منذ أكثر من عقد على اندلاع الحرب في اليمن، تتوالى تحذيرات المنظمات الدولية العاملة في البلاد من تفاقم الجوع وتفشي الأمراض وتدهور الأوضاع الإنسانية، فيما تختزل مأساة ملايين اليمنيين، عاماً بعد آخر، في أرقام وإحصاءات وكان آخر هذه التحذيرات ما أطلقه برنامج الأغذية العالمي أمس الجمعة في شأن تسارع أزمة الجوع في اليمن وبلوغها مستويات قياسية، إثر تصاعد القتال في عدة مناطق، بالتوازي مع موجة نزوح واسعة فرضتها سيطرة ميليشيات الحوثيين على المديريات الساحلية على البحر الأحمر، واحتدام هجماتها على موقع متعددة في محافظتي تعز ولحج.
مخيمات النزوح.. الوجه الأكثر هشاشة لأزمة الغذاء
في مخيمات النزوح، حيث يعيش ملايين اليمنيين ظروفاً إنسانية هشة، وتبدو تداعيات أزمة الغذاء أكثر قسوة، خصوصاً على الأطفال، حيث وثقت عدسة "اندبندنت عربية " حالات سوء تغذية بين أطفال دون الخامسة في عدد من المخيمات.
داخل مسكن من القش والصفائح الخشبية في شمال غربي اليمن، تجلس النازحة اليمنية فاطمة محمد (38 سنة) على سرير متهالك، تحتضن طفلها الباكي الذي بدت عليه بوضوح آثار النحول والهزال في مشهد يختزل تفاصيل أزمة سوء التغذية الشديد التي تطارد أطفال المخيمات ويعانيها نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة من سوء التغذية الحاد، بمن فيهم 500 ألف طفل يعانون سوء التغذية الحاد الوخيم، وهو أكثر أشكال سوء التغذية خطورة على الحياة بحسب تقرير الغذاء.
النزوح من القرية
لم تكن مغادرة القرية بالنسبة إلى فاطمة مجرد انتقال مكاني، بل بداية ورحلة امتدت لأعوام من الشتات والنزوح فعقب اشتداد المواجهات في مديرية حرض الواقعة شمال غربي البلاد بين قوات الحكومة الشرعية والميليشيات الحوثية اضطرت فاطمة برفقة أطفالها إلى الفرار نحو مديرية حيران المجاورة، هرباً من جحيم الحرب على أمل أن يكون النزوح موقتاً، لكن الحرب فرضت واقعها المرير، فتحول ما كان موقتاً إلى شبه دائم، كون هذه المناطق خاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية وتشهد هذه المناطق حصاراً من قبل الحوثيين وعزل ومنع الناس من التحرك وقطع الطريق التي توصل هذه المناطق بباقي الأراضي اليمنية.
الحياة في النزوح
تسترجع فاطمة شريط النزوح المرير بكلمات تثقلها مرارة المعاناة، قائلة "تعبنا، وأطفالنا تعبوا، نحن معذبون، منذ اليوم الأول لفرارنا من منازلنا لم نلقَ سوى الأذى والتعب. هجمت علينا الحرب، وأطفالنا لا يحتملون أصوات الصواريخ والانفجارات، مما أجبرنا على الهرب الاضطراري في ظروف طارئة".
تختزل فاطمة واقع الحياة داخل المخيمات الموقتة التي تفتقر لأدنى مقومات الحياة اليومية بوصفها "صعبة جداً جداً"، مشيرة إلى أن تبعات الفرار تحت وطأة القصف لم تتوقف عند فقدان المسكن، بل امتدت لتطاول الصحة الجسدية والنفسية لأطفالها الذين باتوا يواجهون تبعات سوء التغذية والحرمان في بيئة نزوح قاسية.
قراءة إنسانية في تحذيرات الغذاء
محللون ومتخصصون في العمل الإنساني أكدوا أن التقرير الأخير لبرنامج الأغذية العالمي يعكس مؤشرات مقلقة تتجاوز أزمة الغذاء إلى تداعيات أوسع مرتبطة بالنزوح وفقدان مصادر الدخل وارتفاع الأسعار ونقص التمويل، محذرين من أن تأخر الاستجابة، خصوصاً للأسر النازحة حديثاً، قد يدفعها إلى تبني آليات تكيف تزيد من أخطار الجوع وسوء التغذية.
أحمد الصوفي، مسؤول حماية ومتخصص في العمل الإنساني رأى أن "تحذير برنامج الأغذية العالمي في شأن تدهور الأمن الغذائي في اليمن مهم جداً ويقترب بدرجة كبيرة من الواقع الميداني، خصوصاً مع موجة النزوح الجديدة وأن الأزمة لا تتعلق بالغذاء وحده إذ تصل الأسرة النازحة إلى مكان جديد بعدما تكون قد فقدت مصدر دخلها ومسكنها وجزءاً من ممتلكاتها، وأحياناً وثائقها، لتصبح القدرة على تأمين وجبة الطعام جزءاً من أزمة معيشية أوسع".
وأضاف "أن إعلان البرنامج عدم قدرة 74% من الأسر التي شملها الرصد على تلبية حاجاتها الغذائية الأساسية مقلق جداً، خصوصاً في ظل ارتفاع الأسعار وتعطل بعض الطرق والأسواق، تزامناً مع زيادة أعداد النازحين".
وقال الصوفي "إن الأسر النازحة حديثاً لا تستطيع الانتظار طويلاً، إذ تتضاعف حاجاتها خلال الأيام والأسابيع الأولى لتشمل الغذاء والماء والمأوى والعلاج والحماية والمساعدات النقدية"، محذراً من أن تأخر الاستجابة قد يدفع الأسر إلى بيع ما تبقى لديها من ممتلكات أو الاستدانة أو تقليص عدد الوجبات، بما يفاقم الأخطار التي تواجه الأطفال والنساء وبقية أفراد الأسرة.
وأشار إلى أن نقص التمويل يمثل أحد أبرز مصادر القلق، موضحاً أن المشكلة لا تكمن في زيادة الحاجات فحسب، وإنما أيضاً في محدودية الموارد المتاحة للاستجابة، فضلاً عن أن الوضع الأمني وصعوبة الوصول قد يحولان دون وصول المساعدة حتى إلى الأسر التي تحتاج إليها.
ولفت إلى أن تحذير برنامج الأغذية العالمي يجب ألا يقرأ باعتباره تحذيراً من الجوع فحسب، بل مؤشراً إلى سلسلة مترابطة تبدأ بالنزوح وفقدان مصادر الدخل، مروراً بارتفاع الأسعار وصعوبة الوصول إلى الأسواق ونقص التمويل، وتنتهي بزيادة اعتماد الأسر على المساعدات الإنسانية.
ودعا إلى تسريع الاستجابة، خصوصاً للأسر النازحة حديثاً، ومتابعة أوضاعها بصورة مستمرة بدلاً من الاكتفاء بتسجيلها وانتظار وصول المساعدة، مشدداً على ضرورة أن تتناسب طبيعة المساعدة مع ظروف كل منطقة، بحيث تكون المساعدات النقدية أكثر فاعلية، حيث تعمل الأسواق، بينما تصبح المساعدات العينية أكثر أهمية في المناطق التي تعاني تعطل الأسواق أو صعوبة الوصول إليها.
وختم الصوفي بالقول إن الرسالة الأهم في التقرير هي أن الوضع قد يتدهور بسرعة إذا استمر النزوح من دون أن تواكب الموارد حجم الحاجات، مؤكداً أن العاملين في المجال الإنساني "لا يحتاجون إلى انتظار ظهور آثار الجوع بوضوح على الأسر للتحرك"، بل ينبغي التعامل مع المؤشرات الحالية باعتبارها "إنذاراً مبكراً" يستدعي استجابة عاجلة.
إنذار مبكر
من جانبه اعتبر المتخصص في العمل الإنساني، محمد المعزب، أن التحذير الصادر عن برنامج الأغذية العالمي في شأن اليمن يمثل إنذاراً مبكراً لواقع معقد وأخطار متراكمة، وليس تنبؤاً حتمياً بوقوع مجاعة شاملة.
وأوضح المعزب أن التقرير الأممي يستند إلى حزمة من المؤشرات التي تتحرك بالتوازي في الاتجاه نفسه، وفي مقدمها موجات النزوح الواسعة، والارتفاع القاسي في أسعار المواد الأساسية، وانكماش قدرة المواطنين على الوصول إلى الأسواق، فضلاً عن انقطاع طرق الإمداد، وتآكل المخزون الغذائي، وتراجع التمويل الدولي والإنساني.
ولفت المتخصص في العمل الإنساني إلى أن البرنامج لا يتحدث عن سيناريوهات معزولة أو توقعات نظرية، إذ يسهم بالفعل في تقديم مساعدات عاجلة لأكثر من 70 ألف نازح ومستضيف في محافظتي تعز ولحج.
فجوة الرصد وتفاوت الأرقام الميدانية
ومع ذلك، دعا المعزب إلى قراءة الأرقام الواردة في التقرير ضمن حدودها الميدانية، موضحاً أن التقرير الأممي يغطي الأسر التي يسهل الوصول إليها فحسب، مما يجعل تعميم أرقامه على جميع المناطق يفتقر إلى الدقة، مستشهداً بالبيانات الصادرة عن الوحدة التنفيذية التابعة للحكومة اليمنية والتي رصدت أرقاماً أعلى بكثير تجاوزت 200 ألف نازح يتوزعون على 10 محافظات.
وحول الرقم المعلن بوجود 18.3 مليون شخص يعانون انعدام الأمن الغذائي على المستوى الوطني، أوضح المعزب "أن هذا الرقم يعبر عن حجم المشكلة العام، ولا يعني بحال من الأحوال أن جميع هؤلاء على الدرجة نفسها من الخطر أو معرضون لمجاعة وشيكة".
وبحسب المعزب، يكمن جوهر التحذير الأممي في التنبيه من تبعات التصعيد العسكري الذي يهدد بتحويل موجات النزوح الجديدة إلى أزمة غذائية متسارعة، نتيجة الضغط المزدوج الناجم عن تهاوٍ إضافي في القدرة الشرائية للأسر من جهة، وتضييق قدرة المنظمات على إيصال المساعدات من جهة أخرى.
وخلص المتخصص في العمل الإنساني إلى أن المؤشر الأكثر دلالة في التقرير يتمثل في عجز الأسر المرصودة عن تلبية حاجاتها الأساسية وخطر انقطاع الوصول إليها، في ظل فجوة تمويلية حادة تهدد الاستجابة الطارئة، مما يجعل التحذير بمثابة جرس إنذار مبكر يتطلب معالجة سريعة لملفات الوصول والتمويل والأسواق قبل اتساع الفجوة إلى مستويات يصعب احتواؤها.
وقد أظهرت عمليات الرصد الأخيرة التي أجراها البرنامج في المناطق التي يمكن الوصول إليها أن 74% من الأسر عجزت عن تلبية حاجاتها الغذائية الأساسية، وهي أعلى نسبة تسجل هذا العام. وخلال يناير/ كانون الثاني الماضي، أوقف برنامج الأغذية العالمي عملياته في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بعدما اعتقلت الجماعة عشرات من موظفيه ضمن حملة أوسع استهدفت موظفي الأمم المتحدة والعاملين في المنظمات الإنسانية.
(هشام الشبيلي)