15 فبراير 2026
15 فبراير 2026
يمن فريدم-سعيد طانيوس
فرانس برس


يوم السادس من فبراير/ شباط الجاري انتهى رسمياً سريان معاهدة الحد من الأسلحة النووية الأخيرة بين روسيا والولايات المتحدة (معاهدة "ستارت" الجديدة). منذ تلك اللحظة، دخل العالم فترة من عدم اليقين، تتميز بغياب القيود القانونية على عدد الرؤوس الحربية النووية ووسائل إيصالها لأكبر قوتين نوويتين.

وبانتهاء سريان هذه المعاهدة صار وضع الأسلحة النووية في العالم غامضاً وانعدمت الرقابة عليه وغابت عنه الشفافية التي كانت تضمنها هذه المعاهدة. وبذلك انتهت أيضاً عملياً ونظرياً عمليات التفتيش التي نص عليها الاتفاق، وتوقفت آليات الرقابة المتبادلة وتبادل البيانات، لأنها بكل بساطة لم تعد سارية المفعول الآن على الإطلاق.

بعد انقضاء آجال هذه المعاهدة وعدم التوصل إلى معاهدة جديدة، صار التسلح النووي محكوماً بعدم اليقين في شأن حجم وفاعلية ترسانة الأسلحة النووية الاستراتيجية والتكتيكية أيضاً، لأنه من دون إخطارات إلزامية، سيكون من الصعب على أطراف هذه المعاهدة تقييم الحالة الفعلية للقوات النووية للطرف الآخر، مما يزيد من خطر سوء التقدير والتصعيد العرضي.

خطر سباق تسلح جديد

بعد انتهاء معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (معاهدة ستارت الجديدة)، يدخل العالم مرحلة من عدم اليقين الاستراتيجي الشديد، وقد يؤدي غياب القيود القانونية إلى نمو الترسانات النووية وغياب الشفافية، وتوقف تبادل البيانات، وتصاعد سباق التسلح.

ويمكن لكل من الولايات المتحدة وروسيا أن تبدأ في زيادة عدد الرؤوس الحربية ووسائل الإيصال بما يتجاوز الحدود التي كان مسموحاً بها بموجب المعاهدة، مما سيخلق أخطار جديدة.

فبانقضاء آجال المعاهدة لم يعد الحد الأقصى لعدد الرؤوس الحربية المنتشرة البالغ 1550 رأساً و700 وسيلة إيصال سارياً، إذ إنه بانتهاء سريان هذه المعاهدة رفعت تلقائياً القيود على التسلح النووي، وهذا يمهد الطريق لتعزيز وتوسيع حجم وفاعلية القدرات النووية.

ويصف الخبراء عام 2026 بأنه "أخطر عام منذ عقود" نظراً إلى الانهيار شبه التام لمنظومة الردع النووي التي بنيت منذ سبعينيات القرن الماضي. ويبقى التحدي الرئيس هو إنشاء إطار عمل جديد متعدد الأطراف للردع النووي يأخذ في الحسبان التقنيات الحديثة، الصواريخ فرط الصوتية، والذكاء الاصطناعي، والقدرات النووية المتنامية ليس فقط للصين، بل ولجميع الدول النووية وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا والهند وباكستان وإسرائيل وكوريا الشمالية، فضلاً عن روسيا والولايات المتحدة.

يتجه العالم نحو تعددية قطبية، حيث يصبح الحد من التسلح أكثر تعقيداً بسبب تغيير الهيكل الأمني والحاجة إلى مراعاة الإمكانات النووية للدول الأخرى غير روسيا والولايات المتحدة.

وعلى رغم إعراب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب عن اهتمامه بالتوصل إلى اتفاق جديد يصفه بأنه "أفضل"، لكن لم يتم تحديد المعايير المحددة بعد، ولم يطرح أي مبادرة للنقاش والبحث حتى اليوم، مع العلم أن مسؤولين روساً، بمن فيهم سفير موسكو لدى الأمم المتحدة فاسيلي نيبينزيا، ورئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الروسية سيرغي ناريشكين، أعلنوا على الملأ أن بلادهم تخطط للتصرف "بمسؤولية" حتى بعد انتهاء معاهدة "ستارت" الجديدة.

والأمر اللافت أنه على رغم انتهاء صلاحية المعاهدة في السادس من فبراير عام 2026، اتفق الطرفان الروسي والأمريكي على إعادة فتح قناة الاتصال بين إدارات الدفاع لمنع وقوع حوادث خطرة لا يمكن التنبؤ بها. لذلك لا يزال الجانبان، على رغم الشكاوى المتبادلة، ملتزمين بالقيود ولو نظرياً في الأقل، لكن مستقبل الحد من الأسلحة النووية لا يزال غير مؤكد.

تشاؤم روسي

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اعتبر في مقابلة تلفزيونية في الـ10 من فبراير، أن انتهاء معاهدة الحد من الأسلحة الاستراتيجية (ستارت) يظهر بجلاء أن الحلفاء الرئيسين لروسيا هم الجيش والبحرية والقوات الجوية.

وأضاف "نحن واثقون من حال أنظمتنا هذه، ونحن على ثقة تامة بأن هذا سيضمن أمننا بصورة موثوقة تماماً"، وأشار إلى أن خصوم روسيا يدركون أنهم إذا حاولوا القيام بأي أعمال عدوانية أو تقويض سيادة روسيا، فقد يتلقون رداً غير مقبول على الإطلاق، مؤكداً أن "هذه هي أسس الردع النووي، والتي كانت موجودة دائماً".

وكشف لافروف عن أن "المعاهدة لم تكن سارية المفعول خلال السنوات الثلاث الماضية"، وأن روسيا لا تتوقع أي رد فعل أمريكي إضافي على اقتراح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالإبقاء على القيود بموجب معاهدة الأسلحة الهجومية الاستراتيجية.

وعندما سئل لافروف عما إذا كان هناك رد من الولايات المتحدة، أجاب "لا، لكن الأمر معروف. لقد تحدثنا علناً"، وأضاف "ولن يكون هناك رد آخر".

وتابع وزير الخارجية الروسية أن موسكو "ستراقب من كثب كيف يتصرف الجانب الأمريكي الآن، بعد الغياب الرسمي لأي قيود. وفي الوقت نفسه، ستتعامل مع هذا الوضع بمسؤولية كاملة ولن تكون أول من يتخذ خطوات نحو التصعيد".

وقال أيضاً "ماذا سيفعل الأمريكيون؟ لقد وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب هذه المعاهدة بأنها سيئة، وقال إنه تم انتهاكها. ما هي الانتهاكات التي رآها من الجانب الروسي؟ لا أعلم. ونحن كانت لدينا تساؤلات جدية حول مدى التزام الأمريكيين بمتطلبات المعاهدة، وهو ما لم يجب عليه الأمريكيون".

وأشار لافروف إلى أن السياسة الأمريكية المعادية لروسيا ما زالت قائمة، "إذ إن الخطوات العملية التي اتخذتها الولايات المتحدة في الاتجاه الروسي خلال العام الماضي تظهر أن الطرفين يسيران في الاتجاه الخاطئ، لقد كان ترمب على اتصال بجميع الدول التي تشتري النفط والغاز من روسيا، إنه يريد السيطرة على سوق الطاقة على نطاق عالمي".

ولفت لافروف إلى أن موقع روسيا الرائد في قطاع الطاقة النووية يمثل تحدياً للولايات المتحدة، وهو ما يسعى الأميركيون إلى تغييره، وأعرب عن قناعته بأن العلاقات الدولية تشهد حقبة جديدة من التغيير السريع والعميق، قد تستغرق سنوات، بل عقوداً من الزمن، وأن الاتجاه السائد نحو ظهور نظام متعدد الأقطاب أكثر عدلاً واستدامة "سيصاحبه صراع بين الزعماء القدامى والسابقين المتمركزين في الغرب، ومراكز التنمية الجديدة والنامية التي تمثل الغالبية العالمية".

"الناتو" والمظلة النووية الأمريكية

وقال الأمين العام لحلف "الناتو" مارك روته، قبيل اجتماع وزراء دفاع دول الحلف في الـ12 من فبراير، إن الولايات المتحدة ستحافظ على وجود عسكري نووي وتقليدي قوي في أوروبا على المدى الطويل، وأضاف روته "الولايات المتحدة هي أقوى دولة في العالم، ويجب عليها أن تأخذ في الاعتبار في الوقت نفسه مسارح عدة: حلف (الناتو)، والنصف الغربي من الكرة الأرضية، ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ"، وحذر روته من النمو السريع في القوة العسكرية الصينية.

وقال "تتولى أوروبا تدريجاً مسؤولية أكبر، مما يعني أن الولايات المتحدة ستحول تركيزها في نهاية المطاف إلى منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وهذا أمر مفهوم ومقبول، وليس بجديد. وفي الوقت نفسه، سيظل الوجود العسكري الأميركي القوي في أوروبا قائماً على المدى البعيد، ليس فقط النووي منه، بل والتقليدي أيضاً".

في وقت سابق، قال المندوب الأمريكي لدى "الناتو" ماثيو ويتاكر إن واشنطن تتوقع في نهاية المطاف أن تترك لأوروبا مظلة نووية فحسب، بينما يتعين على الدول الأوروبية تولي مسؤولية الدفاع التقليدي.

ونقلت صحيفة "بوليتيكو" عن مسؤولين أمريكيين وآخرين في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، أن الولايات المتحدة توضح لحلفائها الأوروبيين أنها لا تخطط لخفض كبير في وجودها العسكري في أوروبا في المستقبل القريب، وأن أي تغييرات قد تجريها ستكون محدودة.

سيناريوهات مختلفة

الخطر الرئيس لانتهاء معاهدة "ستارت" الجديدة يكمن في صعوبة استئناف المفاوضات في شأن اتفاقية لاحقة. فقد غابت الشفافية والقدرة على التنبؤ المرتبطتين بآليات التحقق، وسنفقد تدريجاً القدرة على تتبع نقاط قوة كل طرف. كانت المعاهدات السابقة بمثابة معايير تبنى عليها الاتفاقات الجديدة، أما الآن فستصبح هذه المعايير من الماضي.

في ظل المعاهدة المنتهية السريان، كان هناك فهم واضح لمدى استدامة الاستقرار الاستراتيجي، مدعوم بنماذج وحسابات دقيقة للغاية وتقييمات فنية، ومن دون المعاهدة، سيتلاشى هذا الفهم، وسنجد أنفسنا في حال من عدم اليقين الشديد، ومثل هذه الحالة خطرة دائماً، ولقد نشأ وضع مماثل عام 1962، خلال أزمة الصواريخ الكوبية، التي كادت تجر العالم إلى حرب نووية، وقد تواجه البشرية هذا الوضع مجدداً، بخاصة أن عدد الأطراف الآن ليس اثنين فحسب، بل أكثر بكثير.

تضارب آراء الخبراء

قال رئيس مركز الأمن الدولي في معهد إدارة الاقتصاد والإدارة التابع لأكاديمية العلوم الروسية، والأكاديمي في أكاديمية العلوم الروسية أليكسي أرباتوف "بعد انتهاء المعاهدة، سيكون نشر رؤوس حربية إضافية على حاملات الطائرات الخيار الأقل كلفة. وإذا بادرت الولايات المتحدة لذلك، فستحذو روسيا حذوها بالتأكيد. تختلف قدرات البلدين في مجال نشر الرؤوس الحربية: فعندما يتعلق الأمر بإعادة الرؤوس الحربية من المخازن إلى الصواريخ وتحميل الطائرات بصواريخ كروز، تتمتع الولايات المتحدة بالأفضلية. لن يؤدي هذا إلى حرب نووية، ولكنه سيغير ميزان القوى في التوازن الاستراتيجي. سيستغرق تطبيق الأنظمة الجديدة سنوات، وخلال هذه السنوات، قد تفقد الدول النووية تماماً القدرة على تتبع التوازن وكيفية تنظيمه".

وتابع "الآن، إضافة إلى بدء المشاورات حول إمكان استئناف المفاوضات في شأن الاستقرار الاستراتيجي، يجب على روسيا الاستعداد لمؤتمر استعراض معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية القادم الذي يعقد كل خمس سنوات، من الأهمية بمكان أن نجد أرضية مشتركة مع الأمريكيين حتى نتمكن، إلى جانب القوى النووية الثلاث الأخرى، المملكة المتحدة والصين وفرنسا، من اعتماد بيان مشترك يؤكد التزامنا بخفض التسلح النووي، ووقف التجارب النووية المتفجرة، وعدم نشر الأسلحة النووية في الفضاء الخارجي، فضلاً عن عديد من التدابير الأخرى في هذا المجال. يمكن تقديم عديد من المبادرات التي من شأنها أن تمنع فشل المؤتمر القادم. فشل المؤتمران السابقان لعدم تمكنهما من اعتماد وثيقة ختامية. إذا فشل هذا المؤتمر، فسيبدأ نظام الحد من التسلح النووي بالتفكك، وهو أمر لا يقل خطورة عن فقدان قنوات التفاوض في شأن الاستقرار الاستراتيجي".

لا تحسن ولا تدهور فوريًا

أما الباحث الأول في معهد الأمم المتحدة لبحوث نزع السلاح في جنيف بافيل بودفيغ فقال "بالطبع، لن يؤدي انتهاء المعاهدة إلى تحسن الوضع الأمني. وفي الوقت نفسه، يجب إدراك أن التدهور الفوري لن يحدث. فالتدهور الذي كان من الممكن أن يحدث قد حدث بالفعل إلى حد كبير، وانتهاء المعاهدة ليس إلا عرضاً لهذا التدهور، وليس نتيجة له".

من المهم التذكير بأن قدرات جميع الأطراف (بما فيها الصين) على زيادة قواتها النووية بصورة ملحوظة محدودة للغاية، ويمكن القيام بسرعة نسبية بإعادة الرؤوس الحربية التي كانت في الاحتياط إلى حاملاتها. بإمكان الولايات المتحدة مضاعفة عدد الرؤوس الحربية المنتشرة تقريباً خلال عام أو عامين، بينما تستطيع روسيا زيادة هذا العدد بنحو 50%، مع ذلك، من غير المرجح أن تتحقق هذه الزيادة بسرعة أو بصورة كاملة.

من المتوقع ألا تفرض الولايات المتحدة أي قيود إضافية بعد انتهاء المعاهدة. مع ذلك، من غير المرجح أن تعلن أي خطط محددة لزيادة ترسانتها. في سبتمبر/ أيلول اقترحت روسيا الالتزام بحدود المعاهدة لمدة عام في الأقل. ومن المرجح أن يتم تأكيد هذا التوجه بغض النظر عن موقف الولايات المتحدة، كما يحتمل تمديد هذه المبادرة، لكن كثيراً يتوقف على تطور الوضع السياسي والعلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا.

أما في ما يتعلق بالإجراءات المحددة حالياً، فيمكن للولايات المتحدة أن تعلن قبولها مبادرة روسيا واستعدادها للالتزام بالقيود الكمية المنصوص عليها في المعاهدة. مبدئياً، سيكون هذا لمدة عام، ولكن بعد انقضاء العام، سيصبح التخلي عن هذه الالتزامات أكثر صعوبة مما هو عليه اليوم، بالتالي يمكن تمديد الاتفاقية، إلا أن احتمال قيام الولايات المتحدة بمثل هذه الخطوة ضئيلة للغاية، ويرجع ذلك أساساً إلى اقتناعها بضرورة زيادة ترسانتها لمواجهة كل من روسيا والصين معاً، علاوة على ذلك، تشير الولايات المتحدة إلى استحالة التحقق من الامتثال، وهذا أمر منطقي تماماً، ولكن من الناحية المثالية، يمكن للولايات المتحدة وروسيا استئناف تبادل البيانات. هذه الخطوة ممكنة تماماً، وهي، من الناحية الفنية، غير مطلوبة بموجب المعاهدة (على عكس عمليات التفتيش، على سبيل المثال). من حيث المبدأ، سيكون استئناف تبادل البيانات خطوة إيجابية، حتى لو استمر الطرفان في زيادة ترسانتيهما.

انهيار الثقة والشفافية بين موسكو وواشنطن

الباحثة الأولى في برنامج أسلحة الدمار الشامل بمعهد "ستوكهولم" الدولي لأبحاث السلام تيتي إيراستو اعتبرت أنه إضافة إلى استثناء الترسانات النووية الروسية والأمريكية الضخمة من قيود المعاهدة على نشر الرؤوس الحربية النووية، فإن انتهاء معاهدة "ستارت" الجديدة يعني فقدان الشفافية والقنوات التي عززت الثقة بين البلدين، "وعلى المدى البعيد، قد يؤدي ذلك إلى تفاقم انعدام الثقة المتبادل وسباق التسلح، مما يعزز موقف المتشددين في كلا البلدين، وربما يؤدي إلى مزيد من التراكم النووي".

وأضافت "ينبغي لروسيا والولايات المتحدة الآن إضفاء الطابع الرسمي على اتفاقية الالتزام بقيود معاهدة ستارت الجديدة، واقترح فلاديمير بوتين في سبتمبر عام 2025، كما ينبغي لهما السعي إلى تجديد اتفاقية ثنائية للحد من التسلح بموجب معاهدة جديدة تشمل الأسلحة النووية والأنظمة الاستراتيجية التقليدية، ولا سيما أنظمة الدفاع الصاروخي، إلا أن هذا الأمر يصعب تصوره عملياً، إذ لم يتوصل الطرفان إلى اتفاق في شأن هذه المسألة طوال السنوات الـ 25 الماضية"، بالتالي، فإن "السيناريو الأكثر ترجيحاً هو استمرار الجمود في مجال الحد من التسلح، ما يستلزم بذل جهود إضافية للحد من الأخطار وبناء الثقة خارج إطار المعاهدات التقليدية".

معاهدة "ستارت" رمزية أكثر منها عملية

الباحث الأول في مركز "فيينا" لنزع السلاح وعدم الانتشار نيكولاي سوكوف قال إن "المعاهدة لا تحمل سوى أهمية رمزية، فهدفها الأساس هو ضمان شفافية الترسانات الاستراتيجية، وهو أمر فقد منذ زمن، وكان من المفترض أن تكون القيود الكمية والنوعية موضوع معاهدة أوسع نطاقاً، لم تبدأ مفاوضاتها بعد، علاوة على ذلك، تطور روسيا أسلحة لا تشملها المعاهدة، مثل صاروخي بوريفستنيك وبوسيدون، وتدرس الولايات المتحدة تعزيز ترسانتها الاستراتيجية بصورة كبيرة رداً على نمو الترسانة الصينية، ولن تمنع معاهدة ستارت الجديدة أياً من ذلك"، ومع ذلك تابع قائلاً "لكن للرمزية أهمية بالغة أيضاً، فللمرة الأولى منذ عام 1969، لن تعيش الولايات المتحدة وروسيا من دون معاهدة فحسب (وقد حدث هذا من قبل)، بل حتى من دون مفاوضات، وهذا أمر خطر. من المتوقع حدوث فضيحة كبرى في مؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وكما أرى، فهذه هي الحجة الرئيسة المؤيدة لقبول المقترح الروسي بالالتزام غير الرسمي بالحدود".

دعوة إلى التفاوض

واعتبر سوكوف أنه ينبغي بدء المفاوضات في شأن وثيقة جديدة في أقرب وقت ممكن، "ويفضل قبل مؤتمر معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، تكمن المشكلة في أن ترمب لم يبد أي اهتمام بهذا الأمر، وهناك معارضة شديدة داخل الحكومة الأميركية لفكرة الحد من التسلح من الأساس، علاوة على ذلك، إذا بدأت المفاوضات، فستكون صعبة ومستهلكة للوقت، وسيستغرق التوصل إلى معاهدة جديدة وقتاً طويلاً، وهذا يطرح تحدياً أكثر إلحاحاً: تدابير الحد من الأخطار، فالتدابير القائمة حالياً (مثل الإخطارات المسبقة بين روسيا والولايات المتحدة في شأن إطلاق الصواريخ الاستراتيجية) جيدة، لكنها محدودة للغاية. ومنذ إبرام معاهدة ستارت الجديدة، ظهرت أسلحة جديدة، تقليدية، ومزدوجة الاستخدام، لذا يجب توسيع نطاق هذه التدابير وتعميقها بصورة كبيرة، وهناك آفاق واعدة لذلك، ففي نهاية المطاف، يمكن الاتفاق على تدابير الحد من الأخطار بسرعة أكبر بكثير من تدابير الحد من التسلح".

وختم سوكوف "يتمثل التحدي الرئيس في المستقبل القريب بحال عدم اليقين وعدم القدرة على التنبؤ بالتوازن الاستراتيجي، وبصورة أوسع، بالوضع الأمني. وستساعد تدابير الحد من الأخطار على استقرار الوضع، ومن ثم، نأمل، التوصل إلى معاهدة جديدة".

عواقب وخيمة

لكن ستيفن بايفر من مركز الأمن والتعاون الدولي بجامعة "ستانفورد"، وعلى عكس سوكوف اعتبر أنه سيترتب على انتهاء معاهدة "ستارت" الجديدة عواقب وخيمة على الأمن الدولي، "فللمرة الأولى منذ ما يقارب أربعة عقود، لن تكون هناك قيود على القوات النووية للولايات المتحدة وروسيا، ولن تكون هناك أي إجراءات للتحقق أو الشفافية تمكن الولايات المتحدة وروسيا من مراقبة قوات بعضهما بعضاً، ويأتي هذا في وقت يبدو فيه أن واشنطن وموسكو تفكران في زيادة قواتهما النووية الاستراتيجية، وبالطبع، هناك أيضاً قضية الصين، التي توسع ترسانتها النووية بوتيرة أسرع من أي دولة أخرى".

وقال "لسوء الحظ، يبدو أن الصين وروسيا والولايات المتحدة لا تبدي اهتماماً يذكر باتخاذ خطوات للحد من سباق التسلح النووي أو منعه. ترفض بكين رفضاً قاطعاً مناقشة الحد من التسلح النووي، وترفض موسكو مناقشة الاستقرار الاستراتيجي أو ما قد يحدث بعد معاهدة ستارت الجديدة إلى أن تتبنى واشنطن موقفاً أكثر إيجابية تجاه روسيا، ويبدو أن إدارة ترمب لا تبدي اهتماماً يذكر بالحد من التسلح أيضاً".

وتابع "لذا، أخشى أننا نتجه نحو سباق تسلح نووي. دعونا نأمل ألا يتفاقم الأمر قبل أن يتذكر العقلاء الدرس الذي تعلمته واشنطن وموسكو في ستينيات القرن الماضي: إذا زدت عدد أسلحتك النووية وفعل الطرف الآخر الشيء نفسه، فمن المرجح أنك لا تحسن أمنك، بل تزيد الكلف والأخطار النووية".

انهيار مفهوم الحد من التسلح النووي

عضو مجلس "بوغواش" للحركة العلمية السفير فوق العادة والمفوض المتقاعد سيرغي باتسانوف قال "سياسياً، يعطي إنهاء معاهدة ستارت الجديدة الضوء الأخضر فعلياً لسباق تسلح نووي غير مقيد، ويثير شهية كبرى شركات الدفاع، ويسهم في محو مفهوم الحد من التسلح النووي من الخطاب السياسي، ولا يقتصر هذا على روسيا والولايات المتحدة فحسب، بل يشمل أيضاً قوى نووية أصغر حجماً، معترفاً بها وغير معترف بها، فضلاً عن عدد من الدول التي تصنف على أنها غير نووية، والتي تفكر نخبها الحاكمة بصورة متزايدة في امتلاك ترسانات نووية فردية أو جماعية".

وتابع "في الوقت نفسه، ليس من الدقة القول إن كل هذه الأخطار ناتجة من إنهاء معاهدة ستارت الجديدة، فالأمر يعتمد كثيراً على طبيعة العمليات السياسية في العالم، والأولويات الاستراتيجية الراهنة للقوى الكبرى، ومواقف الدول الأخرى، فضلاً عن الرأي العام".

واعتبر أن "تنفيذ مبادرة بوتين، التي أطلقها في سبتمبر عام 2025، سيكون الخطوة الأولى نحو تخفيف المخاطر، وقد يكون بيان مماثل من الرئيس الأمريكي الخطوة التالية، وسيكون من الأهمية بمكان أن تدعم الدول الأخرى والمنظمات غير الحكومية المعنية مفهوم ضبط النفس الاستراتيجي".

ما العمل؟

من المهم التذكير أن مؤتمر مراجعة معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية القادم سيعقد في نيويورك في غضون أقل من ثلاثة أشهر. العلاقات بين القوى النووية حالياً بعيدة كل البعد من أفضل حالاتها، وهناك أسباب عديدة لذلك، من أهمها الانهيار المستمر لنظام الحد من الأسلحة النووية الدولي. لذا، يجدر بالمجتمع الدولي الآن النظر في كيفية دعم المؤتمر لفكرة الحفاظ على ضبط النفس في مجال الأسلحة الهجومية الاستراتيجية، واعتماد وثيقة ختامية موجزة ودقيقة تعكس هذه الفكرة.

بطبيعة الحال، يبرز التساؤل حول كيفية المضي قدماً في الحد من الأسلحة النووية ومنع انتشارها. حالياً، يمتلئ عديد من المدونات والمساحات العامة بتعليقات متشائمة، وأخرى متفائلة، حول حتمية سباق التسلح النووي وانتشار الأسلحة النووية، وهذا أمر خطر، لا سيما من منظور السلام الدولي، لكن، إذا لاقت المبادرة الروسية للحفاظ على القيود الأساسية لمعاهدة "ستارت" الجديدة زخماً إيجابياً، وحظي العالم ببعض الهدوء، فينبغي استغلال ذلك لتطوير مقاربات جديدة للحد من الأسلحة النووية، سواء بين روسيا والولايات المتحدة، أو بمشاركة قوى نووية أخرى، ليس فقط الصين، بل أيضاً، وبدرجة لا تقل، بريطانيا وفرنسا وإسرائيل والهند وباكستان وكوريا الشمالية. لن يكون من الممكن البدء في مثل هذه المفاوضات فوراً، لكن من المفيد الشروع في المناقشات ذات الصلة على المستوى المفاهيمي في الحد الأدنى.

(اندبندنت عربية)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI