17 مارس 2026
16 مارس 2026
يمن فريدم-خاص-إلهام الفقيه
أحد أسواق صنعاء (محمد حويس/فرانس برس)


مع اقتراب عيد الفطر، تتجه أنظار اليمنيين في مختلف المحافظات نحو الأسواق لشراء مستلزمات العيد وتجهيز احتياجات أسرهم، في تقليد اجتماعي راسخ يرافق هذه المناسبة كل عام.

غير أن المشهد هذا العام يبدو مختلفًا إلى حد كبير، إذ يستقبل كثير من اليمنيين العيد في ظل أوضاع اقتصادية صعبة وتحديات معيشية متزايدة فرضتها سنوات الحرب والانقسام الاقتصادي.

في المدن الكبرى شمالاً وجنوبًا، تبدو الأسواق مزدحمة بالمارة والمتسوقين، لكن الحركة الشرائية لا تعكس هذا الازدحام؛ فالكثير من المواطنين يتجولون بين المحلات بحثًا عن أسعار أقل، أو يكتفون بالسؤال عن الأسعار دون إتمام عملية الشراء، في ظل تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة.

أزمة سيولة

في مدينة تعز، تقف أم أحمد منذ ساعات أمام إحدى شركات الصرافة في محاولة للحصول على حوالة مالية أرسلها ابنها المغترب في السعودية لمساعدة العائلة في تجهيز متطلبات العيد.

تقول لـ"يمن فريديم":"جئت من الصباح، والطابور طويل، وكلما اقترب دورنا يقولون إن السيولة انتهت. الأطفال ينتظرون ملابس العيد، لكن الحصول على المال أصبح أصعب من الشراء نفسه".

تعكس قصة أم أحمد واقعًا يعيشه آلاف اليمنيين مع اقتراب العيد، حيث تتداخل مظاهر الاستعداد للمناسبة مع أزمات اقتصادية متراكمة، أبرزها أزمة السيولة النقدية في بعض المدن، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع الأسعار.

أزمة السيولة في تعز وطوابير الانتظار تعكر استعدادات العيد

في مدينة تعز، يواجه السكان صعوبة متزايدة في الحصول على السيولة النقدية، مع اقتراب موسم العيد وارتفاع الطلب على الأموال لتغطية احتياجات الأسر.

وبين طوابير الانتظار الطويلة أمام شركات الصرافة والبنوك، والبحث عن وسائل بديلة لتأمين مبالغ بسيطة، يجد المواطنون أنفسهم أمام تحدٍ جديد يضاف إلى سلسلة الأزمات الاقتصادية التي تعيشها المدينة منذ سنوات.

ولا تقتصر آثار أزمة السيولة على تعقيد المعاملات المالية فحسب، بل تمتد لتطول تفاصيل الحياة اليومية للسكان، خاصة مع اقتراب عيد الفطر، الذي اعتاد اليمنيون خلاله شراء الملابس والحلوى وتبادل الزيارات العائلية.

لكن مع صعوبة الحصول على السيولة النقدية، بات كثير من الأهالي عاجزين عن تنفيذ هذه الاستعدادات بالشكل المعتاد، الأمر الذي انعكس بوضوح على حركة الأسواق وعلى المزاج العام في المدينة.

يقول المواطن عبدالسلام محمد لـ"يمن فريديم" إنه يضطر للانتظار ساعات طويلة أمام شركات الصرافة في محاولة للحصول على مبالغ نقدية محدودة، في ظل ازدحام كبير ونقص في السيولة لدى بعض البنوك ومحلات الصرافة.

ويضيف:"كثير من الناس يعودون دون أن يحصلوا على أموالهم، لأن السيولة تنفد بسرعة أو لأن هناك سقفًا منخفضًا للسحب".

ويشير عبدالسلام إلى أن هذه الأزمة ليست جديدة، لكنها تتكرر بشكل أكبر في المواسم التي يرتفع فيها الطلب على النقد، مثل شهر رمضان وموسم العيد.

الحوالات المالية.. شريان حياة للأسر اليمنية

تشكل الحوالات المالية من المغتربين أحد أهم مصادر الدخل لآلاف الأسر في اليمن، إذ يعتمد عليها كثير من السكان لتغطية احتياجاتهم الأساسية.

ومع اقتراب العيد، تزداد عادة هذه الحوالات لمساعدة العائلات على تلبية متطلبات المناسبة، لكن أزمة السيولة تعوق وصول هذه الأموال بسهولة إلى مستحقيها.

ويقول المواطن مختار أحمد، أحد سكان تعز، إن العيد لم يعد كما كان في السابق.

ويضيف:"كنا نشتري ملابس لكل أفراد الأسرة، أما الآن فنركز فقط على ملابس الأطفال وبعض الحلويات البسيطة".

وبحسب تقارير اقتصادية صادرة عن البنك الدولي، يعتمد ملايين اليمنيين على التحويلات المالية من الخارج كمصدر دخل أساسي في ظل تراجع فرص العمل داخل البلاد.

الأسواق بين الزحام وتراجع الشراء

رغم الازدحام الملحوظ في الأسواق الشعبية في صنعاء وعدن وتعز، يشير تجار إلى أن حركة الشراء أقل مقارنة بالسنوات السابقة.

يقول عبدالله القميري، وهو تاجر ملابس في سوق بمدينة تعز، إن كثيرًا من الزبائن يأتون للسؤال عن الأسعار أو مشاهدة البضائع، لكنهم يؤجلون الشراء بسبب عدم توفر النقد الكافي لديهم.

ويضيف في حديثه "الناس تحاول توفير احتياجات العيد، لكن معظمهم يشتري بأقل قدر ممكن بسبب الظروف الاقتصادية".

العيد في شمال اليمن.. تقاليد مستمرة رغم الصعوبات

في صنعاء وعدد من المدن في شمال اليمن، تحاول العائلات الحفاظ على مظاهر العيد التقليدية رغم الضغوط الاقتصادية.

فالعائلات تركز على شراء ملابس الأطفال وإعداد بعض الأطعمة التقليدية مثل بنت الصحن والسبايا، إضافة إلى تجهيز المنازل لاستقبال الزوار خلال أيام العيد.

ويقول الباحث الاجتماعي عبدالله سيف علي إن المجتمع اليمني يتمسك بالعادات المرتبطة بالعيد حتى في أصعب الظروف.

ويضيف: "الزيارات العائلية وتبادل التهاني تبقى أهم مظاهر العيد بالنسبة لليمنيين".

الجنوب.. العيد بين الغلاء وتقلب العملة

في مدينة عدن وعدد من المحافظات الجنوبية، يواجه السكان تحديات أخرى، أبرزها ارتفاع الأسعار وتذبذب قيمة العملة المحلية.

ويقول الخبير الاقتصادي وحيد الفودعي إن تدهور العملة المحلية خلال السنوات الماضية أثر بشكل مباشر على القدرة الشرائية للمواطنين.

ويضيف في تصريح لـ"يمن فريديم":"موسم الأعياد كان يمثل ذروة النشاط التجاري في اليمن، لكن التدهور الاقتصادي جعل كثيرًا من الأسر تقلص إنفاقها بشكل واضح".

الريف.. بساطة العيد تحافظ على التقاليد

في القرى والمناطق الريفية، تبدو مظاهر العيد أكثر بساطة، لكنها ما تزال تحافظ على طابعها الاجتماعي التقليدي.

فالعائلات تعتمد غالبًا على إعداد الأطعمة المنزلية وتنظيم الزيارات بين الأقارب والجيران، بعيدًا عن تكاليف الأسواق المرتفعة.

ويقول استاذ علم الاجتماع ياسر الصلوي ، إن المجتمع الريفي يتمتع بقدرة أكبر على التكيف مع الظروف الاقتصادية الصعبة.

ويضيف:"العلاقات الاجتماعية في القرى تساعد الناس على الحفاظ على روح العيد حتى مع محدودية الإمكانيات".

حلول ممكنة لتخفيف الأزمة

يرى خبراء اقتصاديون أن التخفيف من أزمة السيولة والضغوط الاقتصادية يتطلب مجموعة من الإجراءات، أبرزها:

-زيادة ضخ السيولة النقدية في الأسواق خلال المواسم.

-توسيع استخدام وسائل الدفع الإلكتروني لتقليل الاعتماد على النقد.

-تطوير الخدمات المصرفية الرقمية لتسهيل استلام الحوالات المالية.

-دعم المشاريع الصغيرة والتجار لتحفيز النشاط الاقتصادي.


العيد بين الأمل والواقع

رغم التحديات الاقتصادية التي تثقل حياة اليمنيين، يحاول كثير منهم الحفاظ على روح العيد بقدر الإمكان.

فالعائلات تسعى لإيجاد طرق بسيطة للاحتفال بالمناسبة، سواء عبر إعداد بعض الأطعمة التقليدية في المنزل أو تنظيم زيارات عائلية متواضعة.

في بلد أنهكته الحرب والأزمات الاقتصادية، قد تقل مظاهر العيد، لكن روحه تبقى حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية لليمنيين الذين يصرون على الاحتفال بالمناسبة ولو بأبسط الإمكانيات.

 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI