15 إبريل 2026
15 إبريل 2026
يمن فريدم-إنجي مجدي


في تسعينيات القرن الماضي، وبينما كان يرفض الديكتاتور العراقي السابق صدام حسين التراجع عن غزو الكويت، أصدر مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحد في السادس من أغسطس/ آب 1990، القرار رقم 661 الذي انطوى على فرض عقوبات اقتصادية شاملة على العراق أدت لعزلته عن الاقتصاد العالمي، فتم حظره تجارياً وعزله عن النظام المالي، وتم فرض حظر على النفط والأسلحة وتجميد الأصول العراقية في الخارج وحتى تعليق الرحلات الجوية.

شملت العقوبات على صدام حسين حصاراً بحرياً وجوياً بموجب قرار لاحق رقم 670 صدر في سبتمبر/ أيلول 1990. واستمرت العقوبات الخانقة على العراقيين 13 عاماً حتى الغزو الأميركي للعراق في 2003وسقوط نظام صدام حسين، وكان لها آثار كارثية على المستوى الاقتصادي والإنساني حتى إنه بحلول عام 1998، كان ثلث أطفال العراق يعانون سوء تغذية مزمناً ونحو 70% من النساء يعانين فقر الدم، وفق منظمة "اليونيسيف" التابعة للأمم المتحدة، وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو مليوناً ونصف المليون شخص بينهم نصف مليون طفل فقدوا حياتهم جراء قسوة الأوضاع المعيشية الناتجة من العقوبات، وقدرت خسائر العراق الاقتصادية بمئات المليارات من الدولارات.

وأظهرت بيانات البنك الدولي أن نمو الناتج المحلي الإجمالي للعراق انهار من 57.8 % عام 1990 إلى سالب 64 % عام 1991، وانخفضت الواردات والصادرات بصورة حادة، وتراجع إنتاج النفط إلى أقل من 14% من مستواه السابق، مما أدى إلى خسائر كبيرة في الإيرادات.

تلك الآلية الدولية في استخدام الحصار الاقتصادي تعود إلى أكثر من ألفى سنة، وتحديداً إلى عام 432 قبل الميلاد، عندما أسست إمبراطورية أثينا أول نظام عقوبات اقتصادية كأداة حرب استخدمتها آنذاك ضد مدينة ميغارا الحليفة لأسبرطة، عبر ما يعرف بـ"مرسوم ميغارا" الذي انطوى على فرص حظر تجاري شامل على المدينة لإخضاعها لمطالب الإمبراطورية، حيث منع بموجبه تجار ميغارا من دخول أسواق أثينا وحظر استخدام موانيها.

حصار هرمز

وهكذا يرغب الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، فرض حصار مماثل على النفط الإيراني عبر مضيق هرمز، فبدلاً من استخدام النظام الإيراني المضيق الذي يمر عبره نحو 20% من إنتاج النفط العالمي، كسلاح حرب، حيث قام بغلقه للضغط على الولايات المتحدة لوقف الحرب، فإن ترمب يسعى الآن إلى استخدام السلاح نفسه ضد النظام في طهران.

وبعد محادثات السلام التي جرت، السبت والأحد، في باكستان بين الولايات المتحدة وإيران، وانتهت من دون التوصل إلى اتفاق، أعلن ترمب أن البحرية الأميركية ستفرض حصاراً في مضيق هرمز. وكتب الرئيس الأمريكي في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي "اعتباراً من الآن، ستبدأ البحرية الأمريكية، الأفضل في العالم، عملية فرض حصار على أي وجميع السفن التي تحاول الدخول إلى مضيق هرمز أو مغادرته". وأضاف "في مرحلة ما، سنصل إلى وضع يسمح فيه للجميع بالدخول، ويسمح فيه للجميع بالخروج".

جاء هذا التصريح في وقت توقفت فيه حركة الملاحة في المضيق بصورة شبه كلية لأكثر من شهر، وسط ضربات إيرانية على سفن تجارية في المنطقة. وبينما سمح النظام الإيراني لبعض السفن بالمرور عبر الممر المائي، ربما مقابل رسوم، فإنه استخدم سيطرته على المضيق، بما في ذلك التهديد بزراعته بالألغام، لتعطيل الاقتصاد العالمي والضغط على إدارة ترمب.

وفق بيان القيادة المركزية الأمريكية، المعروفة باسم "سنتكوم" الأحد فإن الحصار سيطبق "بصورة محايدة على سفن جميع الدول الداخلة إلى الموانئ الإيرانية أو المغادرة منها، وكذلك المناطق الساحلية، بما في ذلك جميع الموانئ الإيرانية في الخليج العربي وخليج عمان".

وقف تدفق النفط الإيراني

الخطوة الأمريكية تمثل تحولاً في النهج الذي اتبعته إدارة ترمب في بداية الحرب عندما سمحت برفع محدود للعقوبات عن النفط الإيراني للحد من الضغط على أسعار الطاقة العالمية. ففي رد على استفسار سابق لـ"اندبندنت عربية"، في شأن كيفية التعامل مع عائدات النفط الإيراني المرفوع عنه العقوبات، والتي سيتم ضخها في خزانة النظام الإيراني نفسه الذي تحاربه واشنطن، استدل مسؤول من وزارة الخزانة الأمريكية الذي تحدث شريطة عدم ذكر اسمه، بتصريحات الوزير سكوت بيسنت، بأن إيران كانت تبيع النفط بالفعل للصين وتتحصل على إيراداته.

والشهر الماضي أعلن وزير الخزانة الأمريكي أن الولايات المتحدة سمحت لناقلات النفط الإيرانية بعبور المضيق للحفاظ على الإمدادات العالمية، ورفعت الولايات المتحدة موقتاً العقوبات عن النفط الإيراني في البحر، مما سمح ببيعه لمعظم الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، لمدة شهر.

وقد دعا بعض المحللين الاقتصاديين الولايات المتحدة إلى وقف تدفق النفط الإيراني كوسيلة لإنهاء سيطرة إيران الفعلية على المضيق. وفي تعليقات لـ"نيويورك تايمز"، جادل روبن جي. بروكس، الزميل البارز في معهد بروكينغز، بأن اعتماد إيران على صادرات النفط يعني أنها لن تكون قادرة على تحمل الاستمرار في مهاجمة السفن إذا تعرض اقتصادها لضربة. وقال الأحد في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي إن الحصار "يدمر نموذج أعمال إيران".

ويقول المتخصص في مجال القانون البحري الدولي في الكلية الحربية البحرية الأمريكية وأستاذ زائر في كلية الحقوق بجامعة هارفرد جيمس كراسكا إن مثل هذا الحصار يلحق ضرراً اقتصادياً بإيران ومن شأنه أن يضعف قدرتها على مواصلة القتال على المدى الطويل عبر حرمانها من القدرة على تصدير النفط وكسب الإيرادات. وفي الوقت نفسه قد يضع أيضاً دولاً تعتمد على النفط الإيراني، مثل الصين التي تعتمد ثلث واردتها من النفط على مضيق هرمز، في موقف صعب.

ضربة بارعة

ربما يستهدف ترمب إحداث ضغط وإثارة انتفاضة داخلية على غرار ما حدث في الحالة العراقية، إذ أدت الأوضاع القاسية في الداخل جنباً إلى جنب مع القمع السياسي، حيث كان صدام هُزم في حرب الكويت، إلى انتفاضات الشيعة في الجنوب والأكراد في الشمال. شجع هذه الثورات خطاب الرئيس الأمريكي الراحل جورج بوش الأب، الذي دعا في فبراير/ شباط 1991 العراقيين إلى "أخذ زمام الأمور بأيديهم، وإجبار صدام حسين الديكتاتور على التنحي".

ومع ذلك، فإن الانتفاضة التي بدأت بصورة عفوية وسريعة تمكن خلالها المحتجون من السيطرة على عديد من المدن، سرعان مع تم إخمادها بالوسائل العسكرية العنيفة، مما أدى إلى مقتل عشرات الآلاف وتهجير أعداد كبيرة، بخاصة من الجنوب، لكن في الشمال نجح الأكراد لاحقاً في ترسيخ نوع من الحكم الذاتي.

نجح النظام الإيراني حتى الآن في قمع انتفاضة مماثلة. فالاحتجاجات الشعبية التي ضجت البلاد مطلع العام الحالي تم سحقها بقوة، حيث تفيد تقارير حقوقية بمقتل أكثر من 30 ألف شخص. وعندما اندلعت الحرب وتم قتل رؤوس كبار القادة الإيرانيين، بمن في ذلك المرشد الأعلى، كان الرئيس الأمريكي يراهن على انتفاضة شعبية واسعة تسقط النظام، غير أن النظام سبق وسرعان ما قام بعمليات اعتقال وإعدام في حق المعارضين وممن احتفوا بقتل المرشد الأعلى آية الله على خامنئي، وهو ما أكدته المحامية الحقوقية الحائزة جائزة نوبل للسلام شيرين عبادي في مقابلة مع "اندبندنت عربية" مطلع الشهر الجاري.

وفي مارس الماضي حذر قائد الشرطة الإيرانية أحمد رضا رادان المواطنين من التظاهر للمطالبة بتغيير النظام. وقال في التلفزيون الرسمي للدولة إن "أي شخص يخرج إلى الشوارع بناءً على طلب العدو لن نعتبره بعد الآن محتجاً، بل سنراه عدواً ونتعامل معه على هذا الأساس"، مضيفاً "جميع قواتنا على أُهبة الاستعداد وأصابعها على الزناد".

من جانب آخر، يراهن المسؤولون الإيرانيون على الضغط الذي سيواجهه ترمب نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة، حيث كتب رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين محمد باقر قاليباف منشور الأحد يقول "استمتعوا بأسعار الوقود الحالية. مع ما يسمى "الحصار"، ستشتاقون قريباً إلى البنزين بسعر 4 إلى 5 دولارات"، لكن الرئيس الأمريكي يراهن في الوقت نفسه على تصاعد الضغط الاقتصادي داخل إيران فيما يشبه لعبة شد الحبل بين الطرفين.

وقال كبير محللي النفط في "أكس أنلسيس" موكيش ساهديف لشبكة "سي أن بي سي" إن الولايات المتحدة ينبغي في نهاية المطاف أن تكون أكثر قدرة على تحمل ارتفاع أسعار الغاز والنفط مقارنة بقدرة إيران على تحمل ضربة كبيرة لدخلها من الصادرات. وأضاف أنه في حال نجاح الحصار فقد يثبت أنه "ضربة بارعة" في الصراع مع إيران.

مفارقة بين العراق وإيران

ثمة مفارقة لافتة في هذا الصدد، ففي حين تم فرض حصار اقتصادي كامل على العراق بموجب توافق دولي وتصويت داخل مجلس الأمن بغالبية 14 صوتاً مقابل صوت واحد من كوبا. في المقابل، لا يلقى الحصار الأمريكي الذي يسعى ترمب إلى فرضه، دعماً دوليا.

وقد فشل المجلس الدولي في تمرير مشروع قرار اقترحته البحرين بالتنسيق مع دول مجلس التعاون الخليجي والأردن الأسبوع الماضي، يطالب إيران بالوقف الفوري لجميع الهجمات ضد السفن التجارية وأي محاولة لعرقلة المرور العابر أو حرية الملاحة في مضيق هرمز، ووقف الهجمات على البنية التحتية المدنية، بما في ذلك البنية التحتية للمياه ومحطات تحلية المياه، وكذلك منشآت النفط والغاز.

طرح المشروع للتصويت في الثالث من أبريل، لكن الخلافات المستمرة دفعت البحرين إلى تأجيل التصويت لمواصلة المشاورات، حيث خضع النص لتعديلات كبيرة قبل طرحه للتصويت.

واكتفت النسخة التي جرى التصويت عليها بالنص على "تشجيع قوي" للدول التي تستخدم مضيق هرمز على تنسيق جهودها الدفاعية للمساهمة في ضمان الملاحة الآمنة في المضيق، بعد اعتراض روسيا والصين على نص المشروع الأصلي الذي يمنح الدول تفويضاً باستخدام "جميع الوسائل اللازمة"، استناداً إلى الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، والتي تعني إمكان أن تشمل العمل العسكري لضمان المرور عبر الممر المائي الحيوي وردع أي محاولات لإغلاقه، وتضمنت استعداد المجلس لفرض تدابير، بما في ذلك عقوبات موجهة.

وعلى رغم استجابة البحرين لقلق الأعضاء وقيامها بإزالة ما يشير إلى الفصل السابع، فإن روسيا والصين استخدمتا حق الرفض "الفيتو" ضد مشروع القرار، بعدما أبقى المقترح على مضمون يسمح باستخدام القوة ويعتبر أفعال إيران تهديداً للسلم والأمن الدوليين.

وأثارت فرنسا، بدعم من اليونان، مخاوف في شأن نطاق استخدام القوة، مطالبة بقصره على الأغراض الدفاعية، وطالبت المملكة المتحدة بصياغة أكثر وضوحاً. وفي موازاة ذلك، أعدت فرنسا مشروعا بديلاً تضمن دعوات لخفض التصعيد والعودة إلى الدبلوماسية، وقد أدرجت بعض عناصره في النص الحالي.

ويرى المحاضر لدى كلية دراسات الأمن التابعة لجامعة كينغز كوليدج لندن أندرياس كريغ أن الحصار الذي تفرضه واشنطن قد لا يكون فقط خطوة عالية الأخطار، بل أيضاً محل جدال من الناحية القانونية. ويشير إلى أن الحصار يعد إحدى أكثر الأدوات تصعيداً يمكن لدولة استخدامها في البحر، وتعتمد شرعيته على السياق والتناسب والتمييز، وكذلك على طبيعة حال النزاع المسلح القائمة.

(اندبندنت عربية)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI