بشيء من التطلع والأمل، يترقب المواطنون اليمنيون في عدن والمحافظات التابعة للحكومة الشرعية قرار تشكيل الحكومة الجديدة عقب أسابيع لاهبة بالأحداث والتطورات التي غيرت ملامح وجه الشرعية وما يقع تحت يدها.
ويأتي دافع الترقب غير المسبوق عطفاً على جملة المتغيرات السياسية والعسكرية التي شهدها اليمن بإزاحة المجلس الانتقالي المنحل وقواته التي أحكمت قبضتها على مدى 10 سنوات على المحافظات الجنوبية، في إطار توفير شروط ومهام بناء الدولة ومركز قرارها السيادي وتحصين جبهتها من تكرار دورات العنف والإزاحة والانحراف المركزي.
تغيير معادلة القوة
وفقاً للآراء المتداولة، تسعى التغييرات الكبيرة في جهاز الدولة إلى إعادة تكوين صف قيادي متماسك وموحد في قراره ورؤاه وحتى في خلفيات داعميه، بما يمكنه من خلق صيغ واعدة للمشكلات القائمة سواء في الجنوب أو في شأن شكل الدولة اليمنية المقبلة بعد التعامل مع الحوثيين سواء بالقوة أو بدعوات السلام.
وشهد اليومان الماضيان إصدار مجلس القيادة الرئاسي سلسلة قرارات مصيرية شملت قوام أعضائه وتكليف رئيس وزراء جديد لتشكيل الحكومة، في مساعي تغيير معادلة القوة على الأرض والسيادة لصالح الدولة وتعزيز وحدة القرار السيادي بإسناد سعودي معلن.
وينتظر الشارع النتائج خصوصاً وقد جاءت مدعومة بدور الرياض "الحاسم" كما تقول "الشرعية"، وهو الدور الذي يعول عليه اليمنيون كثيراً من الآمال والتطلعات.
حكومة التحدي غير المسبوق
بين أكثر المساعي الحكومية ملامسة واقع المشكلات المتراكمة تغيير الحكومة بقبول استقالة سالم بن بريك وحكومته وتكليف المخضرم شايع الزنداني بتشكيل الوزارة الجديدة وتعيينات أخرى شملت عملية إحلال وإبدال في المجلس الرئاسي، سعياً إلى تطبيع الأوضاع السياسية والعسكرية والخدمية وتجهيز الأرضية الموائمة لإطلاق حوار جنوبي شامل تستضيفه الرياض يتوقع أن يتوج بمخرجات ستغير وجه اليمن.
يقول الباحث السياسي فارس البيل إن اليمنيين ينتظرون هذه الحكومة بشيء من الاهتمام غير المسبوق في ضوء الأحداث الأخيرة لتلمس تطلعاتهم، على أن تضم شخصيات نزيهة وفاعلة والكفاءة بعيداً من المحاصصة التي أعاقت عمل الدولة وأضعفتها وكادت تعصف بها.
ولهذا فهي حكومة "تحد تاريخي للمهام الجسام التي ستجدها أمامها".
في مقدم تلك التحديات "هناك مهام مفتوحة لتدعيم قوة الدولة تأتي مهمة توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية في مقدمها، إضافة إلى الملف الاقتصادي واستقرار الخدمات".
برعاية السعودية.. من الأزمة إلى البناء
الإعداد للإعلان عن حكومة جديدة خطوة رئاسية حثيثة بدعم الجارة السعودية نحو تفعيل عمل أجهزة الشرعية وتطويرها وفقاً للمتغيرات الميدانية الجارية.
إذ لم تعد تقتصر مهام الشرعية على إدارة الأزمة المحصورة في العمل الإنساني والإغاثي، ولكنها تعطي مؤشراً قوياً بدعم سعودي متتابع بالانتقال إلى مرحلة إعادة بناء المؤسسات وتطوير الخدمات ودمج التشكيلات العسكرية وتثبيت الحال الأمنية والسياسية تمهيداً لعودة الحكومة إلى عدن، أكده إعلان السعودية تقديم دعم مالي مخصص لصرف الرواتب بمبلغ 90 مليون دولار، إضافة إلى تكفلها بدفع رواتب العسكريين ابتداء من يوم غد الأحد. سعودي (500 مليون دولار)، وتستعد لاستضافة "مؤتمر الحوار الجنوبي - الجنوبي" إلى جانب سعيها إلى إعادة توحيد القوات العسكرية.
الولاء للدولة.. فقط
القرارات المتلاحقة التي تتخذها الشرعية شملت إسقاط عضوية فرج سالمين البحسني وقبلهما عيدروس الزبيدي، وملأت الشواغر بتعيين الفريق الركن محمود الصبيحي والدكتور سالم الخنبشي، مع احتفاظ الأخير بمنصبه محافظاً لحضرموت وقبول استقالة حكومة سالم بن بريك، وتكليف شائع الزنداني وهو الدبلوماسي المخضرم القادم من محافظة الضالع بتشكيل الحكومة الجديدة.
هذه التوليفة الجديدة المتخففة من القوى التابعة لـ"الانتقالي" المنحل ستتيح لها وفقاً للبيل "الانطلاق بحرية والاستناد إلى قرار رأسي وتسلسلي واضح ومحدد بتنفيذ سلس يلامسه الناس، لأنه ينتصر لقيم الدولة ويعيد هيبتها ومكانتها ومن ثم حمايتها من مشاريع التمزيق والشرذمة".
مساعي استعادة الشرعية قوة القرار والسيطرة توالت بإسقاط عضوية فرج البحسني من مجلس الرئاسة.
هذا القرار الذي لم يكن لمجرد التغيير الشكلي، بل حمل رسالة سياسية وقانونية أكدتها "حيثيات" القرار التي نشرتها وكالة "سبأ" الرسمية اتهمت البحسني خلالها بالإخلال بمبدأ المسؤولية الجماعية وتحدي القرارات السيادية واستغلال موقعه الدستوري لإضفاء غطاء سياسي وشرعي على تحركات عسكرية غير قانونية، في إشارة إلى المجلس الانتقالي.
واتهامه بـ "تأييد الإجراءات الأحادية التي قادها المتهم عيدروس الزبيدي" المحال بقرار مماثل سبقه "إلى النائب العام بتهمة الخيانة العظمى"، وهي الممارسات التي "أسهمت في تقويض وحدة الصف الوطني".
إجراءات الشرعية تهدف إلى استعادة الثقة والثقل للقرار السيادي وحصره بالمجلس الرئاسي كأعلى هيئة سياسية ومعها الحكومة الشرعية وتوحيد القرار تبعاً للدولة فقط لا الكيانات الموازية مهما حملت من خلفيات مطلبية أو حقوقية.
إقامة الجدار الاقتصادي المائل
إصلاح بيت الشرعية عُزز بدعم سعودي مستمر كان آخره ما أُعلن الخميس الماضي بإطلاق الرياض حزمة مشاريع تنموية لليمن تقدر بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي، وهو الدعم الذي يهدف إلى تقويم جدار الشرعية بفعل الإخفاق الاقتصادي في الفترة الماضية، مع حال ازدواج القرار المركزي الحاد الذي شهده على مدى الأعوام الماضية بين سلطة شرعية يرأسها العليمي وأخرى موازية يقودها عيدروس الزبيدي زعيم المجلس الانتقالي المنحل.
الرياض.. ليست ضد الجنوب
يدرك اليمنيون أن حكومتهم لم تكن لتعزز مواقفها السياسية والعسكرية بمعزل عن الموقف السعودي لفرض سيطرتها وتوحيد قواتها وقرارها وإزالة وإنهاء كل التشكيلات العسكرية الموازية و"المظاهر المسلحة" التي أضعفتها وظلت على مدى الأعوام الماضية، تتهدد مركزها القانوني بالتلاشي.
التعزيز السعودي للشرعية لم يأت بدوافع دون وطنية، ولكنه يأتي باعتبارها الجهة المعترف بها والمخولة قانوناً عن اليمنيين ولم يكن موجهاً ضد الجنوب "وقضيته العادلة" كما يردد وزير الدفاع السعودي الأمير خالد بن سلمان، بل يعيد لها الاعتبار بدليل تحضيرات الرياض لاحتضان حوار شامل تشارك فيه "كل المكونات الجنوبية" تحت رعايتها للتوافق على رؤية موحدة تنزع الفتيل المستمر لـ"القضية الجنوبية" وتمثيل صوت المواطنين في المحافظات الجنوبية والشرقية بإنصاف.
مواقف السعودية المعززة بجهود إنسانية وتنموية نابعة من فكرة تربط الاستقرار السياسي بتحسين الخدمات وفرص العيش لاستعادة ثقة اليمنيين في وطنهم ومؤسسات دولتهم، بعيداً من نوازع التقسيم والاحتراب وفرض الأمر الواقع بقوة السلاح.
(اندبندنت عربية)