شهر من الحرب الأمريكية على إيران كان كفيلاً بتغيير مشهد منظومات العمل الجماعي التي دخلت بنية النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية كآليات إقليمية مكملة للأمم المتحدة.
أبرز المنظمات والتحالفات التي تأثرت بالحرب هي حلف "الناتو"، ومجلس التعاون الخليجي، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، وتباينت التأثيرات ما بين سلبية وإيجابية، وكذلك عمقها على المدى الطويل.
مثّلت الحرب تذكيراً لدول مجلس التعاون الخليجي بجذور نشأته في الثمانينيات لتحييد خطر النظام الثوري في إيران، فيما كانت للدول الأوروبية إنذاراً إضافياً بأفول الدور الأمريكي كقوة عسكرية مرجحة في القارة.
أما عربياً، فلم يكن للحرب تأثيرات جذرية في جامعة الدول العربية، سوى أنها عمّقت الانقسام حول فاعلية إطارها الحالي.
مجلس التعاون الخليجي
حافظت دول الخليج لعقود على مكانتها كمنطقة آمنة محاطة بحمم الصراعات، مما خلق تصوراً خاطئًا لدى الجيران بأن مجلس التعاون ليس سوى منظومة تنموية قبل أن يكون أمنية، وتصوراً متناقضاً بأن دول الخليج بمنأى عن التهديدات، وأن استثمارها الضخم في التسلح ترف، وهذه تصورات تغفل نشأة مجلس التعاون المرتبطة بتصاعد الأخطار على أمنها بعد الثورة الإيرانية عام 1979.
لم تغب التهديدات الإيرانية عن العقل الخليجي، إلا أن الدول الست درجت على تبني سياسات متباينة تجاه النظام الإيراني ما بين التحفظ والانفتاح، لكن ما فعلته الحرب أنها ذكّرت الجميع بجذور مجلس التعاون، حتى أن الخلافات البينية تراجعت في قائمة الأولويات للتركيز على الأمن الجماعي، وذلك بعدما أطلقت إيران 85% من هجماتها على دول الخليج، مقابل 25% منها على إسرائيل.
يقول أستاذ العلوم السياسية صالح الخثلان إن الحرب حولت التهديد الإيراني الذي ظل حاضراً في الوعي الخليجي إلى تهديد فعلي ومباشر، فهذه المرة الأولى في تاريخ العلاقات بين دول المجلس وإيران التي تتعرض فيها الدول الست جميعاً لهجمات إيرانية، بما في ذلك سلطنة عُمان، التي تميزت تاريخياً بعلاقاتها مع إيران، وانتهجت مساراً مختلفاً نسبياً عن بقية دول المجلس، سواء خلال الحرب العراقية الإيرانية أو عبر أدوارها اللاحقة في الوساطة بين إيران والولايات المتحدة.
ويتوقع الخثلان، الذي يعمل مستشاراً في مركز الخليج للأبحاث، أن تؤدي الحرب إلى تبني موقف خليجي موحد، ويشمل ذلك منطقياً، صياغة استراتيجية مشتركة للتعامل مع إيران بأبعادها الدبلوماسية والأمنية والعسكرية، وأضاف "من المفترض أن تؤدي الهجمات الإيرانية، من حيث كثافتها واستمرارها، واستهدافها منشآت مدنية، على رغم تأكيد حكومات دول الخليج أنها لم تسمح باستخدام أراضيها أو أجوائها لشن هجمات ضد إيران، إلى إنهاء التباينات في مواقف دول المجلس تجاهها".
لكن الباحث السعودي يحدد مسألتين تحدان من الجزم في شأن انتهاء التباينات الخليجية، الأولى أن الحرب لا تزال مستمرة، ولا نعلم بعد كيف ستنتهي، وهو ما يجعل من الصعب تحديد توجهات دول المجلس تجاه إيران في مرحلة ما بعد الحرب. والثانية، هي أن "المؤشرات الأولية تظهر أن التباين في المواقف قد يستمر، ويظهر هذا في تصريحات مسؤولين في عدد من دول المجلس، حيث يمكن ملاحظة تباين بين من يرى أن ما اتخذته إيران من إجراءات ربما يمثل الخيار الوحيد المتاح أمامها، وبين من يرى أن النظام الإيراني بعد هذه الاعتداءات أصبح نظاماً إرهابياً لم يعد ممكناً التعايش معه".
وفي حين عمّقت الحرب حال عدم الثقة بين الخليج وإيران، فقد أسهمت في تعزيز التعاون بين دول الخليج والأردن الذي تعرض هو الآخر إلى هجمات إيرانية، فقبل الحرب شارك الأردن في اجتماعين مشتركين مع مجلس التعاون الخليجي عامي 2024 و2025، وبعد الحرب أخذ التنسيق طابعاً دولياً، إذ شارك الأردن في اجتماعين لوزراء خارجية دول مجلس التعاون مع كل من روسيا والصين.
جامعة الدول العربية
مثّلت الحرب تذكيراً بحدود فاعلية جامعة الدول العربية، التي حافظت منذ تأسيسها في مارس 1945 على دورها كإطار تنسيقي ومنصة للتشاور حول المواقف العربية، لكن موقفها كشف للدول والشعوب الخليجية عن تقاعس أو تأخر في أداء دورها التنسيقي والرمزي، إذ انتقد بيانها حول الهجمات الإيرانية بوصفه ضعيفاً، واعتبر قرارها للدعوة إلى اجتماع طارئ بعد أسبوع من الهجمات متأخراً.
لم تقتصر الانتقادات على الجانب الشعبي، إذ وجّه وزير الخارجية الكويتي الشيخ جراح جابر الصباح انتقادات للجامعة في اجتماع دورتها العادية الـ165 قائلاً إن "دول الخليج لم تدخر جهداً في تقديم الدعم، لكن التجارب أثبتت محدودية فاعلية العمل العربي المشترك"، وأضاف أن "جامعة الدول العربية أثبتت عجزاً واضحاً عن مواكبة التحديات المتسارعة وعن الاضطلاع بدور مؤثر في صون الأمن العربي"، في إشارة لضعف موقفها من إدانة الاعتداءات الإيرانية.
وزير الدولة في الإمارات خليفة المرر قال أيضاً إن جامعة الدول العربية أمام مفترق طرق، فإما أن تبدي تضامناً حازماً لا لبس فيه أو تصبح غير ذات جدوى، مؤكداً أن بلاده عبّرت عن ذلك بوضوح أمام جامعة الدول العربية.
وأضاف، "كل الدول العربية وغير العربية أعلنت عن تضامنها معنا لكن بصورة متفاوتة، ونحن نميز بين مستويات الدعم وطبيعة التضامن، وبين من سارع إلى تقديم الدعم العسكري".
بالنسبة إلى المدافعين عن جامعة الدول العربية فهي تمثل رغم شوائبها إطاراً للمحافظة على أدنى مستوى من التنسيق العربي، والخروج بمواقف موحّدة في القضايا العربية ذات الطابع الدولي، وهو ما عبّر عنه الأمين العام للجامعة أحمد أبو الغيط بقوله إن "إلغاء جامعة الدول العربية يصب في مصلحة إيران والقوى العظمى، فعلى الأقل تتيح الجامعة صوتاً في حدود إمكاناتها للدفاع عن الحقوق العربية"، معترفاً بحدود الخيارات في ظل عدم امتلاك الجامعة لجهاز عسكري.
حلف "الناتو"
هزّات الحرب امتدت إلى حلف "الناتو"، أحد أهم التحالفات العسكرية في التاريخ، الذي أصبح عرضة لتهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بالانسحاب منه بعد رفض الحلف المشاركة في تأمين حركة الملاحة في مضيق هرمز. نظراً إلى صعوبة إقناع الكونغرس بالانسحاب من معاهدة "الناتو" التي تحظى بدعم الحزبين، فمن المستبعد أن يتمكن ترمب من سحب التزام بلاده قانونياً، لكن انتقاداته وتهديداته بحد ذاتها مؤثرة، فقوة الحلف قائمة على صدقية الردع في وجه التهديدات.
أنشِئ الحلف بعد الحرب العالمية الثانية لردع الاتحاد السوفياتي وتعزيز السلام في أوروبا، وحافظت أميركا على دورها في الحلف كقوة عسكرية مرجحة، لكن حرب إيران أحيت الشكوك حول التزام الولايات المتحدة، إذ يرى معظم الأوروبيين أن المادة الخامسة من "الناتو" التي تنص على الدفاع الجماعي لم تعد فعالة، وأن الولايات المتحدة لم تعد الضامن لأمنهم، وهو ما عبر عنه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الأسبوع الماضي بقوله إن "التهديدات الأمريكية المتكررة بالانسحاب تقوّض ’الناتو". وأضاف "عندما تزرع الشك يومياً حول التزامك، فإنك تُفرغ الحلف من مضمونه".
هددت واشنطن بالانسحاب من "الناتو" حتى قبل حرب إيران بسبب تقاعس دول الحلف عن رفع الإنفاق الدفاعي، وإذا ما أرادت أوروبا تعويض الدور الأمريكي في الحروب التقليدية مثلاً، فستحتاج إلى استثمار نحو تريليون دولار على مدى ربع قرن، وفق دراسة أعدها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في مايو الماضي. وقدّرت مؤسسة "بروغل" في بروكسل، بالتعاون مع معهد كيل للاقتصاد العالمي، أن أوروبا قد تحتاج إلى 300 ألف جندي إضافي، وزيادة سنوية في الإنفاق العسكري لا تقل عن 290 مليار دولار على المدى القصير، لردع أي عدوان روسي.
الاتحاد الأوروبي
التأثيرات امتدت إلى الاتحاد الأوروبي، إذ بدأ مسؤولون أوروبيون بمناقشة فكرة "ناتو أوروبي" منفصل عن الاتحاد أو ضمن هيكلته، تحسباً لسحب واشنطن قواتها البالغ عددها 70 ألف جندي من أوروبا. فكرة الناتو الأوروبي ممكنة، بحسب مسؤولي القادة، إذ يمكن لدول أوروبا شغل معظم المواقع في هياكل القيادة والبنية التحتية لحلف "الناتو".
وفيما تعهد ترمب بإبقاء الردع النووي في أوروبا، إلا أن الدول الأوروبية باتت تناقش بصورة نشطة بدائل محتملة، فبريطانيا وفرنسا، القوتان النوويتان في أوروبا، إلى جانب ألمانيا والسويد، تبحثان كيفية توسيع مظلتهما النووية لتقترب ولو جزئياً من القوة الأميركية، إذ أعلنت فرنسا نيتها زيادة مخزونها النووي، بينما قالت بريطانيا إنها ستعيد إنشاء ذراع جوية من القاذفات القادرة على حمل أسلحة نووية، إلى جانب غواصاتها النووية. ومع ذلك، فإن الردع النووي البريطاني يعتمد على التكنولوجيا الأميركية، بينما صُمم الردع الفرنسي أساساً لحماية المصالح الفرنسية وفق قرارات رئيسها.
وعلى رغم خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فإنها أخيراً أبدت رغبة واضحة لتعزيز التعاون الثنائي، في ظل تدهور علاقتها مع واشنطن. وقال رئيس الوزراء كير ستارمر: "يتضح بصورة متزايدة أنه مع استمرار العالم في هذا المسار المتقلب، فإن مصلحتنا الوطنية طويلة الأمد تتطلب شراكة أوثق مع حلفائنا في أوروبا ومع الاتحاد الأوروبي".
ومن المتوقع عقد قمة بين المملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي هذا العام، لا تقتصر على تثبيت الالتزامات السابقة في مجالات الطاقة والدفاع، بل ستشمل طرح أجندة "أكثر طموحاً"، وفق رئيس الوزراء البريطاني، مما قد يمهد إلى جولة جديدة من الصراع السياسي حول "بريكست، إذ إن خطة ستارمر لتعزيز التعاون سواء في الاقتصاد أو الأمن أو حتى عبر توسيع العلاقة مع السوق الأوروبية، يُنظر إليها من قبل منتقديه كمسار تدرجي لإعادة الاندماج، من دون إعلان صريح أو تفويض شعبي جديد.
(اندبندنت عربية)