27 يناير 2026
27 يناير 2026
يمن فريدم-توفيق الشنواح


تتكشف حقائق السجون السرية التي تم الإعلان عنها أخيراً بمحافظة حضرموت لتضيف لمشاهد الألم اليمني مآسي أخرى، مفصحة عن جور مريع كان يلف هذه المنطقة الوديعة بقبضات أحسنت الإمساك بالحديد والسياط الكهربائية والنار.

وعقب الكشف عن طبيعة حلقات التعذيب الجماعي والفردي الذي يتجرعه مئات المعتقلين اليمنيين في المحافظة التي ظلت بعيدة من الوجود الحوثي والعمليات العسكرية بخلاف بقية المناطق اليمنية، ها هي شهادات أخرى تتحدث عن وجود مقابر مجهولة لضحايا تلك السجون، محاولة مداراة أجسادهم المثقبة بالأسى عن أعين الحقيقة التي لم تحتج سوى أقل من 10 سنوات حتى تجلت واضحة كلون بحر العرب في شواطئ المكلا.

من بين ركام الأسى، تظهر عضو اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، القاضي إشراق المقطري، بوجه غاضب متألم لجور "الشهادات التي وثقناها للضحايا وما تضمنته من قصص مروعة ومفزعة ليس بها مبرر".

لكن الصادم للمقطري وفريقها تلقيهم بلاغات تفيد بوجود مقابر جماعية لضحايا معتقلين جرى قتلهم تحت التعذيب في سجون محافظة حضرموت، وهو ما سيعني، إن صحت المعلومات، فتح فصول جديدة في شكل وخلفيات القضية اليمنية ضد منفذيها ومن يقف خلفها.

من ضمن القرائن التي "أدلى بها الضحايا الذين قابلناهم تأكيدهم وفاة بعض المحتجزين نتيجة التعذيب"، مع شهادات جماعية أكدت "اختفاء بعض من يتعرضون بصورة متكررة للتعذيب، إذ لا يعود بعضهم إلى زنزانته، مما يرجح فرضية قتلهم والتخلص من الجثث في مقابر مجهولة"، تستدرك "هذه لا تزال معلومات أولية نعمل على التحقق منها قانونياً وكشفها للرأي العام".

التحري والتنقيب

في جانب الدور الرسمي تجاه تلك الاتهامات والتعامل معها، تشير المقطري إلى توثيق البلاغات وشهادات الضحايا على أن تحال لجهات الاختصاص الأمني التي ستتعامل معها بجدية واهتمام، وفقاً للقوانين والتفاهم مع جهات الاختصاص في شأن عمليات البحث والتحري واكتشاف تلك المقابر.

ولم ترد معلومات لديهم عما إذا كانت عمليات التصفيات والدفن تتم بشكل انفرادي أو جماعي "ولكن بعض المعتقلين رجحوا وجودها قرب مطار الريان".

بمشاركة اللجنة الوطنية حضر فريق حقوقي وصحافي من اليمن والسعودية والأمم المتحدة والمنظمات الإنسانية، إلى حضرموت للوقوف على حجم الانتهاكات الإنسانية التي كشفتها المعتقلات الرهيبة والسجون السرية التي أنشأتها دولة الإمارات وذراعها المحلية ممثلة بالمجلس الانتقالي المنحل، أكدت أنهم وقفوا خلال جلسات الاستماع أكثر من 110 ملفات لضحايا تلك المعتقلات.

صدمة وذهول

ضمن شهاداتهم للفرق الصحافية والحقوقية التي زارت حضرموت أخيراً بحضور موفد "اندبندنت عربية"، قال محتجزون إن نحو 60 رجلاً كان يتم احتجازهم وحشرهم في الحاوية الحديدية الواحدة.

وبالاقتراب لكشف ما حوته تلك الملفات الدامية، لم تخف المقطري حال "صدمتنا وذهولنا لشهادات الضحايا جميعهم بلا استثناء، إذ لا يخلو ملف من حدوث انتهاكات تتلخص في تلقي التعذيب القاسي الممتد أحياناً أعواماً طويلة بلا سبب قانوني ولا إنساني ولا أخلاقي"، تتضمن عمليات التعذيب الموثقة "استخدام أدوات عدة منها الحادة التي لاحظنا آثارها والتشوهات والجراح الغائرة التي ما زالت طرية غضة على أجساد الضحايا".

في المناطق التناسلية

عن كيفية الاعتقال أفادت الشهادات بأنها تمت من الطرقات والمنازل وأماكن العمل"، كما أشار الضحايا إلى "احتجازهم فترات طويلة مع حرمانهم من الغذاء إذ كانت تقدم وجبة واحدة فقط يومياً في بعض الحالات، مع تقييد استخدام دورات المياه وتهديدهم بالقتل"، وأكد بعض الضحايا أن التعذيب ترك آثاراً نفسية وجسدية أثرت في صحتهم النفسية والتناسلية وحرمتهم وفقاً لإفادات طبية من قدرتهم على الإنجاب".

إضافة إلى صنوف شتى من "المعاملة المهينة كالسب والشتم، أشدها بشاعة محاولات الابتزاز والعنف الجنسي، فضلاً عن الضرب المباشر باستخدام العصي وتمديد المحتجز على الأرض وركله والقفز من فوقه، وأنواع من التعذيب الجسدي الذي يمتد فترات زمنية طويلة تهدف في مجملها إلى انتزاع اعترافات تحت الإذلال والألم المبرح".

بلد بلا دولة

في صورة تكشف حال ضعف وهشاشة التي تشهده أجهزة الضبط وإنفاذ القانون الرسمية جراء تلاشي فاعلية الدولة المعترف بها وتنامي سطوة قوى ما دون الدولة، تقول إن اللجنة "سبق وأصدرت 13 تقريراً تناولت فيها قضايا اعتقال تعسفي وإخفاء قسري في محافظات عدة منها تعز ومأرب والحديدة وعدن"، وقد أُحيلت مذكرات رسمية إلى الجهات المعنية، إلا أن الردود "لم تكن بمستوى الجدية المطلوبة".

بالمقارنة مع تقارير دولية، أشار بيان صادر عام 2018 إلى وجود مئات مراكز الاحتجاز التابعة لمختلف أطراف النزاع خلال الفترة من 2014 إلى 2018، مع اختلاف الأرقام بين الجهات المسيطرة، وهو ما يشير إلى اتساع نطاق الانتهاكات بلا حسيب أو رقيب في بلد تقطعت أوصال قراره الضبطي والقانوني.

ومع ما بعثه استعادة الدولة مؤسساتها في حضرموت من أمل في نفوس اليمنيين، تؤكد المقطري أنهم مستمرون في عمل اللجنة في استقبال البلاغات والتحقق منها، تمهيداً لإصدار بيان تفصيلي لاحق يتضمن نتائج أكثر شمولاً، تضع فيه الرأي العام المحلي والدولي أمام حجم تلك الانتهاكات المروعة ومن يقف خلفها وأسبابها.

معلمون في "القاعدة"

من وسط هذه الممارسات يبرز السؤال عن أسبابها وخلفيات ضحاياها، تكشف ناطق اللجنة الوطنية عن اعتقال بعضهم "لمجرد انتمائه لحزب سياسي كالإصلاح ذي المرجعية الإسلامية، أو أناس عاديين جرى اتهامهم بالعمل لصالح تنظيم القاعدة".

ولكن جلسات الاستماع كشفت لإشراق وفريقها الحقوقي "اعتقال أصحاب مهن مدنية عادية بينهم معلمون وصيادون وسائقون وأصحاب محال تجارية ينحدرون من مختلف مديريات المكلا والشحر وغيل بوزير وغيرها تضمنت شهادات صادمة".

بالنظر إلى الاتهام المتكرر للمعتقلين بالانتماء لتنظيم "القاعدة"، يُفهم إصرار "الانتقالي" المتكرر على تصديه للإرهاب في حضرموت وبقية المحافظات الخاضعة لسيطرته، وهي مهمة ليس مخولاً بها باعتباره فصيلاً مسلحاً، لكن مراقبين عدوها مزايدة سياسية يسعى إلى التكسب من خلالها لدى المجتمع الدولي، بتقديم نفسه حارساً على أمن العالم لكسب تعاطف مستقبلي ضمن مساعيه الرامية إلى السيطرة على جنوب البلاد، بعد إنهاء مسعاه المتمثل في فصله عن شمال اليمن.

النفوذ.. خوف يستبد بالبقية

وعلى رغم حال الاستتباب والسيطرة التي فرضتها أجهزة الدولة العسكرية والأمنية في حضرموت، فما زال جور القمع والخوف كابوساً يؤرق بقية الضحايا الذين رفضوا الإدلاء بشهاداتهم خشية إعادتهم إلى تلك المعتقلات.

وتكشف عن أن بعض السجناء السابقين سجلوا شهاداتهم عبر الهاتف على رغم طلب مقابلتهم لتوثيق الملفات الخاصة بهم، إلا أنهم رفضوا وأرجعوا السبب إلى "بقاء نفوذ الإمارات داخل حضرموت"، وتوضح أنهم سجلوا 32 ضحية، أبلغونا "بعدم استطاعتهم التوثيق والحضور وتجهيز ملفات حتى يشعروا ويسمعوا ويروا بأنهم أصبحوا في أمان من كل الجنود الذين كانوا متعاونين وشاركوا بالتعذيب بإشراف شخصيات عسكرية أمنية إماراتية في المكلا"، وتخلص إلى أن ما وجدوه "لا إنساني وغير طبيعي ولا يمكن فهم أسبابه ودوافعه، إذ لم يكن مجرد تقييد حرية أشخاص ولكن جرى تعذيبهم بشكل قاسٍ وغير متوقع وفي بلد غير بلدك".

(اندبندنت عربية)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI