تعيش مدينة تعز واحدة من أعقد أزماتها التعليمية، في ظل ارتفاع متواصل لتكاليف المدارس الأهلية، يقابله تدهور حاد في أوضاع التعليم الحكومي، ما دفع آلاف الأسر إلى خيارات قسرية بين تعليم مرتفع الكلفة أو تعليم حكومي يعاني من ضعف الإمكانات وانعدام المقومات الأساسية.
تعليم حكومي متدهورة
"التعليم الأهلي لمن استطاع إليه سبيلا، ووالدي لا يستطيع دفع تكاليف المدارس الاهلية، لذلك أدرس في مدرسة حكومية"، هكذا تحدثت الطفلة زينة عدنان (12 أعوام)، التي تدرس في الصف السادس الأساسي بمدينة تعز، سبب التحاقها بالتعليم الحكومي، رغم وجود مدرسة أهلية مجاورة لمنزل أسرتها.
وتضيف زينة "إن عددًا من صديقاتها يدرسن في مدارس أهلية، وتضيف أن التعليم الحكومي أكثر إهمال يعاني منه الاطفال ولا تعرف أسباب ذلك وأن الفصول الدراسية مزدحمة جداً".
ويضيف والد الطفلة (رغد كمال) "أن المدارس الحكومية أصبحت مقلقه خصوصاً مع الظروف الأخيرة التي تعيشها مدينة تعز وانه يشعر بالتعب يوميا بذهاب وإياب ابنته إلى المدرسة مع غياب المتابعة اليومية والمستمرة من إدارة المدرسة في حال غياب أو تأخر الطلاب".
في المقابل، تروي حليمة، ولي أمر الطالبة ريناد (10 أعوام)، سبب إلحاق ابنتها بمدرسة أهلية، موضحًا أن غياب خدمة النقل المدرسي في المدارس الحكومية أجبره على هذا الخيار.
وتضيف أن المدارس الأهلية توفر خدمة نقل مدفوعة من أمام المنزل صباحًا، وإعادة الطالب أو الطالبة إلى المنزل ظهرًا، الأمر الذي يمنح الأسر شعورًا أكبر بالأمان والاطمئنان.
وتقول: "لا أشعر بالأمان أن تذهب ابنتي في هذا العمر إلى المدرسة الحكومية بمفردها، نظرًا لبعدها عن المنزل، وهذا هو السبب الرئيسي".
وتقدم المدارس الأهلية، بحسب أولياء الأمور، خدمات إضافية، من بينها المتابعة المستمرة للطلبة عبر تقارير تقييمية دورية، إلى جانب توفير الكتب المدرسة وتوفر وسائل تعليمية وترفيهية أفضل مقارنة بالمدارس الحكومية.
التعليم الحكومي انضباط طلاب وتحديات معلمين
يوضح مشرف التوجيه بمكتب التربية والتعليم بتعز، طاهر القاضي، أن مستوى انضباط حضور الطلاب في المدارس الحكومية "ممتاز جدًا"، مؤكدًا أن المشكلة الأساسية لا تكمن في الطلاب، بل في أوضاع الكادر التعليمي.
ويشير القاضي إلى وجود تفاوت في التزام المعلمين بالحضور من مدرسة إلى أخرى، مرجعًا ذلك إلى استمرار نزوح عدد كبير من المعلمين الذين تعرض بعضهم للتهجير لأسباب سياسية، إضافة إلى عوامل اقتصادية ضاغطة، أبرزها ارتفاع إيجارات المساكن، وانخفاض القيمة الشرائية للريال، واستقرار كثير من المعلمين في مناطقهم الأصلية خارج المدينة أو في أرياف تعز.
وبحسب القاضي، تواجه المدارس الحكومية جملة من التحديات المتراكمة، يأتي في مقدمتها العجز في الكادر الوظيفي، إلى جانب ضعف المعامل، وانقطاع الكهرباء والمياه، وغياب دعم الأنشطة المدرسية، وانعدام الوسائل التعليمية الحديثة.
ويضيف أن هناك خطة إشرافية مكتوبة لمتابعة المدارس، إلا أنها تفتقر إلى الكادر الكافي للتنفيذ الميداني، موضحًا أن التوجيه التربوي في المديريات يعاني من خلل واضح نتيجة نقص الموجهين والمفتشين الماليين والإداريين، حيث لا يتوفر سوى نحو 60% من الكادر الذي كان موجودًا قبل الحرب، وهو ما يشكل عبئًا إداريًا كبيرًا على العاملين المتبقين.
رسوم باهظة ورفض القرارات الحكومية
ورغم وجود عدد 205 مدرسة أهلية في محافظة تعز (مناطق الحكومة) إلا أن تكاليف التعليم مرتفع بشكل كبير جدا حيث يتراوح متوسط رسوم الطالب ما بين 400000-80000 ألف ريال، رغم تحسن سعر صرف العملات الأجنبية مطلع العام الدراسي الجاري. وفي ذات السياق مكتب التربية والتعليم بمحافظة تعز أصدر تعميمًا يقضي بإلغاء 50% من الرسوم الدراسية المضافة على الطلاب في المدارس الأهلية والخاصة للعام الدراسي الجديد، وذلك نظرًا لتحسن الوضع الاقتصادي وتحسن قيمة العملة المحلية، وبهدف التخفيف عن أولياء الأمور في ظل الظروف المعيشية الصعبة.
التعميم جاء بناءً على مطالبات متكررة من المواطنين بخفض الرسوم التي وصلت إلى مبالغ مرتفعة لا يستطيع كثيرون تحملها.
المدارس الأهلية لم تلتزم بشكل كامل بالتخفيض المقرر، واستمرت في تحصيل الرسوم المرتفعة وحرمان الطلاب من الامتحانات النصفية. وأفاد أولياء الأمور: "أن القرار لم يُنفذ والأعباء تتضاعف".
وعبّر عدد من أولياء الأمور في مدينة تعز عن استيائهم من عدم التزام المدارس الأهلية بقرار خصم الرسوم الدراسية، مؤكدين أن القرار بقي حبرًا على ورق، دون أي انعكاس حقيقي على أرض الواقع.
يقول عبدالله محمد، ولي أمر طالب في المرحلة الأساسية "صدر قرار رسمي بتخفيض الرسوم، لكننا لم نلمس أي تغيير، المدارس ما زالت تطالبنا بالمبالغ نفسها، وبعضها هدد بعدم قبول الطلاب في حال عدم الدفع".
من جهتها، أوضحت (أم أحمد)، ولية أمر طالبتين، أن الرسوم أصبحت عبئًا يفوق قدرة الأسر "ندفع رسوم دراسة، ومواصلات، وكتب، وأنشطة، وكل عام تزيد. القرار كان أملًا لنا، لكن المدارس تجاهلته تمامًا".
أما صالح علي، وهو موظف حكومي، فيؤكد أن غياب البديل الحكومي أجبره على القبول بالأمر الواقع: "التعليم الحكومي شبه منهار، والمدارس الأهلية تستغل هذا الوضع. نُجبر على الدفع لأننا لا نملك خيارًا آخر".
ويرى أولياء أمور أن ضعف الرقابة من مكتب التربية والتعليم شجّع المدارس الأهلية على تجاهل القرارات الرسمية، مطالبين بإجراءات حازمة تضمن تنفيذ القوانين، وتحمي حق الطلاب في التعليم دون استغلال.
في المقابل، بررت إدارات عدد من المدارس الأهلية في مدينة تعز عدم التزامها بقرار خصم الرسوم الدراسية، معتبرة أن القرار "غير واقعي" ولا يراعي التزامات التشغيل الفعلية.
يقول مدير إحدى المدارس الأهلية – فضّل عدم ذكر اسمه – إن: "الرسوم الدراسية لا تُحدد عشوائيًا، بل بناءً على كلفة التشغيل، بما في ذلك رواتب المعلمين، والإيجارات، والمواصلات، والوسائل التعليمية. أي تخفيض مفاجئ يعرّض المدرسة للعجز".
وأوضح أن تحسن سعر الصرف "لم ينعكس بشكل فعلي على كلفة التشغيل"، مؤكدًا أن كثيرًا من الالتزامات ما تزال تُحسب بأسعار مرتفعة.
من جهته، يرى مدير مدرسة أهلية أخرى أن القرار صدر دون تشاور مع إدارات المدارس، قائلًا: "نحن لسنا ضد تخفيف العبء عن أولياء الأمور، لكن القرارات يجب أن تُبنى على دراسات واقعية، لا أن تصدر بشكل ارتجالي".
وأضاف أن بعض المدارس حاولت الوصول إلى حلول وسط عبر تسويات مباشرة مع أولياء الأمور، بدل التطبيق الحرفي للقرار، للحفاظ على استمرارية العملية التعليمية.
وتؤكد إدارات المدارس الأهلية أن التعليم الأهلي "ليس مشروعًا ربحيًا فقط"، بل يقدم خدمات تعليمية متطورة، تشمل تقليل الكثافة الصفية، وتوفير النقل، والوسائل الحديثة، مشيرة إلى أن هذه الخدمات لها كلفة لا يمكن تجاهلها.
فجوة تتسع بين الاحتياج والدعم
ويؤكد نائب مكتب التربية، بجاش المخلافي، أن الفجوة بين احتياجات المدارس الحكومية والدعم المتوفر تتسع عامًا بعد عام، نتيجة انعدام النفقات التشغيلية الكافية، ما يجعل المدارس عاجزة عن توفير أبسط متطلبات العملية التعليمية.
وأشار إلى أن تكرار إضرابات المعلمين بات من أبرز الملاحظات خلال السنوات الماضية، نتيجة تدهور أوضاعهم المعيشية، التي لا تفي بالحد الأدنى من متطلبات الحياة، إلى جانب الغياب المتكرر لبعض المعلمين لأسباب صحية، خاصة مع تقدم الكثير منهم في السن واستمرارهم في العمل بعد بلوغ سن التقاعد الوظيفي والعمري.
حلول مؤقتة لأزمة الاكتظاظ والكتاب المدرسي
وحول شكاوى أولياء الأمور، أوضح المخلافي أن الخيارات المتاحة محدودة، وغالبًا ما تقتصر على استحداث شعب دراسية إضافية للفصل الواحد، الأمر الذي يتطلب البحث عن معلمين متطوعين وتأهيلهم عبر دورات تخصصية.
أما أزمة الكتاب المدرسي، فأكد أنه لا توجد حلول عملية جذرية، باستثناء الكميات المحدودة التي تصل إلى المدارس من مكتب التربية والتعليم عبر عدن أو حضرموت، وهي كميات لا تلبي الاحتياج الفعلي.
المدارس الأهلية.. التزام نسبي وجدلية الرسوم
وفيما يتعلق بالمدارس الأهلية، أشار مدير إدارة التعليم الأهلي بمكتب التربية هزاع عبدالجليل إلى أن عددًا من المدارس الأهلية استجابت لقرار سقف الرسوم الدراسية، من خلال التفاهمات العرفية مع أولياء الأمور، معتبرًا ذلك "أمرًا إيجابيًا".
وأوضح أن أبرز التجاوزات التي يتم رصدها خلال سنوات الحرب تتمثل في تجاوز الطاقة الاستيعابية في بعض المدارس الأهلية، مرجعًا ذلك إلى الإقبال الكبير على التعليم، خاصة بعد إغلاق الفترة المسائية في المدارس الحكومية بسبب نقص الكادر، والتي كانت تستوعب نحو ثلث طلاب المحافظة.
وبخصوص الجدل الإعلامي حول الرسوم الدراسية، أوضح هزاع أن مدير عام مكتب التربية والتعليم بالمحافظة، عبدالواسع شداد، حسم الأمر بتعميم يقضي بخصم 50% من الرسوم المضافة خلال العام الحالي، واصفًا القرار بأنه "ممتاز".
لكنه انتقد في الوقت ذاته تشبيه بعض الطروحات الإعلامية لأسعار الخدمات التعليمية بأسعار السلع الاستهلاكية، معتبرًا ذلك مجحفًا بحق المدارس الأهلية.
بين التنافس والجشع
وأكد أن العديد من المدارس الأهلية تقدم خدمات تعليمية متميزة وتنافسية، وهو الهدف الأساسي من إنشاء التعليم الأهلي، بما ينسجم مع مكانة تعز الثقافية.
في المقابل، أشار إلى أن المدارس التي دخلت مجال التعليم بغرض الاستثمار فقط، دون رؤية واضحة أو دراسات جدوى علمية، "ستصل إلى الإغلاق تلقائيًا"، وإن استمر بعضها فذلك يعود إلى حاجة المدينة لها في ظل تراجع التعليم الحكومي.
رقابة قانونية وتوصيات
أوضح عبدالجليل هزاع، مدير التعليم الأهلي بمكتب التربية في تعز، أن فتح أي مدرسة أهلية يخضع لمعايير محددة، تشمل ملاءمة المبنى وتوفر الساحات والحمامات والكادر التعليمي المؤهل.
وأشار إلى أن لجنة مختصة تقوم بزيارة المدارس وتقييمها ميدانيًا قبل منح الترخيص أو رفضه.
وبيّن هزاع أن أي بلاغات أو شكاوى ضد المدارس الحكومية أو الأهلية يتم التعامل معها وفق القانون عبر الشؤون القانونية، مؤكدًا أن كافة المدارس الأهلية تخضع لقانون التعليم الأهلي والخاص.
وختم بتوصية دعا فيها أولياء الأمور إلى اختيار المدارس التي تقدم تعليمًا أكاديميًا متميزًا لأبنائهم، معتبرًا أن هذا الوعي المجتمعي سيساهم في إغلاق المدارس غير المؤهلة، وتحقيق توازن بين ضبط الرسوم والحفاظ على جودة التعليم.
ويؤكد التربوي يوسف محمد أن فكرة تفوق التعليم الأهلي على الحكومي أصبحت راسخة لدى شريحة واسعة من أولياء الأمور، واصفًا هذا التصور بأنه "غير دقيق".
ويتساءل: "من يدير هذه المدارس؟ وهل جميعها أنشئت وفق المعايير المنصوص عليها في المادة (72) من قانون التعليم، التي تنظم إنشاء المدارس الأهلية والخاصة وتخضعها لإشراف الجهات المختصة؟".
وتشترط اللوائح تخصيص مساحة لا تقل عن متر ونصف لكل طالب، وأن يكون الفصل بمساحة 4×6 أمتار، مع توفر التهوية والإضاءة، والوسائل التعليمية، ومعلم واحد لكل 25 طالبًا، إضافة إلى الحمامات والساحات وبقية المرافق.
لا تقتصر هذه المشكلة على مناطق سيطرة الحكومة، إذ تشهد مناطق سيطرة جماعة الحوثي الأزمة ذاتها، حيث أن التعليم الحكومي يعاني من إهمال واضح.
ويرى الخبير التربوي محمد سعيد أن الزيادة الكبيرة في عدد المدارس الأهلية تعود إلى تدهور مخرجات التعليم الحكومي، وقرب بعض المدارس من مواقع عسكرية، وتحويل أخرى إلى مقرات عسكرية أو خدمية، إلى جانب ضعف الرقابة وتطبيق اللوائح.
ويرجح سعيد أن الدافع الأساسي وراء هذا التوسع هو الربح من التعليم، الذي يفترض أن يكون خدمة مجانية متاحة للجميع.
وفي ظل استمرار تراجع التعليم الحكومي وارتفاع كلفة المدارس الأهلية، تبقى الأسر في تعز أمام خيارات محدودة، وسط مطالب متزايدة بإصلاح القطاع التعليمي وضمان حق الطلاب في تعليم عادل ومتاح للجميع.