حدود الممكن في حرب طال أمدها، وحول الكلفة المتصاعدة لتحويل الصراع إلى حال دائمة. لم تتعامل القاهرة مع البرهان بوصفه حليفاً ثابتاً، بل كفاعل مضغوط يقف عند مفترق طرق حاسم، ويحتاج إلى مظلة إقليمية تمنع انهياره، من دون أن تمنحه شيكاً على بياض.

أحد خبايا اللقاء تمثل في إعادة تعريف الدعم المصري ذاته. فالدعم لم يعد مرادفاً للمساندة غير المشروطة، بل مشروطاً بإعادة ترتيب الداخل السوداني، وضبط إيقاع المؤسسة العسكرية، والحد من الانزلاق نحو منطق الحركات المسلحة وشبه العسكرية.

الرسالة الضمنية كانت واضحة، استمرار الحرب من دون أفق سياسي سيحول الجيش من أداة دولة إلى طرف مستنزف، وسيضع القاهرة أمام خيارات أكثر صعوبة لا ترغب في بلوغها. من هنا، بدا أن مصر تضغط باتجاه تسريع مسار سياسي "منضبط"، لا يفتح الباب لتفكيك الدولة ولا يكرس الفوضى، ولكن يمنح الفرصة لتلميع شخصية عسكرية قادرة على التعاطي السياسي.

في المقابل، عرض البرهان صورة عسكري يحاول المناورة السياسية بين ضغوط متعارضة. تقاربه المتزايد مع القوى الغربية، ومحاولته إعادة تشكيل القيادة العسكرية عبر إقصاء شبكات نفوذ تقليدية، شكّلا محوراً غير معلن في النقاش.

القاهرة تدرك أن هذه الخطوات قد تعزز سيطرته موقتاً، لكنها تحمل في طياتها خطراً مزدوجاً يعتمد على مدى إبراز البرهان كشخصية توافقية لا تسمح بتعميق الاستقطاب داخل الجيش، وإضعاف التماسك المؤسسي في لحظة حرجة. لذلك، بدا أن النصيحة غير المعلنة تميل إلى إدارة التحول لا القطيعة، وإلى تفكيك مراكز القوة بهدوء.

النتائج المتوقعة لهذا اللقاء تتجاوز البعد الثنائي. فعلى المدى القريب، قد يقود إلى تنسيق أمني واستخباراتي أوثق، وضغط مصري منظم ضمن "الرباعية" وداخل المحافل الدولية للدفع نحو هدنة إنسانية طويلة نسبياً، تمهد لوقف إطلاق نار قابل للبناء عليه.

وعلى المدى المتوسط، قد تفضي هذه الخطوات إلى إعادة تموضع البرهان إقليمياً، باعتباره جزءاً من معادلة استقرار لا مجرد قائد حرب، بشرط أن ينجح في احتواء ارتدادات قراراته داخل الجيش.

(اندبندنت عربية)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI