في لحظة فارقة من تاريخ اليمن، أعلنت السعودية، الأسبوع الماضي، إطلاق أكبر حزمة دعم تنموي واقتصادي منذ اندلاع الحرب، عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، مستهدفة إعادة تحريك عجلة الخدمات الأساسية في بلد أنهكته سنوات الصراع والانقسام المؤسسي.
الإعلان الذي يشمل تنفيذ 28 مشروعاً حيوياً بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي، لا يقتصر على كونه تدخلاً تنموياً تقليدياً، بل يأتي في سياق إقليمي داخلي شديد الحساسية، يتزامن مع تحولات جيوسياسية عميقة أبرزها انسحاب دولة الإمارات من المشهد اليمني، وإعادة تشكيل موازين النفوذ داخل المحافظات الواقعة تحت إدارة الحكومة المعترف بها دولياً.
وتكتسب هذه الحزمة أهميتها من توقيتها ودلالاتها الاقتصادية، إذ تطرح في وقت يواجه فيه اليمن واحدة من أسوأ أزماته المالية والخدمية، مع انهيار شبه كامل في قطاعات الطاقة والتعليم والنقل، وتراجع القدرة المؤسسية للدولة على توفير الحد الأدنى من الخدمات العامة.
وقال الأكاديمي والخبير الاقتصادي اليمني هشام الصرمي، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن هذا الدعم يأتي في توقيت صعب للغاية بالتوازي مع دعم عسكري وأمني واضح، حيث يأتي بشكل مشاريع مستدامة بعد تعدي مرحلة الاستجابة الطارئة للاحتياجات الإنسانية، فالدعم المقدم لتنفيذ 28 مشروعاً تنموياً لامس أربعة قطاعات حيوية، إذ جرى توزيعها بحسب الصرمي على المحافظات "المحررة" الواقعة تحت إدارة الحكومة المعترف بها دولياً، مثل تعز ومأرب وليست فقط المحافظات الجنوبية.
وتؤكد السلطات السعودية أن المشاريع سيتم تنفيذها بالتنسيق مع الحكومة اليمنية والسلطات المحلية، إضافة إلى 27 مشروعاً ومبادرة تنموية حيوية جارياً تنفيذها ستسلم خلال 2026 - 2027، لتضاف إلى 240 مشروعاً ومبادرة مكتملة قدمها البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن مُنذ تأسيسه عام 2018.
ويرى المحلل الاقتصادي اليمني وفيق صالح في حديث لـ"العربي الجديد"، أن تنفيذ مثل هذه المشاريع التنموية في عدة محافظات يمنية، له أهمية كبيرة في تسهيل الحصول على الخدمات الأساسية وتحسين جودة الحياة، عبر تقديم الخدمات الأساسية وإنشاء المشاريع التنموية التي لها دور في إنعاش القطاعات الإنتاجية وتوفير فرص عمل والمساهمة في ردم فجوة التخلف الاقتصادي.
ويضيف: "بالنسبة لتوزيع المشاريع على المحافظات المحررة كونها تشهد استقراراً نسبياً، وهذا يساعد الجهات المنفذة على تأسيس المشاريع الخدمية، دون عوائق، إضافة أن هذه المحافظات تمثل الثقل الاقتصادي للبلد، حيث تضم هذه المحافظات الموانئ والمطارات والموارد النفطية التي تشكل شريان الحياة للاقتصاد اليمني بالكامل، وبالتالي توفير منظومة الخدمات وتحسين مستوى العيش للسكان، يساهم في تحقيق الاستقرار الاجتماعي، الذي تحتاج إليه البلاد لإنعاش المشاريع الاقتصادية".
عدن والمحافظات المجاورة
وفي الوقت الذي تمثل فيه عدن المتخذة عاصمة مؤقتة من قبل الحكومة المعترف بها دولياً رمزية مهمة في حزمة المشاريع بعد سنوات من التردي والانهيار على مختلف الأصعدة نتيجةً لسيطرة الفصائل المدعومة من الإمارات عليها وتسببها في تعطيل عمل الحكومة ومصادرة الجهات الإيرادية والجبايات وفرض الإمارات سياستها باتفاقيات لتنفيذ مشاريع ظلت وهمية من دون تنفيذ، بل كان لها ارتدادات عكسية مثل الاتفاقية الموقعة من قبل رئيس الحكومة السابق معين عبد الملك مع شركة اتصالات إماراتية وهمية تسمى NX وسبَّب ذلك ترديَ خدمة الاتصالات ومنع شبكات اتصالات يمنية من العمل في عدن مثل شركة الاتصالات اليمنية العمانية YOU وغيرها من التردي الذي طاول قطاعات أخرى كالطاقة والنقل.
هذا الأمر جعل عدن تحظى بأهمية بالغة في حزمة الدعم السعودية والتي ستشمل مبادرات تنموية نوعية منها استمرار تشغيل مستشفى الأمير محمد بن سلمان لمدة 3 سنوات قادمة، وإنشاء أول محطة من نوعها لتحلية المياه على مستوى اليمن، لمعالجة شح المياه العذبة والحد من استنزاف الموارد المائية، والإسهام في تحقيق الأمن المائي، إضافة إلى بدء المرحلتين الثانية والثالثة من مشروع تأهيل مطار عدن بإعادة إنشاء المدرج وتوفير أنظمة الملاحة والاتصالات، بما يسهم في الارتقاء بخدمات النقل الجوي التي تنعكس إيجاباً على تعزيز الروابط الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً عن رفع جودة الخدمات المقدمة للمسافرين وتمكين الناقلين الجويين الدوليين والمحليين من تسيير الرحلات من وإلى مطار عدن الدولي، ومشروع المقر الحكومي والمجمع الرئاسي دعمًا لمسيرة التنمية في اليمن وتمكين المؤسسات الحكومية اليمنية من أداء دورها، وإنشاء وتوسعة ورفع كفاءة الطريق البحري، بما ينعكس على الارتقاء بالتنقل داخل المحافظة، عدا عن مشاريع تنموية في أبين ولحج والضالع.
وفي هذا السياق، يقول المحلل الاقتصادي في عدن، رضوان فارع لـ"العربي الجديد" إنّ الدعم السعودي يأتي في مرحلة مهمة جداً بعد رحيل الإمارات من اليمن، وحل المجلس الانتقالي الجنوبي الذي انقلب على الشرعية اليمنية وهاجم حضرموت والمهرة، فهو الأهم من حيث الاستقرار في عدن والمحافظات الجنوبية واليمن بشكل عام، كما أنها تبعث الأمل في المحافظات التي لا تزال تحت سيطرة جماعة الحوثي.
ويوضح فارع أنّ عدن في حاجة إلى مشاريع في البنية التحتية لتوسعة الطرقات كبناء الجسور، ورفع توليد الكهرباء، وتوسعة مشروع مياه عدن، فضلاً عن مشاريع تنموية واستثمارية تنتظر التمويل وسيكون لها أثر كبير على عدن والسكان، إذ إنّ استقرار التيار الكهربائي في عدن له أثر كبير على الاقتصاد والمواطن، والذي كان يصل وقت التشغيل إلى ساعتين في اليوم في عدن.
المحافظات الشرقية من اليمن
كما تشمل المشاريع في محافظة حضرموت إعادة تأهيل ورفع كفاءة طريق العبر – سيئون، وإنشاء مستشفى حضرموت الجامعي، تعزيزًا لفرص الوصول إلى الخدمات الصحية وتلبية الاحتياج الطبي في المحافظة، ودعم جامعتي حضرموت وسيئون بإنشاء كليتين للحاسب وتقنية المعلومات، دعمًا للتعليم العالي، ومشروع تطوير المعهد التقني البيطري الزراعي.
وفي المهرة التي من المتوقع أن تشهد رفع يد الإمارات عن المشروع الموقع من قبل رئيس الحكومة السابق معين عبد الملك لتأجير ميناء قشن والذي لم يتم البدء بتنفيذه منذ توقيع الاتفاقية قبل أكثر من ثلاث سنوات، سيبدأ البرنامج السعودي تشغيل مدينة الملك سلمان الطبية والتعليمية لمدة ثلاث سنوات بعد إنجاز جميع الأعمال الإنشائية المرتبطة بها، وتنفيذ مشاريع في الطاقة في عدة مجالات متنوعة كالطاقة والنقل.
أما في سقطرى فتشمل مشاريع البرنامج إنشاء خدمات طبية، وإنشاء المعهد التقني، وكلية التربية، بما يعزز المخرجات التعليمية، إلى جانب مشاريع تعليمية أخرى تتمثل في إنشاء عدد من المدارس النموذجية وتجهيزها.
وعن ذلك، يقول نائب رئيس جامعة المهرة، عادل كرامة معيلي، وهو قيادي سياسي وأحد الوجاهات الاجتماعية البارزة في منطقة سيحوت، كبرى مناطق المهرة، في تصريح لـ"العربي الجديد"، إن محافظة المهرة في حاجة إلى الكثير من المشاريع التنموية في مجال الكهرباء والصحة والتعليم، إذ شمل الدعم السعودي تنفيذ مشاريع في الكهرباء باعتماد منحة المشتقات النفطية، وهذا ما يحتاج إليه المواطن، وكذلك في الصحة والتعليم.
يضيف أن جزءاً من هذا الدعم يشمل مشروعاً لتنفيذ كلية العلوم التطبيقية والصحية ضمن مدينة الملك سلمان الطبية والتعليمية التي ستوفر بيئة تعليمية متميزة ومحفزة لتحقيق أفضل تحصيل علمي ممكن، مشيراً إلى أن التعليم الجامعي يعد استثماراً مهماً في تأهيل الموارد البشرية و تهيئة البنية التحتية اللازمة لذلك لرفد المحافظة والوطن بالكوادر المؤهلة المتسلحة بالعلم والمعرفة، كما أنّ الدعم بشكل عام يشمل مشاريع اقتصادية وتنموية تمس حياة الناس واحتياجاتهم الخدمية والتنموية.
وفي شبوة التي سبّبت فيها الإمارات تعطيلَ أكبر مشروع اقتصادي في اليمن المتمثل بمشروع بلحاف لتصدير الغاز الطبيعي المسال بعدما حولته إلى موقع عسكري، ينفذ البرنامج السعودي مشاريع عدة لدعم القطاع الزراعي ببرنامج تعزيز سلسلة القيمة الزراعية، ومشاريع أخرى لتشغيل مستشفى شبوة، وتعزيز فرص الوصول إلى التعليم بإنشاء مدارس نموذجية.
تعز ومأرب ضمن الحزمة
سينشئ البرنامج في تعز ضمن المشاريع المعلَنة مستشفى العين الريفي مع جميع التجهيزات، إلى جانب مشروع تعزيز القدرة الكهربائية بإنشاء محطة لتوليد الكهرباء بقدرة 30 ميغاواط، وتشغيل مستشفى المخا بما يسهم في استمرار تقديم الخدمات الطبية للمستفيدين بعد مغادرة الإمارات والإعلان سحب الطاقم الطبي وتوقف العمل بالمستشفى. ويتحدث المحل الاقتصادي وفيق صالح عن أهمية إنشاء محطة للكهرباء في تعز بقدرة 30 ميغاواط، كون المدينة محرومة من التيار الكهربائي الحكومي، منذ عقد من الزمن، وهي بأمس الحاجة إلى تحسين خدمات الكهرباء، وإنعاش المشاريع الخدمية الأخرى، بما يسهم في تخفيف الأعباء والضغوط المعيشية والمالية على السكان.
وفي مأرب يبدأ البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن تنفيذ المقطع الأخير من مشروع توسعة وإعادة تأهيل طريق العبر (غويربان – المختم) بعد إنجاز المرحلتين الأولى، والثانية بطول 90كم، تعزيزاً للتنقل الآمن ودعم الحركة التجارية والاقتصادية.
يقول الصحافي والناشط الاجتماعي في مأرب خالد سعيد الحاتمي لـ"العربي الجديد"، إن مأرب تحتاج في الوقت الحالي إلى إعادة النظر في ترتيب الأولويات الخدمية للناس، ودعم رواتب الموظفين التي باتت أولوية قصوى، كون الوضع الإنساني في أصعب مراحله.
ويشير الحاتمي إلى أن الدعم قُدم باسم اليمن الكبير، خاصةً للمحافظات الجنوبية ردَّ اعتبارٍ لما حدث مؤخراً من طرد دولة الإمارات منها، ولم تنلْ محافظة مأرب منها إلا القليل، لكنها بكل الأحوال ستستفيد بشكل مباشر أو غير مباشر، لأن المشاريع المعلَنة لم تشمل مأرب بالشكل المطلوب، خاصة أنّها تؤوي ملايين النازحين، وتُعدّ أكثر المحافظات اليمنية التي استقبلت النازحين خلال فترة الحرب.
غير أن هناك بعض المشاريع مثل منحة المشتقات النفطية ستهدف إلى تشغيل محطات الكهرباء في مختلف المحافظات اليمنية، وستعود ثمرتها بشكل كبير لمحافظة مأرب، كونها هي من كانت تتحمل الأعباء وحدها لتزويد هذه المحطات بالوقود، وكان يمثل عبئاً كبيراً على المحافظة.
التبعات الاقتصادية والتنموية
يرى الاقتصادي رضوان فارع، أنّ تنفيذ المشاريع التي أُعلنت والمشاريع اللاحقة يتطلب تغيير آلية إرساء المشاريع على الشركات المنفذة في اليمن وكذلك تشديد الرقابة عليها والحد من المحسوبية والوساطة وضبط المعايير والمواصفات.
فهذا الأمر يعتمد على الجهات التي تمول المشاريع، كما تتحمل الحكومة اليمنية المسؤولية في الرقابة لمنع الفساد المألوف في تنفيذ المشاريع في اليمن، وهنا اذا تم تنفيذ المشاريع بوقتها المحدد سيكون لها أثر كبير على المواطنين في عدن وكل المحافظات، ويعكس جدية السعودية في التعامل مع الملف الاقتصادي والتنموي في اليمن والذي تعرض للعبث من قبل الفاسدين في المؤسسات الحكومية وشركات التنفيذ.
في حين يؤكد الصرمي أن المشاريع ركزت على البنى التحتية في مجال الخدمات حيث سيكون لها تبعات على المؤشرات الاقتصادية بشكل كبير، فمثلاً هناك عملة صعبة ستدخل البلاد وهو من أهم احتياجاتها في الوقت الراهن لتعزيز استقرار سعر الصرف، فضلاً عن أنّ هناك انعكاساً لهذه المشاريع سيطاول قطاع البناء والنقل وتحسين مؤشر البطالة، وكذا زيادة الطلب على السلع والخدمات في الأسواق بما ينعش الحركة التجارية، عدا عن الكثير من المؤشرات الاقتصادية بما فيها الناتج المحلي الإجمالي.
(العربي الجديد)