تفتح التطورات التي شهدها اليمن في الساعات الماضية، ومطالبة رئيس مجلس القيادة الرئاسي، رشاد العليمي، اليوم الثلاثاء، القوات الإماراتية بالخروج من جميع الأراضي اليمنية في غضون 24 ساعة، ثم تأييد السعودية لطلب العليمي، الباب أمام تساؤلات حول الوجود الإماراتي في اليمن، والذي أخذ من عمليات التحالف العربي التي بدأت في العام 2015 لمواجهة الحوثيين مدخلاً للتغلغل في اليمن، وما إذا كان هذا الوجود، سواء المباشر أو عبر تشكيلات مسلحة يمنية تتلقى دعماً منها، والذي يتركز في مناطق ذات أهمية استراتيجية عسكرية، قد اقترب من نهايته، خصوصاً بعد سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي على محافظتي حضرموت والمهرة على حدود السعودية وسلطنة عمان، وهو ما عدّ خطاً أحمر تم تجاوزه.
خلافات بين السلطة في اليمن والإمارات
وشهدت السنوات العشر منذ بدء عمليات التحالف العربي في اليمن، تحولات كبيرة، وخلافات توسعت بين السلطة اليمنية الشرعية المعترف بها دولياً، وبين الإمارات، خصوصاً أن الأخيرة عملت على دعم إنشاء سلطات موالية لها في المناطق المحررة من سيطرة الحوثيين، وشكّلت ودعمت جماعات عسكرية ومكونات سياسية، كان أبرزها دعم المجلس الانتقالي الجنوبي، الذي ينادي بالانفصال واستعادة "دولة الجنوب العربي"، والذي حاول في الآونة الأخيرة فرض سيطرة كاملة على مناطق جنوب وشرق اليمن.
وخلال السنوات الأولى من الحرب، وتحديداً بعد العام 2019، قُلّص الوجود الإماراتي العسكري المباشر في اليمن، على خلفية تزايد الخلافات والصراعات العسكرية والسياسية مع السلطات الشرعية والمكونات والأحزاب المشاركة فيها، بعد مواجهات مباشرة وغير مباشرة بين أبوظبي والشرعية، خصوصاً بعد استهداف الطيران الإماراتي في أغسطس/آب 2019 قوات قادمة من مأرب كانت تتبع الشرعية وتسعى لاستعادة السيطرة على عدن، التي كان المجلس الانتقالي قد بسط سيطرته عليها وطرد الحكومة منها بدعم إماراتي، ما تسبب في طلب الحكومة وقيادة الشرعية حينها، التي كان يقودها الرئيس السابق عبد ربه منصور هادي، تقليص الدور الإماراتي في اليمن ضمن التحالف العربي.
حينها انسحبت القوات الإماراتية من الكثير من المناطق التي كانت موجودة فيها، وفي مقدمتها عدن ومأرب، لكنها احتفظت بوجود ونفوذ في مناطق حيوية وذات أهمية استراتيجية، أبرزها شبوة، المحافظة النفطية، وميناء بلحاف الذي تتخذه الإمارات مقراً لها على بحر العرب وتديره شركة توتال الفرنسية، ويعد الميناء الوحيد لتصدير الغاز اليمني، وكان يتم تصدير نفط مأرب وشبوة عبره.
إضافة لذلك، فللإمارات وجود بجزيرة سقطرى والتي تقع في قلب المحيط الهندي وتربط أفريقيا باليمن. وكانت الإمارات، بحسب اتهامات عدة صدرت من معسكر الشرعية على مدى السنوات الماضية قد اتخذت الكثير من الخطوات والإجراءات الأحادية في سقطرى، من بناء القواعد العسكرية والمعسكرات ومراكز التدريب الدولية للمرتزقة، فضلاً عن إنشاء شركة اتصالات، وشبكات تجسس على سكان الجزيرة.
كما تم ربط كل الإجراءات الأمنية في سقطرى بدولة الإمارات، بما فيها دخول الأجانب، وحصرها فيها، بالإضافة إلى إنشاء موانئ خاصة فيها، ومنع عودة المسؤولين اليمنيين وزيارتها، وحتى تقليص وجود حلفائها من اليمنيين في الجزيرة.
كما أنها منعت رفع العلم اليمني على المؤسسات الحكومية وحتى في المنازل، وكل من يرفعه كان يلاحق من بعض المليشيات المحسوبة على "الانتقالي"، فضلاً عن منع ترديد النشيد اليمني في المدارس.
وفي حين أنها قدمت إغراءات كثيرة لسكان الجزيرة لمغادرتها مقابل حصولهم على جنسية الإمارات والعمل فيها، فإنها ضغطت على آخرين مؤيدين للشرعية لمغادرة الأرخبيل. وأوائل ديسمبر/كانون الأول الحالي، دفعت الإمارات المجلس، بحسب اتهامات الشرعية اليمنية، "الانتقالي" للسيطرة على حضرموت، المحافظة الاستراتيجية بالنسبة لليمن والسعودية لأنها تعد محافظة الثروة الأولى في اليمن، واستقرت الإمارات بمطار الريان في المكلا عاصمة حضرموت، وكان المقر الرئيسي للقوات الإماراتية. كذلك ثمة وجود لأبوظبي في جزيرة ميون التي تقع في قلب مضيق باب المندب ويربط بين اليمن ودول القرن الأفريقي.
وكان اليمن والإمارات قد وقّعا في 8 ديسمبر/كانون الأول 2022 اتفاقية التعاون العسكري والأمني بقرار من رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، ووقّعها من الجانب اليمني وزير الدفاع الحالي محسن الداعري، ومن الجانب الإماراتي وزير العدل عبد الله سلطان بن عواد النعيمي، وتهدف إلى تعزيز التنسيق العسكري والأمني، ومكافحة الإرهاب، وتعزيز جهود الاستقرار في المنطقة. علماً بأن العليمي أعلن اليوم الثلاثاء إلغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات المتحدة، ووجّه بخروج القوات الإماراتية من الأراضي اليمنية خلال 24 ساعة.
دعم تشكيلات عسكرية
وخلال وجودها في اليمن، فإن الإمارات كانت قد دعمت تشكيل العديد من التشكيلات العسكرية والأمنية، من بينها "قوات العمالقة"، وهي قوات سلفية تنتشر في جميع المحافظات المحررة: عدن، ولحج، والساحل الغربي، والضالع، وأبين، وشبوة، ومأرب، وحضرموت، وصولاً إلى المهرة. وإلى جانب "العمالقة"، هناك قوات "الأحزمة الأمنية"، وهي قوات تنتشر في عدن ولحج والضالع وأبين.
كما أن هناك "قوات دفاع شبوة"، وجاء تشكيلها بديلاً لقوات "النخبة الشبوانية" التي هُزمت عام 2019 من قوات الشرعية، فتم تغيير اسمها واستبعاد قيادتها وإعادة تشكيلها من جديد، وتنتشر في شبوة النفطية بدعم إماراتي. وإلى جانب ذلك هناك قوات "النخبة الحضرمية"، وتنتشر في حضرموت، وكانت تسيطر على حضرموت الساحل، وكل هذه القوات تتبع المجلس الانتقالي الجنوبي، لكنها مدعومة من الإمارات.
كما أن الإمارات دعمت في الساحل الغربي تشكيل قوات "المقاومة الوطنية" و"حراس الجمهورية"، التابعة للمكتب السياسي الذي تديره عائلة الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، بقيادة نجل شقيقه طارق صالح، وتنتشر في أطراف الحديدة وتعز على الساحل الغربي، بما فيها مدينة المخا الساحلية، معقل هذه القوات.
أما الحكومة الشرعية المعترف بها دولياً، فبعد أن كانت تنتشر في أغلب المناطق والمحافظات المحررة من الحوثيين، إلا أن صراعها مع الإمارات والأطراف الموالية لها جعلها تخسر الكثير من المناطق، فقد خرجت من عدن كلياً، وكذلك أبين وشبوة والضالع، بسبب هزائمها المتتالية من المجلس الانتقالي، وسحبت أغلب قواتها إلى مأرب وباقي المناطق المحاذية للجبهات مع الحوثيين. وتعد أهم التشكيلات العسكرية التابعة للشرعية ضمن وزارة الدفاع وهيئة الأركان العامة هي الجيش الوطني في مأرب، وهو القوة الأكبر.
وإلى جانب وجوده في مأرب، فإنه يمتد من حدود شبوة والبيضاء إلى حدود الخوخ مع السعودية. كما أن من بين تشكيلات قوات الجيش التابعة لوزارة الدفاع تبرز تشكيلات قوات الطوارئ اليمنية، ومكونة من محاور أزال وصعدة وكتاف العسكري، وتنتشر في صعدة على حدود السعودية، وحجة والجوف، إلى جانب الوديعة والعبر على حدود السعودية أيضاً.
إضافة إلى ذلك، هناك قوات "درع الوطن"، وهي حالياً في حضرموت والمهرة وشبوة ولحج، وإن كان تم سحب أغلبها إلى العبر بحضرموت على حدود السعودية استعداداً لاستلامها محافظة حضرموت شرق اليمن، إلى جانب المهرة، التي فيها قوات تسمى قوات درع الوطن المهرية من أبناء المحافظة، وتابعة لقوات درع الوطن ووزارة الدفاع، مع وجود ضئيل لبعض الألوية العسكرية تتبع وزارة الدفاع الشرعية في طور الباحة لحج بحدود تعز، إلى جانب قوات الألوية التهامية في الساحل الغربي في الحديدة.
(العربي الجديد)