تشهد علاقات الدول تقارباً وتباعداً، تصالحاً وخصومة، تكاملاً للمصالح وتنافراً، صداقة وأخوة ومودة وكذلك عداوة وبغضاء وكراهية. الأسباب لا تنضب، والعلاقات لا تسير في خطوط مستقيمة، أما أن ترتبط دولتان بشد فيه كثير من التهديد بالحرب، وجذب لا يخلو من تلويح بالصراع، وذلك من دون كلل أو ملل على مدى سبعة عقود، فهذا أمر فريد يقتصر على أميركا وإيران. حتى كوريا الشمالية، أو كوبا أو فنزويلا، أو الاتحاد السوفياتي قبل انهيار الشيوعية وتفتته إلى جمهوريات "ديمقراطية"، لا تحظى بمثل هذه العلاقة الفريدة مع الولايات المتحدة الأميركية.
وعلى رغم تفرد هذه العلاقة الشعواء الشنعاء منذ أواخر السبعينيات، فإنها لم تسر على خطوط مستقيمة من العداء والجمود، أو التقارب والهدوء، بل شهدت تغيرات بتغير الرؤساء، وتقلبات بتقلب الإدارات، هي من أكثر العلاقات تفرداً وغرابة وتعقيداً في التاريخ المعاصر، وربما القديم.
يصعب تخيّل علاقة ودية وتكاملية واستراتيجية بين أمريكا وإيران في أثناء متابعة الصراع الدائر بين أميركا وإيران، وتطوره إلى الحرب الحالية المتمددة في الشرق الأوسط، لكن القرن الـ20 حافل بكثير، ارتبطت الدولتان بعلاقة ود قبل الحرب العالمية الثانية، إذ اعتبرت إيران أميركا "قوة ثالثة" مطلوبة لموازنة الهيمنة البريطانية والروسية في منتصف عشرينيات القرن الماضي.
وكان رضا شاه قد أعلن نفسه ملكاً ومؤسساً للدولة البهلوية في إيران في ديسمبر/ كانون الأول عام 1925، منهياً بذلك حكم سلالة القاجار، وهي الأسرة الحاكمة التركمانية التي حكمت إيران بين عامي 1794 و1925. تدرج في الصعود إلى الحكم بعد انقلاب عسكري في فبراير/ شباط عام 1921، واستمر في تعزيز قوته، وحظي بمساندة بريطانيا، إلى أن توّج نفسه ملكاً في 1925، وتبنى لقب "بهلوي".
تركز مشروعه على بناء دولة قوية، من دون تدخلات أجنبية، لا سيما بريطانيا، وعلى رغم النجاح الذي حققه في هذا الشأن، فإن صناعة النفط في منطقة الخليج ظلت في أيدي البريطانيين. وتوترت العلاقة، وانتهت بغزو كل من بريطانيا والاتحاد السوفياتي إيران عام 1941، وذلك بهدف فتح خط إمدادات النفط إلى روسيا. وعادت إيران في قبضة قوى خارجية، وأجبر رضا شاه على التخلي عن الحكم، لا سيما في ظل علاقته بدول المحور، ونفي إلى جنوب أفريقيا حيث توفي في عام 1944.
بهلوي وروزفلت
تولى ابن رضا شاه، محمد رضا بهلوي، الحكم في سبتمبر/ أيلول عام 1941، وظلّ في منصبه حتى قيام الثورة الإسلامية عام 1979، وهي الأعوام التي تقول كثيراً عن تعامل الرؤساء والإدارات الأمريكية المختلفة مع إيران.
في تلك الحقبة المشتعلة بالأحداث، وعلى رأسها الحرب العالمية الثانية، كانت المحطة الأبرز في علاقة الرئيس الأمريكي (الديمقراطي) فرانكلين روزفلت (1933 - 1945) مؤتمر طهران الذي حضره ورئيس وزراء بريطانيا ونستون تشرشيل ورئيس وزراء الاتحاد السوفياتي جوزيف ستالين، وذلك لوضع استراتيجيات الحرب العالمية الثانية، وجرى الترويج لإيران مشروعاً رائداً للتنمية، وضمان أولوية إبقاء إيران كطريق حيوي لـ"الحلفاء" للإمداد ليصل إلى الاتحاد السوفياتي، والإبقاء عليها بعيداً من نفوذ دول "المحور"، فيما عرف بـ"الممر الفارسي"، وذلك بحسب الوثائق التاريخية في "مكتب المؤرخ" التابع لوزارة الخارجية الأمريكية.
وتعامل الرئيس هاري ترومان (الديمقراطي) (1945 - 1953) مع إيران باعتبارها حجر الزاوية في الاستراتيجيات الأولى للحرب الباردة. دعم "السيادة الإيرانية" لمواجهة التوسع السوفياتي، بما في ذلك الضغط على السوفيات لسحب قواتهم من إيران عام 1946، كذلك تدخلت الإدارة الأمريكية لإدارة الخلاف على النفط والمميزات بين بريطانيا وإيران، وعام 1949 استقبل ترومان الشاه في المكتب البيضاوي.
أيزنهاور وإطاحة مصدق
وفي تحول لافت للسياسة الأمريكية تجاه إيران، أذن الرئيس الأمريكي دوايت أيزنهاور (الجمهوري) (1953 - 1961) لوكالة الاستخبارات الأميركية (سي آي أي) بتدبير انقلاب عسكري في طهران أدى إلى إطاحة رئيس الوزراء محمد مصدق وحكومته عام 1953، وهو ما أثر كثيراً في العلاقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين البلدين، ومنها ما بقي أثره حتى اليوم.
ويشار إلى أن صراعاً سياسياً مكتوماً نشب بين الشاه و"الشخصية الوطنية" محمد مصدق في أوائل الخمسينيات، لا سيما بعد ما صدّق البرلمان الإيراني على مشروع قانون يؤمم الثروة النفطية الإيرانية التي كانت تسيطر عليها بريطانيا. عامان من التوتر بين الرجلين، وإجبار على تعيين مصدق رئيساً للوزراء، ثم محاولة الشاه إقالة مصدق، نجم عنها نجاح أنصار مصدق في دفع الشاه لمغادرة البلاد، لكن ما هي إلا أيام، حتى عاد الشاه بدعم "سري" من كل من بريطانيا وأمريكا.
ويشير جزء حذف في أعوام سابقة من أرشيف وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، لكن نشر عام 2103 تحت عنوان "معركة إيران"، أنه "جرى تنفيذ الانقلاب العسكري الذي أطاح مصدق وحكومة الجبهة الوطنية بتوجيه من الـ(سي آي أي)، كجزء من السياسة الخارجية الأميركية، وأنه جرى التخطيط له والموافقة عليه على أعلى مستويات الحكومة".
نشرت هذه الوثائق في "أرشيف الأمن القومي" (معهد بحثي غير حكومي مقره جامعة جورج واشنطن). وكانت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة الراحلة مادلين أولبرايت قد أشارت صراحة في عام 2000 إلى الدور الأمريكي في هذا "الانقلاب"، وهو ما كرره الرئيس السابق باراك أوباما عام 2009، وذلك على رغم عقود من النفي الرسمي الأمريكي لأي ضلوع في هذا الانقلاب.
يشار أيضاً إلى أن حفيد الرئيس أيزنهاور، كيرميت روزفلت، أدى دوراً مهماً في هذا الانقلاب. كان مدير وحدة الشرق الأوسط في "سي آي أي" عام 1953، وحسب وثائق وتقارير أمريكية كان العقل المدبر للتخلص من مصدق، وترسيخ حكم الشاه، الذي يعد إحدى ركائز ووسائل "التقارب" الذي يصفه بعض المحللين بـ"الهيمنة" الأمريكية على إيران طوال فترة حكم الشاه.
وكانت أمريكا في عهد الرئيس أيزنهاور وقعت مع إيران اتفاقية التعاون الخاصة بالاستخدامات المدنية للذرة، كجزء من مبادرة الرئيس دوايت أيزنهاور "الذرة من أجل السلام"، التي بموجبها تلقى عدد من الدول النامية تعليماً وتكنولوجيا نووية من أمريكا. وإحدى المفارقات الكثيرة في العلاقة بين أمريكا وإيران هي أن هذه الاتفاقية أرست الأسس والقواعد الأولى والمحورية للبرنامج النووي الإيراني، وزوّدت أمريكا إيران لاحقاً بمفاعل ووقود يورانيوم مخصب عالي التخصيب، واستمر التعاون النووي بين البلدين حتى اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979.
كنيدي والشيوعية
وجاء عصر الرئيس جون كنيدي (الديمقراطي) ليضيف عاملاً فريداً من المفارقة في العلاقة الغريبة بين البلدين، وهو مزيج من خوف من الشيوعية مع حث الشاه على التحديث. تحفل كتب التاريخ الحديث والعلوم السياسية بكثير من التحليلات للعلاقة بين شاه إيران وكنيدي خلال عامي رئاسة الأخير لأمريكا، التي انتهت باغتياله عام 1963.
وعلى رغم الود الظاهر، والصداقة الواضحة، فإن إيران لم تكن أولوية قصوى على لائحة كنيدي، وربما لو مكث في منصبه فترة أطول، لأصبحت ضمن أولوياته، وإن أبقى على التأكد من استمرار مكانة إيران كحليف استراتيجي لبلاده في مواجهة التأثير السوفياتي.
انشغل كنيدي بملفات أخرى ساخنة في الشرق الأوسط، أبرزها مصر وإسرائيل واليمن. وحاول أن يمد رؤاه التحديثية ودعوته إلى الديمقراطية إلى إيران، وذلك عبر تشجيع الشاه على اتباع سياسات إصلاحية وتصحيحية. وحاول كنيدي أن يقنع الشاه باتباع هذه الإصلاحات، كوسيلة لضمان استقرار حكمه، ودحض خطر الغضب المتزايد في الشارع الإيراني، وحمايته من خطر نشوب ثورة شيوعية في هذه الدولة المهمة لأمريكا، ويُرجح أن تكون هذه "النصيحة" دقت مسامير إضافية في حكم الشاه الذي بطأ في تطبيق ما يعرف بـ"الثورة البيضاء".
في المقابل، استغل الشاه مخاوف أمريكا من شبح الشيوعية والهيمنة السوفياتية للضغط على أمريكا، للحصول على مزيد من الدعم المالي والعسكري والمميزات، وعلى رغم ميل كنيدي لتقديم الدعم الاقتصادي أكثر من العسكري، فإن جهد الشاه في الضغط نجح وأصبحت إيران قوة عسكرية معتبرة في الشرق الأوسط.
يبدو أن أمريكا تنبهت بشكل واضح في هذه الحقبة للأخطار التي تلوح في الأفق، إذ اتضحت بصورة متصاعدة الهوة بين نظام الشاه والشارع الإيراني، وهو ما وضع استدامة النظام في ظل غضب الشارع محل بحث وتخطيط في البيت الأبيض لأعوام مقبلة، لكن بدرجات متفاوتة بحسب تقارب أو تباعد الرؤساء الأمريكيين مع نظام الشاه.
جونسون والمبيعات العسكرية
في فترة رئاسة ليندون جونسون (الديمقراطي) (1963 - 1969)، مضت العلاقات بين البلدين قوية ووثيقة بين الشاه والرئيس الذي اعتبر شاه إيران ركيزة قوية ومهمة لخدمة المصالح الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط. وعلى العكس من كنيدي، لم يتحفظ جونسون على مبدأ المبيعات العسكرية لإيران، بل دعمها، ولم يبد مخاوف أو تحفظات أو شروطاً، عكس العادة الأمريكية في ربط المساعدات المقدمة للدول بالتقييم الأمريكي لملفات الحريات بحسب الحاجة، حول تعامل نظام الشاه مع حقوق الإنسان.
"الثورة البيضاء" التي أطلقها شاه إيران محمد رضا بهلوي عام 1963 رفعت شعار تحديث البلاد ودعمها لتكون إيران قوة عالمية يعتد بها. وسواء أكانت رغبة الشاه في تحديث البلاد وتقويتها حقيقية أم واجهة أنيقة لإحكام قبضته ووأد أية احتجاجات أو اعتراضات من الشعب في مهدها، إلا أنه جرى اتخاذ خطوات في مجالات مختلفة مثل إعادة توزيع الأراضي، والقضاء على الأمية، ومنح المرأة حق التصويت، وهو ما فاقم غضب رجال الدين وعلى رأسهم آية الله الخميني، الذي جرى نفيه إلى العراق لاحقاً.
الإدارة الأميركية من جهتها، دعمت ثورة الشاه "البيضاء"، واعتبرتها، بحسب وثائق "مكتب المؤرخ" الحكومي الأمريكي جهداً تحديثياً حاسماً يهدف إلى منع التوسع الشيوعي، وتعزيز تحالف مستقر متحالف مع الغرب في المنطقة، كذلك اعتبرتها الإدارة الأمريكية في ذلك الحين، سبيلاً إلى استقرار إيران، حتى وإن أدت إلى إمعان الشاه في مزيد من "الديكتاتورية"، وتفاقم المعارضة، وكلاهما ساعد في سقوط الشاه بعد أعوام قليلة.
نيكسون واستراتيجية العلاقة
من جهته، مضى الرئيس ريتشارد نيكسون (الجمهوري) (1969 - 1974) قدماً في اعتناق مبدأ العلاقة الاستراتيجية الوثيقة مع الشاه، واعتبره عامل استقرار مهماً وحاسماً في منطقة الخليج العربي، إضافة إلى كونه حليفاً محورياً في مواجهة ومكافحة الشيوعية.
وبحسب "مؤسسة ريتشارد نيكسون" الثقافية، قدم نيكسون "شيكاً على بياض" لمبيعات الأسلحة الأميركية لإيران عام 1972، وذلك دعماً لجهود الشاه في تحديث وتطوير وتقوية الحليفة إيران، ومستغلاً استقرار أسعار النفط الإيراني في الحرب الباردة.
يشار إلى أن شاه إيران اتخذ موقفاً مغايراً تماماً لموقف الدول العربية إبان حرب أكتوبر/ تشرين الأول عام 1973، فكانت إيران الدولة الوحيدة في المنطقة التي رفضت حظر تصدير النفط إلى دول الغرب، مستغلة الأزمة لزيادة إنتاجها ومعتبرة النفط "سلعة اقتصادية لا سلاحاً سياسياً".
فورد و"شيك على بياض"
ومن نيكسون إلى الرئيس جيرالد فورد (الجمهوري) (1974 - 1977)، استمر تعامل الإدارة الأمريكية مع إيران باعتبارها الحليف الاستراتيجي، والدولة التي تحصل على الأسلحة الأمريكية بوتيرة "شيك على بياض" التي دشنها نيكسون، لكن من دون عنصر الدفء في العلاقة الشخصية التي جمعت الشاه ونيكسون. كذلك توترت العلاقة بين البلدين لأسباب عدة، أبرزها الخلاف على أسعار النفط، وملاحظات أبداها الكونغرس على ملف حقوق الإنسان في إيران، وتعثر المفاوضات الخاصة بالتكنولوجيا النووية.
وقد بذلت إدارة الرئيس فورد جهوداً في التفاوض مع إيران للوصول إلى اتفاق نووي لبيع المفاعلات لها، ومطالبتها بضوابط أكثر صرامة من تلك الواردة في معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، وهو ما رفضه الشاه باعتباره انتهاكاً لسيادة إيران.
كارتر والتقلبات
ومع قدوم الرئيس جيمي كارتر (الديمقراطي) (1977 - 1981)، بدأت الأمور تتغير والمجريات تتطور بشكل غير مسبوق في العلاقة بين البلدين. بدأ كارتر ولايته بأمارات استمرار التحالف القوي والوثيق مع شاه إيران، حتى إنه وصف إيران في خطاب شهير ألقاه في أثناء زيارة طهران قبل سقوط الشاه ببضعة أشهر، وذلك في ديسمبر عام 1977، بأنها "جزيرة استقرار في إحدى أكثر مناطق العالم اضطراباً"! بعد أشهر، سقط الشاه.
قبل سقوط الشاه بأشهر، تحدث كارتر غير مرة عن الوضع "غير المرضي" لحقوق الإنسان في إيران، وحثّ الشاه على اتخاذ خطوات تضمن مزيداً من الحرية والإصلاح في الداخل الإيراني، وبينما نظام الشاه يشهد ضعفاً متسارعاً عام 1978، بدا أن الرئيس كارتر وإدارته ترددا كثيراً في طريقة التعامل مع ما يحدث في إيران. وبحلول نوفمبر/ تشرين الثاني عام 1978 كان واضحاً للسفير الأمريكي لدى إيران ويليام سوليفان أن قبضة الشاه على السلطة ضعفت كثيراً، وعلى رغم ذلك استمر كارتر في التعبير عن الدعم للشاه، سراً وعلانية.
انتقادات كثيرة وجهت إلى كارتر وإدارته متهمة إياهما بالتردد أو الضعف أو عدم القدرة على قراءة المشهد الإيراني وخطورة ما كان يجري من أحداث أدت إلى نجاح الثورة الإسلامية وسقوط الشاه.
مستشار كارتر للأمن القومي زبيغنيو بريجنسكي نفسه وصف ما حدث في هذا الفصل من العلاقة بأنها "نكسة جيوسياسية رئيسة" لكارتر. لم تر، أو ربما أساءت الإدارة الأميركية تقييم أثر وأخطار الاستياء الواسع بين الإيرانيين المتضررين جراء الأوضاع الاقتصادية، والتجار، والطلاب. كذلك قللت من أخطار نمو شعبية آية الله الخميني، الذي كان قد ترك منفاه في العراق وانتقل إلى باريس.
وشهدت إيران أعمال عنف وقلاقل، وسقطت أربع حكومات متوالية، إلى أن غادر الشاه إيران في عام 1979، وتولى الخميني القيادة، وذلك على رغم عدم تنازل الشاه رسمياً عن الحكم، إلا بعد استفتاء جرى أبريل/ نيسان من العام نفسه.
سافر الشاه إلى كل من مصر والمغرب وجزر البهاما والمكسيك، وذلك قبل وصوله إلى أمريكا في أكتوبر 1979 لتلقي العلاج من سرطان الغدد الليمفاوية، وبعد أسبوعين، وقعت أزمة الرهائن.
استولى طلاب إيرانيون معارضون لنظام الشاه ومؤيدون للخميني على السفارة الأمريكية في طهران، واحتجزوا نحو 50 أمريكياً كرهائن، وطالبوا بتسليم الشاه لإيران في مقابل الإفراج عن الرهائن، وهو ما رفضته أمريكا. وغادر الشاه إلى بنما، ومنها إلى القاهرة حيث منح حق اللجوء من الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات.
أزمة الرهائن التي استمرت 444 يوماً كانت وستظل علامة فارقة في العلاقة بين أمريكا وإيران، أو بالأحرى جمهورية إيران الإسلامية. كانت وما زالت بداية فصل لم ينته من العداء والعقوبات والحروب الدامية، ومنها حرب إيران الدائرة اليوم.
وتشير الوثائق إلى أن إدارة الرئيس كارتر لم تمتثل أو تتصرف على أساس ما جاءها من معلومات من سفارتها في طهران، لا سيما أنه قد جرى إبلاغه بشكل واضح أنه إذا سمحت أمريكا للشاه بدخول أمريكا لتلقي العلاج، فسيتم الاستيلاء على السفارة، وعلى رغم ذلك سمح كارتر للشاه بالدخول والعلاج، مما أثار غضب الإيرانيين المؤيدين للخميني، وكان ذلك قبل الهجوم على السفارة الأمريكية في طهران بأسابيع معدودة.
شنت إدارة الرئيس كارتر العملية الكارثية المعروفة باسم "مخلب النسر" بغرض تحرير الرهائن، التي كانت كارثية من ألفها إلى يائها. جرى تنفيذ العملية يومي الـ24 والـ25 من أبريل عام 1980، لكن أدت عواصف رملية وأعطال ميكانيكية وتصادم طائرات إلى مقتل ثمانية جنود أمريكيين وفشل المهمة تماماً، وذلك في صحراء طبس في إيران، وهو ما أدى إلى تدهور مكانة وشعبية كارتر، ناهيك بتدهور سمعة الحزب الديمقراطي برمته، وتنامي حال السخط في المجتمع الأمريكي.
تحرير الرهائن وريغان
وجرى تحرير الرهائن في العام التالي، تحديداً يوم الـ20 من يناير/ كانون الثاني عام 1981، بعد 444 يوماً من الاحتجاز، وعقب انتهاء الرئيس رونالد ريغان (الجمهوري) (1981 - 1989) من إلقاء خطاب التنصيب بعد فوزه على كارتر.
واعتبر التوقيت إهانة وإحراجاً مقصودين لكارتر وإدارته، وجرى الإفراج عن الرهائن في مقابل إلغاء تجميد الأصول الإيرانية، وتعهد أميركا بعدم التدخل في شؤون إيران، وذلك بحسب بنود "اتفاقيات الجزائر".
وتعمق فصل العداء العميق بين البلدين في ظل فترتي رئاسة ريغان، إذ الثورة الإسلامية وأيديولوجيتها القائمة على العداء الشديد للغرب، وعلى رأسه أميركا. وقوبل العداء الإيراني بمشاعر أميركية شعبية مشابهة، وذلك جراء مشاهد الاستيلاء على السفارة، واحتجاز الرهائن لـ444 يوماً كاملة، وفشل عملية تحريرهم، وهو ما ترك أثراً بالغ السلبية في نفوس كثيرين في أمريكا حتى اليوم.
وشاءت الأقدار أن لا يمضي فصل العداء الطويل سلساً، فقد لطخت فضيحة "إيران كونترا" رئاسة ريغان، التي كشفت عن سماح ريغان ببيع أسلحة إلى إيران سراً، في مقابل تسليم مواطنين أميركيين خطفوا في لبنان من قبل ميليشيات موالية لإيران، وذلك على رغم الحظر العلني المفروض على بيع الأسلحة لإيران، وهي الأسلحة التي كانت تحتاج إليها طهران بشدة للمضي قدماً في حربها ضد العراق.
لم تتوقف الفضيحة عند هذا الحد، بل كشفت الوثائق عن "أسعار مرتفعة" فرضتها أميركا على الأسلحة، وجرى تحويل المبالغ الإضافية إلى قوات "الكونترا" التي كانت تحارب حكومة حركة ساندينيستا اليسارية في نيكاراغوا.
يشار إلى أن كل تفاصيل "إيران كونترا" تحتوي على خروقات للقانون والسياسة الخارجية الأميركيين، سواء بيع الأسلحة لإيران، أو دفع فدى مقابل مخطوفين أمريكيين، أو تعدي الحد الذي سمح به الكونغرس لتمويل قوات "الكونترا".
بوش الأب وخلفية الاستخبارات
وخلف ريغان، الرئيس جورج بوش "الأب" (الجمهوري) (2001 - 2009) الذي جاء محملاً بعلاقة وثيقة وطويلة مع إيران، فقد شغل بوش منصب مدير "سي آي أي" في فترة بالغة الأهمية (1976 - 1977)، وتمكّن من إقامة علاقات وطيدة ووثيقة مع الاستخبارات الإيرانية وقت حكم الشاه.
وعلى رغم ارتباط اسم ريغان بفضيحة "إيران كونترا"، فإن الرئيس بوش كان نائباً لريغان في هذا الوقت، ويعتبره كثيرون مشاركاً في ما قامت به الإدارة الأمريكية من بيع الأسلحة سراً لإيران مقابل تحرير الرهائن، وأبقى بوش على أسس العداء الشديد والحذر البالغ تجاه العلاقة مع إيران.
هدنة كلينتون
الرئيس بيل كلينتون (الديمقراطي) (1993 - 2001) أبقى على التوتر الشديد في علاقة بلاده بإيران، مع فترات استثنائية لمحاولات تقارب. فرضت الإدارة الأمريكية عقوبات واسعة على إيران في 1995، فحظرت تجارة النفط والاستثمار مع إيران بسبب اتهامات بدعم الإرهاب، وجرى تشديدها لاحقاً بقانون العقوبات على إيران وليبيا.
وصول الرئيس الإيراني الذي وصف بـ"الوسطي" محمد خاتمي دفع كلينتون إلى تجربة مسار أقل عداءً وأكثر تقارباً مع إيران. وصف كلينتون خاتمي بـ"الشجاع"، وبدت علامات تدل على إمكان حدوث تحسن ما في العلاقة بين الدولتين اللدودتين، وخفف كلينتون بعض العقوبات، وفي المقابل، قال خاتمي إن التفاوض مع أمريكا ليس من المحرمات.
ولم يقدر لجهود التقارب أن تصل إلى ما هو أبعد من ذلك، فقد وقعت تفجيرات أبراج الخبر في السعودية عام 1996، وأسفرت عن مقتل 19 طياراً أمريكياً، وجرى توجيه أصابع الاتهام إلى مسلحين مدعومين من إيران، وهو ما أدى إلى عودة إلى مربع التوتر صفر، وعلى رغم ذلك، لم ترد أمريكا رداً عسكرياً مباشراً.
وفي مارس/ آذار 2000، كان العالم على موعد مع اعتذار تاريخي نادر. خرجت وزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت تعتذر عن دور أمريكا في الانقلاب الذي أطاح رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق عام 1953، وذلك على ما يبدو في محاولة لتخفيف حدة التوتر بين البلدين.
وعلى رغم خطوات إدارة الرئيس بيل كلينتون ومحاولاتها للتهدئة مع إيران، فإن تغيرات كبرى لم تطرأ على العلاقة المتوترة بينهما، وإن كان قد مهدت لمحاولات أخرى بذلت في أعوام لاحقة.
كثير من القلق
الأعوام اللاحقة التي شغل فيها جورج بوش (الجمهوري) (2001 - 2009) منصب الرئيس لم تشهد أية محاولات في هذا الشأن بكل تأكيد. توتر شديد، وعداء مباشر، وشر مطلق مثلت مفهوم الإدارة الأمريكية لإيران، وهو ما تجسّد واضحاً في إطلاق الرئيس بوش الابن مسمى "محور الشر" الذي يضم كلاً من إيران وكوريا الشمالية والعراق، الذي يجمع بينها امتلاك أسلحة الدمار الشامل، ودعم الإرهاب بحسب إدارة بوش الابن.
اتهم بوش إيران غير مرة بزعزعة استقرار الشرق الأوسط، وتقديم الدعم والتدريب لـ"الجماعات الإرهابية والمسلحة" في المنطقة، وبذلت الإدارة الأميركية جهوداً وضغوطاً من أجل كبح جماح إيران النووي وتصرفاتها "اللاعقلانية" في هذا الشأن.
هذه المرة، لوّحت إيران بمحاولة تهدئة أو تقارب عبر الحوار، وشمل ذلك رسالة جرى توجيهها للرئيس الأمريكي، إلا أن الإدارة الأمريكية رفضت هذه المبادرات الإيرانية، معتبرة الخيار الأفضل والأوحد تغيير النظام في إيران، واستبدال نظام ديمقراطي به باعتباره الحل الوحيد الذي يمثل أقل تهديد لأميركا.
يشار إلى أن بوش الابن كشف في مذكراته "نقاط القرار" التي صدرت عام 2010 عن أنه أمر البنتاغون بإعداد خطط عسكرية لمهاجمة المنشآت النووية الإيرانية، وذلك لإجهاض طموحها النووي، كذلك بحث مع فريقه للأمن القومي خيارات الضربات العسكرية ضد إيران.
هدنة التقاط الأنفاس سمحت بها فترتا الرئيس باراك أوباما (الديمقراطي) (2009 - 2017)، وعلى رغم استمرار العقوبات، فإن عهد أوباما شهد تكثيفاً للجهود الدبلوماسية بين البلدين بصورة غير مسبوقة منذ عام 1979.
الاتفاق "المروع" وأوباما
أدت سياسة عهد أوباما إلى تكثيف العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران بصورة غير مسبوقة منذ عام 1979. عام 2012، وبعد محادثات سرية، جرى توقيع اتفاق بين "مجموعة 5+1" (الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن، إضافة إلى ألمانيا)، وإيران حول برنامجها النووي، بمقتضاه، وافقت إيران على قبول القيود المفروضة على تخصيب اليورانيوم وتخزينه، وإغلاق أو تعديل منشآت في مواقع نووية عدة والسماح بزيارات المفتشين الدوليين لها، وقد أثار الاتفاق كثيراً من الجدل والخلاف السياسي في الداخل الأمريكي.
يشار إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قال في الأيام الأولى من حرب إيران، إنه لو لم ينه "اتفاق باراك أوباما النووي المروع"، لكانت إيران قد امتلكت سلاحاً، وأشار إلى أن "الديمقراطيين اليساريين المتطرفين يتذمرون من الهجوم الضروري الذي شنته واشنطن وتل أبيب على إيران"، لكن "لو لم نهاجم إيران لانتقدنا الديمقراطيون مطالبين بالتحرك فوراً".
ترمب في الفترتين
وعلى رغم التصريحات المتضاربة في شأن حرب إيران، ووجود مفاوضات معها من عدمه، والهدف المرجو من الحرب، فإن فترتي رئاسة ترمب تتسمان بالاتساق في ما يختص بماهية العلاقة مع إيران.
الفترة الأولى (2017 - 2021) شهدت عودة مؤكدة إلى العداء الشديد والضغط الأقصى على إيران. بين انسحاب من الاتفاق النووي عام 2018، واغتيال القائد السابق لـ"فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني في بغداد عام 2020، وتكرار عبارات التهديد والإنذار، سارت الفترة الرئاسية الأولى لترمب على خط مستقيم لا يختلف كثيراً عن الوضع الراهن، باستثناء تفعيل التهديد وترجمة الإنذار إلى حرب.
فاصل بايدن
الفاصل بين الفترتين تمثل في رئاسة جو بايدن (الديمقراطي) (2021 - 2025)، وهو الذي حاول العودة إلى السبل الدبلوماسية بين البلدين. محاولة لإحياء الاتفاق النووي مع استمرار العقوبات الاقتصادية، وتبني نهج أقل حدة من سلفه (وكذلك خلفه) ترمب، بذلت إدارة الرئيس السابق بايدن جهوداً لحلحة حال التوتر المزمنة بين البلدين. وعلى رغم ذلك لم يتوان عن التلويح بـ"خيارات أخرى"، في حال لم تنجح الدبلوماسية في حل الأزمة النووية الإيرانية، وذلك في عام 2021.
لكن عام 2023 أتمت الدولتان صفقة تبادل سجناء، شملت الإفراج عن خمسة مواطنين أميركيين مقابل خمسة إيرانيين، مع تحويل 6 مليارات دولار من الأموال الإيرانية المجمدة في كوريا الجنوبية إلى حسابات في قطر لشراء سلع إنسانية.
في العام التالي 2024 دان بايدن الهجوم الصاروخي الإيراني على إسرائيل، وأكد التزام إدارته دعم أمن إسرائيل، لكنه سعى في الوقت نفسه إلى حث إسرائيل على ضبط الرد على إيران، تجنباً لتصعيد شامل في المنطقة، وتعريض الجنود الأميركيين في الشرق الأوسط للخطر.
الحرب المفتوحة
وتصل محطة العلاقات الأمريكية - الإيرانية إلى حرب إيران المفتوحة على مصراعيها حالياً. تصعيد عسكري مباشر، أهداف غير محددة أو في الأقل غير معلنة، تصريحات متناقضة ربما جزء من حرب نفسية ضد إيران، مجاهرة بالرغبات الأمريكية في تشكيل مستقبل إيران وفي القلب منها برنامجها النووي، خطوات متسارعة إما لإنهاء برنامجها النووي، أو لنزع فتيل قوتها ووكلائها، أو لإضعاف النظام من الداخل، أو لحث الإيرانيين على الثورة، أو كل ما سبق.
أما مستقبل العلاقة بين الدولتين فغامض، ويصعب توقعه، ويستحيل وضع جدول أو تصور زمني له، العبارتان الأكثر تداولاً في شأن المستقبل القريب هما "صراع مستمر" و"عدم يقين كبير". والصورة الكبرى لا تقف عند حدود علاقة أمريكا وإيران، لكن تمتد إلى شرق أوسط جديد جارٍ رسمه وتحديد مصيره.
(اندبندنت عربية)