تندرج الحرب السودانية التي اندلعت في الـ15 من أبريل/ نيسان 2023 ضمن مسار تاريخي طويل تشكلت خلاله المساعدات الإنسانية بوصفها محاولة دولية لضبط آثار العنف.
فمنذ نشوء القطاع الإنساني الحديث، رسخ لنفسه صورة الفاعل المحايد الذي يتحرك خارج حسابات الصراع، مستنداً إلى المبادئ التي كرَّستها الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر خلال القرن الـ20، حيث ارتبطت الشرعية الإنسانية بمفاهيم الحياد والاستقلال والنزاهة، غير أن هذا التصور لم يبقَ ثابتاً، فبعد أكثر من نصف قرن على تشكل بنيته الحديثة، لم يعد العمل الإنساني ينظر إليه باعتباره فضاءً أخلاقياً خالصاً، بل كجزء من شبكة عالمية تتقاطع فيها الاعتبارات السياسية والاقتصادية.
وقد تصاعدت، لا سيما في دول الجنوب العالمي، اتهامات ترى أن المساعدات تحولت تدريجاً إلى صناعة عابرة للحدود تدار وفق أولويات المانحين ومصالح الدول الكبرى. وفي المقابل، لم يقتصر تسييس المساعدات على الدول المانحة وحدها، بل أصبح استغلالها سياسياً وعسكرياً سلوكاً تلجأ إليه أطراف النزاعات نفسها، عبر التحكم في تدفقها أو توظيفها لتعزيز الشرعية المحلية وإعادة تشكيل موازين القوة على الأرض.
ضمن هذا الإطار الأوسع، أدى القتال بين القوات المسلحة السودانية وقوات "قوات الدعم السريع" إلى انهيار سريع للبنية الصحية والخدمية، ونزوح ملايين المدنيين نحو ولايات أكثر أمناً، إضافة إلى تدفقات واسعة نحو تشاد وجنوب السودان ومصر. ومنذ أواخر 2023، تحولت مناطق في السودان إلى مسرح لأكبر أزمة نزوح في العالم، بينما واجهت المنظمات الإنسانية صعوبات حادة في الوصول بسبب تعدد السلطات المسلحة وغياب ممرات آمنة.
وخلال عامي 2024 و2025 اكتسبت المساعدات بعداً سياسياً متزايداً، إذ أصبحت طرق الإمداد ومواقع التوزيع جزءاً من توازنات القوة المحلية، وبرزت شبكات التضامن الأهلي السودانية كفاعل مُوازٍ للمنظومة الدولية. ولم تعد الإغاثة مجرد استجابة طارئة، بل آلية لإدارة مجتمع يعيش مرحلة تفكك الدولة، حيث تتحول المساعدة نفسها إلى عنصر مؤثر في مسار الصراع.
في هذا السياق برز منع وصول المساعدات كأحد تجليات الحرب ذاتها. فقد اتهمت وكالات أممية ومنظمات دولية طرفي النزاع بفرض قيود إدارية وأمنية عطلت القوافل الإنسانية، من تأخير التصاريح وإغلاق الطرق إلى فرض جبايات غير رسمية على الإمدادات.
وجرى توظيف المساعدات أحياناً بوصفها مورداً استراتيجياً، إذ سعت أطراف ميدانية إلى توجيهها نحو مناطق مُوالية أو استخدامها لتعزيز السيطرة الاجتماعية وكسب الولاءات المحلية.
وفي دارفور خصوصاً، تكررت حوادث نهب المستودعات والاعتداء على العاملين الإنسانيين واحتلال المرافق الطبية، مما قوض الأساس القانوني الذي يفترض حماية العمل الإغاثي في زمن الحرب.
قيود إنسانية
يكشف تاريخ الحروب في السودان عن أن التحكم في الوصول الإنساني لم يكن ظاهرة طارئة، بل أداة راسخة ضمن استراتيجيات الحرب منذ عقود. خلال الحرب الأهلية في جنوب السودان، ارتبطت مجاعة بحر الغزال أواخر الثمانينيات بسياسات إخلاء المناطق الداعمة للتمرد، حيث أدى تجفيف مصادر الغذاء إلى إعادة تشكيل الجغرافيا السكانية بما يخدم أهدافاً عسكرية.
وجاءت عملية "عملية شريان الحياة للسودان" لاحقاً كمحاولة لتنظيم الوصول عبر تفاوض ثلاثي بين الأمم المتحدة والحكومة السودانية والمتمردين، لكنها كشفت في الوقت ذاته عن أن الممرات الإنسانية يمكن أن تتحول إلى خطوط نفوذ، وأن توزيع الإغاثة يعيد رسم خرائط السيطرة السياسية بقدر ما ينقذ الأرواح.
أما في دارفور منذ عام 2003، فقد بلغ هذا التداخل ذروته، إذ أدى النزوح الجماعي إلى نشوء أكبر عملية إنسانية في العالم آنذاك، بينما استخدم النظام السابق فتح المجال الإنساني لتحسين موقعه الدولي وإدارة تجمعات النازحين في مساحات يمكن مراقبتها والتحكم بها.
وفرت المخيمات حماية حقيقية وخفضت معدلات الوفيات، لكنها أصبحت أيضاً جزءاً من توازنات الصراع بين الحكومة والحركات المسلحة. وفي منطقة جبال النوبة والنيل الأزرق، ارتبط منع الوصول الإنساني بالقصف والحصار الغذائي ضمن استراتيجية مكافحة التمرد، حيث استخدم الجوع لإجبار المجتمعات على الانسحاب أو الاستسلام.
ويلاحظ تكرار هذا النمط عبر الحروب السودانية، فالمساعدة لا تصل إلى ضحايا الحرب، وإن وصلت، تؤثر في مسارها ونتائجها، وتتحول من أداة نجاة إلى عنصر ضمن معادلة القوة التي تحدد من يعيش على هامش الصراع ومن يبقى في قلبه.
وفي الحرب الحالية وجدت المنظمات نفسها أمام واقع تتداخل فيه خطوط القتال مع خطوط الإغاثة، بحيث أصبح الوصول إلى المدنيين مرهوناً بالتفاهم مع قوى مسلحة متعددة، طرفي النزاع وحلفائهما، لكل منها حساباتها السياسية والعسكرية. ترافقت هذه الوقائع مع تصاعد الاتهامات الدولية باستخدام القيود الإنسانية كأداة غير مباشرة في الصراع، ومع تحذيرات متزايدة خلال عام 2024 من اتساع نطاق انعدام الأمن الغذائي واقتراب مناطق واسعة من المجاعة.
وعلى رغم انعقاد مؤتمرات تعهدات مالية ومناقشات متكررة في مجلس الأمن، ظل التمويل أقل من حجم الاحتياجات، بينما تراجع الاهتمام الدولي أمام أزمات عالمية متزامنة. وهكذا تكشف الحالة السودانية مفارقة العمل الإنساني المعاصر، منظومة نشأت لحماية الإنسان من قسوة الحرب، لكنها تجد نفسها اليوم تعمل داخل منطق الصراع ذاته.
عوامل التسييس
تتشكل ظاهرة تسييس المساعدات الإنسانية في السودان داخل بيئة تاريخية وجغرافية تجعل من الإغاثة مورداً استراتيجياً لا يقل أهمية عن السيطرة العسكرية، فالدولة التي تعيش دورات متكررة من النزاعات الداخلية تمنح للغذاء والدواء وطرق الإمداد قيمة سياسية تتجاوز معناها الإنساني المباشر.
أول العوامل يتمثل في منطق الدول المانحة نفسها، حيث تدرج الأزمة السودانية ضمن تصور أوسع للأمن الدولي يرى في الهشاشة الاقتصادية والتفكك المؤسسي مصدراً لعدم الاستقرار العابر للحدود.
وضمن هذا الإطار، تحولت المساعدات إلى وسيلة لإدارة المخاطر الجيوسياسية، وبناء النفوذ الناعم، وصياغة بيئات سياسية أكثر قابلية للتأثير الخارجي. أصبح التمويل الإنساني امتداداً للسياسة الخارجية، يصوغ أولويات الاستجابة وفق خرائط الاهتمام الدولي، بما يمنح بعض المناطق حضوراً كثيفاً ويترك أخرى في هامش الرؤية العالمية.
العامل الثاني يرتبط بطبيعة النزاع السوداني، الذي لم يعد مواجهة تقليدية بين جيوش نظامية، بل شبكة صراعات متداخلة تجمع فاعلين عسكريين ومحليين واقتصادات ظل تعتمد على السيطرة على الموارد وحركة السكان. في هذا السياق، تحولت المساعدات إلى عنصر ضمن اقتصاد الحرب، إذ يمنح التحكم في مساراتها قدرة على كسب الشرعية الاجتماعية، وتثبيت النفوذ في المدن والمناطق الريفية، وإدارة الولاءات داخل مجتمعات أنهكها النزوح.
تعدد السلطات المسلحة، وضعف المؤسسات المركزية، وانتشار شبكات الوساطة المحلية، كلها عوامل جعلت الوصول الإنساني عملية تفاوض سياسي مستمرة أكثر من كونها مهمة إغاثية تقنية.
أما العامل الثالث فينشأ داخل المنظومة الإنسانية نفسها. فاعتماد عدد كبير من المنظمات على مصادر تمويل محدودة خلق علاقة غير متكافئة مع المانحين، حيث تتشكل البرامج وفق شروط التمويل وإطاراته الزمنية والخطابية.
ومع توسع دور هذه المنظمات نحو مجالات الحوكمة وبناء السلام وإعادة الإعمار، اتسعت مهمتها تدريجاً لتلامس المجال السياسي، ففقدت المسافة التقليدية التي كانت تفصلها عن الصراع. المفاوضات اليومية لضمان الوصول، والحاجة إلى العمل تحت حماية سلطات متنافسة، تدفعها إلى اتخاذ قرارات ذات أثر سياسي حتى حين تسعى إلى الحفاظ على حيادها.
ويضاف إلى ذلك دور السلطات المحلية والفاعلين المسلحين وغيرهم، مثل الإدارات الأهلية، في إعادة توجيه المساعدات أو تقييدها عبر التشريعات والإجراءات الأمنية والجبايات غير الرسمية، مما يجعل الإغاثة خاضعة لمنطق السيطرة الإقليمية.
ومع تزايد الأخطار الأمنية، أصبح العامل الإنساني نفسه جزءاً من معادلة الصراع، لتتحول المساعدة إلى مورد قابل للاحتكار أو المنع أو التوظيف الرمزي.
مؤشرات تراكمية
تكشف الحرب السودانية الجارية عن أن تسييس المساعدات الإنسانية لا يظهر في صورة قرار معلن، بل يتجلى عبر مؤشرات تراكمية تعيد تشكيل وظيفة الإغاثة نفسها داخل بنية الصراع.
أول هذه المؤشرات يتمثل في تحول الوصول الإنساني إلى أداة تفاوض ميداني. فالمعابر والطرق ومراكز التخزين لم تعد عناصر لوجستية محايدة، بل نقاط سيطرة تمنح الفاعلين المسلحين قدرة على إدارة تدفق الموارد والسكان معاً.
تأخر القوافل أسابيع بين بورتسودان ودارفور، وتعرضها لهجمات مباشرة، وارتباط حركتها بتصاريح متنافسة صادرة عن سلطات متعددة، يعكس انتقال القرار الإنساني من المجال الفني إلى المجال الاستراتيجي.
مؤشر ثانٍ يظهر في إعادة تعريف الحيز الإنساني ضمن خطاب أمني أوسع. ارتباط التمويل الدولي بمفاهيم الاستقرار ومنع الهجرة والفوضى الإقليمية جعل المساعدات جزءاً من إدارة الأزمة لا مجرد تخفيف آثارها.
ومع تصاعد الدعوات الدولية لحماية المدنيين، تزايد حضور التعاون المدني - العسكري، مما أضفى على العمليات الإنسانية بعداً سياسياً عزز الشكوك المحلية تجاه حياد المنظمات، وضيق قدرتها على الحركة الآمنة، خصوصاً في المناطق التي تفسر فيها الإغاثة بوصفها امتداداً لنفوذ خارجي.
أما المؤشر الثالث فيتجسد في اقتصاد الحرب اليومي. نقاط التفتيش التي تفرض رسوماً غير رسمية، وسيطرة جماعات مسلحة على وسائل الاتصال أو خدمات الإنترنت، وتحول أجهزة الاتصال البديلة (ستارلينك) إلى مورد خاضع للاحتكار، كلها تعكس اندماج المساعدات في منظومة اقتصادية موازية.
أصبحت السيطرة على المعلومات موازية للسيطرة على الغذاء، إذ تحدد القدرة على الاتصال فرص النزوح، والوصول إلى التحذيرات المبكرة، ومعرفة مواقع التوزيع، ما يمنح القوى المسيطرة نفوذاً اجتماعياً يتجاوز المجال العسكري.
وتبرز نتيجة أخرى في نشوء جغرافيا إنسانية جديدة داخل السودان. المناطق التي تصلها المساعدات تتحول إلى مراكز جذب سكاني، فتتشكل تجمعات كثيفة حول نقاط الإغاثة، وهو ما يمنح أطراف النزاع قدرة غير مباشرة على إعادة توزيع السكان وتركيزهم في فضاءات يسهل ضبطها.
تجارب "المناطق الآمنة" ووقف إطلاق النار المحلي أظهرت بدورها نمطاً متكرراً، انخفاض العنف في موقع يقابله تصعيد في موقع آخر، بما يجعل الهدوء المؤقت جزءاً من إعادة انتشار عسكرية أوسع.
وتنعكس النتائج الأعمق في تآكل الثقة بين المجتمعات والمنظومة الإنسانية. الاعتداءات على القوافل، وغياب الاتصالات، وتعذر الوصول المنتظم، كلها تدفع السكان إلى الاعتماد على شبكات محلية للحماية والبقاء، مما يقلل من قدرة الفاعلين الدوليين على التأثير المباشر.
ومع مرور الوقت، تتحول المساعدة من رمز للتضامن العالمي إلى مورد نادر يخضع للمنافسة، وتصبح الإغاثة نفسها عاملاً يعيد تشكيل مسار الحرب عبر تحديد من يمتلك القدرة على الصمود ومن يدفع إلى النزوح المستمر.
سيناريوهات محتملة
تفتح ظاهرة تسييس المساعدات الإنسانية في الحرب السودانية أفقاً من السيناريوهات التي تتجاوز الإطار الإغاثي لتلامس مستقبل الدولة. فحين تتحول الإمدادات الإنسانية إلى عنصر ضمن معادلة القوة، يصبح مسار الصراع مرتبطاً بقدرة الأطراف على التحكم في شروط البقاء اليومية للسكان، لا بمجريات المعارك وحدها.
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة المرحلة المقبلة بوصفها صراعاً على إدارة المجتمع بوسائل إنسانية بقدر ما هو صراع على السيطرة العسكرية.
السيناريو الأول يتمثل في ترسخ اقتصاد إنساني موازٍ للحرب. استمرار القيود على الوصول، وتعدد السلطات التي تمنح التصاريح، وتحول نقاط العبور إلى مصادر دخل، كلها عوامل تدفع نحو نشوء منظومة تعتمد فيها الجماعات المسلحة على تدفقات المساعدات بوصفها مورداً دائماً.
في هذا السياق، تتراجع الحوافز السياسية لإنهاء القتال، لأن استمرار الأزمة يضمن تدفق الموارد الخارجية ويعيد إنتاج شبكات النفوذ المحلية. الحرب تتحول إلى حالة إدارة طويلة الأمد، حيث يصبح الاستقرار المحدود أكثر فائدة لبعض الفاعلين من التسوية الشاملة.
السيناريو الثاني يرتبط بإعادة تشكيل الجغرافيا السكانية للسودان. تركيز المساعدات في مناطق بعينها يدفع موجات نزوح متتابعة نحو نقاط الإغاثة، مما يؤدي إلى نشوء مراكز حضرية طارئة حول المخيمات والمدن الآمنة نسبياً. هذا التحول يعيد توزيع الثقل الديموغرافي والاقتصادي، ويمنح القوى المسيطرة على تلك المناطق شرعية اجتماعية متزايدة. ومع مرور الزمن، قد تتبلور مناطق نفوذ شبه مستقلة تستند إلى شبكات الإمداد الإنساني أكثر مما تستند إلى مؤسسات الدولة التقليدية.
أما السيناريو الثالث فيتعلق بتآكل النظام الإنساني الدولي ذاته داخل السودان. استمرار استهداف القوافل والعاملين، واتساع الشكوك المحلية تجاه حياد المنظمات، يدفع الفاعلين الدوليين إلى تقليص وجودهم الميداني والاعتماد على وسطاء محليين.
هذا التحول يمنح المبادرات المجتمعية، مثل شبكات المتطوعين ولجان الطوارئ، دوراً مركزياً في إدارة الحياة اليومية، ويخلق نموذجاً جديداً من "توطين الإغاثة" ينشأ بفعل الضرورة لا التخطيط. غير أن هذا النموذج يحمل تفاوتات حادة في القدرة والموارد، مما يوسع الفجوات بين المناطق.
السيناريو الرابع يتصل بالمجال الدولي، حيث يزداد ربط التمويل الإنساني بأجندات الاستقرار والهجرة والأمن الإقليمي. تنافس الأزمات العالمية، والانقسام داخل المؤسسات الدولية، يرسخان نمطاً انتقائياً في الاستجابة، فتغدو المساعدات أداة إدارة للأزمة بدلاً من حلها. ومع غياب تسوية سياسية جامعة، يكتسب القطاع الإنساني دوراً أقرب إلى فاعل سياسي غير رسمي يوازن بين القوى المتحاربة عبر توزيع الموارد.
(اندبندنت عربية)