في ظل الصراع الدائر بين القوات السورية الحكومية وعناصر سوريا الديمقراطية (قسد) دخلت القوات العراقية في حالة تأهب قصوى تحسباً لأي طارئ من خلال تكثيف الإجراءات الأمنية على طول الحدود البالغة أكثر من 600 كيلومتر غالبيتها أراض صحراوية قاحلة مدعومة بعدد من الأسيجة الترابية والكونكريتية والخنادق.
يبدو أن هرب الآلاف من عناصر "داعش" المسجونين في سوريا من سجن الشدادي جنوب الحسكة شمال شرقي سوريا ومخاوف تسلل عناصر التنظيم عبر الحدود العراقية زاد من حدة تلك الإجراءات، خوفاً من عودة أحداث 2014 بعد تسلل الآلاف من "داعش" عبر الحدود السورية- العراقية وسيطرتهم على مساحات شاسعة قبل أن يتم طردهم نهائياً من أرض العراق عام 2017.
في خضم هذه الاستعدادات الأمنية العراقية، أجرى رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني القائد العام للقوات المسلحة، أمس الأربعاء، جولة ميدانية على القطاعات العسكرية عند الشريط الحدودي مع سوريا، فيما زار قاعدة عين الأسد الجوية في محافظة الأنبار بعد أيام من تسلمها من قبل القوات الأميركية.
الأول بتاريخ العراق
بحسب المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء، فإن القائد العام للقوات المسلحة أكد أن هذه الزيارة هي للاطلاع بشكل ميداني على استحضارات تلك التشكيلات الأمنية.
ووجه السوداني الوزارات والجهات المعنية، ولا سيما وزارة الداخلية/ قيادة قوات الحدود، بتنفيذ "الساتر الأمني" وفق تحصينات وصفها بأنها "تحصل للمرة الأولى في تاريخ العراق".
وأكد أن "العراق اليوم يمتلك خط صد مميزاً بإجراءات استثنائية عملت عليه وزارة الداخلية طيلة الفترة الماضية، ويمثل واحداً من أهم الإجراءات لمنع تسلل الإرهابيين وحفظ حدودنا الدولية الرسمية.
حدودنا مؤمنة ولسنا قلقين
بدوره، أكد وزير الداخلية العراقي عبد الأمير الشمري أن الحدود العراقية مع سوريا مؤمنة بالكامل، وأشار إلى أن أي محاولة للتسلل عبر الحدود ستواجه بفتح النار.
وقال الشمري في تصريحات صحافية "نترقب ونتابع يومياً ما يجري في سوريا وتوقعنا هذه الأحداث قبل 3 سنوات، وأجرينا تحصينات على الحدود الدولية وبالخصوص مع سوريا، كذلك أجرينا حفر خندق شقي بمساحة 620 كلم على طول الحدود".
وأضاف "لدينا كاميرات حرارية تعمل ليلاً ونهاراً في النقاط الحدودية"، مؤكداً أن "أي اقتراب من الحدود العراقية سيواجه بفتح النار".
وأوضح وزير الداخلية أن "قطعاتنا على الحدود كافية وجميعها مسلحة بالعدة والعدد"، مبيناً "لدينا قطعات احتياط جاهزة للتدخل لأي أمر طارئ". وأشار إلى أن "جميع الجهود الأمنية على الحدود العراقية مسنودة بطيران الجيش والقوة الجوية، وحدودنا العراقية مؤمنة بالكامل ولسنا قلقين".
وكإجراء تطميني للجانب العراقي أعلنت الولايات المتحدة، اليوم الأربعاء، بدء نقل ما يصل إلى سبعة آلاف معتقل من تنظيم "داعش" من سوريا إلى العراق المجاور، للحيلولة دون فرارهم، غداة تأكيدها أن دور "قوات سوريا الديمقراطية" التي احتجزتهم، سنوات، قد انتهى مع تقدم الجيش السوري في الميدان.
وفي مرحلة أولى، تم نقل 150 معتقلاً من سجن في الحسكة (شمال شرقي) إلى العراق ومن المتوقع نقل ما يصل إلى 7000 معتقل من داعش من سوريا إلى مرافق خاضعة للسيطرة العراقية".
ويجمع متابعون للشأن الأمني والسياسي على أهمية تلك التحضيرات واستبعادهم تكرار سيناريو عام 2014.
أطواق أمنية متعددة
قال المستشار العسكري السابق صفاء الأعسم إن الحدود العراقية السورية محاطة بعدد من الأطواق الأمنية وبعدد من العوائق. وأضاف أن "الحدود العراقية- السورية تمتد لمسافة 618 كيلومتراً وعلى طول الحدود هناك خنادق بعرض 4 أمتار مع سواتر ترابية وأسلاك شائكة على طول الحدود، إضافة إلى الخرسانة الكونكريتية".
وأشار الأعسم إلى وجود طائرات مسيرة تراقب الحدود إضافة إلى كاميرات مراقبة ليلية ونهارية وهناك مقر لقيادة العمليات داخل وزاره الدفاع في بغداد على مدى 24 ساعة لمراقبة الحدود، لافتاً إلى وجود أربع خطوط أمنية من حرس الحدود والمؤسسة العسكرية العراقية وقيادات العمليات وهيئة الحشد الشعبي.
ولفت إلى أن "مخاوفنا تتمثل بعائلات داعش الذين تسلمهم العراق إلا أن وضعهم تحت أعيننا في معسكرات سيكون أفضل للعراق".
التكنولوجيا الحديثة في رصد الحدود
دعا مدير المركز الجمهوري للدراسات الأمنية والاستراتيجية معتز محيي عبد الحميد إلى ضرورة اتباع الأجهزة الأمنية العراقية الطرق التكنولوجية الحديثة في عملية مراقبة الحدود بدل الجهد البشري.
وأضاف عبد الحميد "يجب اتباع الطرق الحديثة في حماية الحدود مثل الأبراج المحصنة وأجهزة التصوير الليلي، كما يجري في بعض الدول مثل تركيا من خلال الاعتماد على الأسلحة الآلية التي تتحسس الحركة مع وضع أجهزة تحسس الحركة من دون الاعتماد بالكامل على العنصر البشري".
وأشار إلى صعوبة مراقبة الحدود بشكل كامل التي تصل إلى 600 كيلومتر وتضم تضاريس مختلفة بين قرى وأرياف متداخلة بين الجانبين العراقي والسوري، فضلاً عن انسحاب القوات الأميركية من قاعدة عين الأسد الواقعة في الأنبار مما يعني أن مسؤولية توفير الأمن ومكافحة "داعش" في المنطقة بات يقع على عاتق العراقيين وقد يستعين العراق بالخبرة الأميركية بالجانب الاستخباري".
يرى عبد الحميد أن المخاوف العراقية هي طبيعية ومشروعة خوفاً من عودة عناصر "داعش" مجدداً خصوصاً في محافظة الأنبار، مستغلة بذلك الصحاري الواسعة في المحافظة وبعض الوديان والكهوف للاختباء والقيام بأعمال إرهابية على الأرض العراقية بين الحين والآخر، لا سيما أنه لا توجد معسكرات ثابتة كما كان عليه في زمن النظام السابق، وإنما اعتمدت خلال السنوات الماضية على مبدأ الكر والفر في الصحراء وجبال مكحول وحمرين وجنوب كركوك.
لا تكرار لسيناريو 2014
يرى أستاذ العلوم السياسية بالجامعة المستنصرية عصام الفيلي أن الظروف الأمنية والسياسية والشعبية بالعراق جميعها تشير إلى صعوبة تكرار سيناريو 2014.
وأضاف الفيلي أن "العراق في عام 2014 كان غير مهيأ لمواجهة داعش، إذ كانت الظروف الداخلية آنذاك غير مستقرة وليس لديه جيش قوي بعكس اليوم الذي لديه ما يقارب مليون و200 ألف شخص، إضافة إلى أن الحدود كانت مستباحة بعكس اليوم عبر تأمين الحدود بسياج كونكريتي، إضافة إلى انتشار القطعات العسكرية العراقية على طول الحدود".
وأكد أن الولايات المتحدة الأميركية أطفأت المخاوف العراقية حينما أعلنت أنها ستنقل 7000 من تنظيم داعش إلى أرض العراق سيودعون في السجون العراقية وقد يسجنون في سجون الإقليم.
رسائل عراقية
استبعد تكرار سيناريو 2014 إذ إن العراق يحرص على أن لا يتكرر هذا السيناريو والتجربة الأولى التي حصلت بدخول عناصر "داعش" في عام 2014 دخلوا على حين غرة.
وخلص الفيلي بالقول إن رسالة بغداد من التحشيد العسكري هو أنها تريد أن تؤكد بأنها ما زالت قوية في رسالة إلى الأطراف الأخرى، فضلاً على أن هناك تكاتفاً من الشعب العراقي كله ضد أي محاولات لـ"داعش"، إذ إنه لا توجد حواضن للتنظيم في العراق.
(اندبندنت عربية)