لم يعُد الذكاء الاصطناعي مجرد تقنية محصورة في مختبرات البحوث أو شركات التكنولوجيا أو قصص الخيال العلمي، إذ أصبح سريعاً جزءاً من الحياة اليومية، مؤثراً في كيفية عمل الأفراد ودراستهم وتواصلهم وبحثهم عن المعلومات وإنشائهم للمحتوى واتخاذهم للقرارات، بل حتى تفاعلهم مع العالم من حولهم.
وهذا التحول المهم الذي نشهده اليوم لا يقتصر على تزايد قوة الذكاء الاصطناعي وحسب، بل يكمن في أن معرفة كيفية التفاعل معه أضحت تتحول تدريجاً إلى مهارة عملية، تماماً كمعرفة كيفية استخدام الحاسوب أو محركات البحث أو الهواتف الذكية.
لذا باتت الإجابة عن ضرورة معرفة عامة الناس بالذكاء الاصطناعي ومواكبة تطوراته ومدى تأثرهم إيجاباً أو سلباً بالموضوع، فضلاً عن فرضية تحول من لا يفقه شيئاً عن الذكاء الاصطناعي في المستقبل إلى إنسان أمّي، أمراً ملحاً يقتضي البحث في تفاصيله.
ما أهمية الذكاء الاصطناعي في حياتنا اليوم؟
أصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً من مجالات عدة في حياتنا اليومية، حتى إن لم ندرك ذلك بوضوح، فلعقود من الزمن، كان الأشخاص يبحثون عن المعلومات عبر الإنترنت من خلال كتابة كلمات مفتاحية في محركات البحث، ومن ثم تصفح المواقع الإلكترونية واحداً تلو الآخر.
وهنا قدم الذكاء الاصطناعي التوليدي نموذجاً مختلفاً، فبدلاً من مجرد العثور على صفحات "ويب"، يمكن لأنظمة الذكاء الاصطناعي مساعدة المستخدمين في تلخيص المعلومات وشرح المواضيع المعقدة والمقارنة بين الأفكار وترجمة النصوص وتنظيم المعلومات وصياغة أسئلة لمزيد من البحث.
ويمكن للطلاب اليوم استخدام الذكاء الاصطناعي كمساعد شخصي في التعلم، إذ يمكنه شرح المفاهيم الصعبة بمستويات متفاوتة وتقديم الأمثلة والمساعدة في تنظيم المواد الدراسية وإنشاء أسئلة تدريبية وترجمة المحتوى التعليمي وتحديد جوانب القصور في فهم موضوع ما.
ولعل التأثير المباشر الأكبر للذكاء الاصطناعي يظهر بوضوح في مجال العمل والتوظيف، حيث يمكن له المساعدة بالفعل في مهمات مثل كتابة المستندات وتحريرها وتلخيص الاجتماعات وتحليل المعلومات والترجمة بين اللغات وإعداد العروض التقديمية وكتابة الأكواد البرمجية وغيرها كثير، مما يعني أن معرفة كيفية التعامل مع الذكاء الاصطناعي يمكن أن تجعل الموظف أكثر إنتاجية بصورة ملحوظة.
إلى أي مدى يمكن أن تصبح حياتنا أسهل؟
لم تعُد مواكبة عامة الناس لتطورات الذكاء الاصطناعي مجرد رفاهية معرفية، بل أصبحت ضرورة ملحة لتأمين الاستقرار المهني والاجتماعي والاقتصادي في عالم يتشكل من جديد.
وبما أن الذكاء الاصطناعي يتسبب اليوم في إعادة هيكلة سوق العمل بصورة متسارعة، فإن فهم هذه التقنيات يساعد الأفراد في تطوير مهاراتهم لضمان البقاء في الوظائف الحالية، أو الانتقال إلى وظائف جديدة يعتمد إنشاؤها على التعامل مع الآلة، بدلاً من مواجهة خطر البطالة.
كذلك، تكمن الضرورة في الوقاية من الاحتيال والتضليل الرقمي، فمع انتشار تقنيات التزييف العميق وتوليد النصوص والصور المفبركة، يصبح وعي الجمهور بآليات عمل الذكاء الاصطناعي خط الدفاع الأول لحماية أنفسهم من التضليل الإعلامي ومحاولات الاحتيال المالي الرقمي.
ونضيف إلى ذلك أن عدم مواكبة المجتمعات أو فئات معينة لهذه الثورة يخلق فجوة معرفية واقتصادية هائلة بين من يملكون مهارات التعامل مع التكنولوجيا الحديثة ومن يجهلونها، مما يؤدي إلى تفاوت اجتماعي واقتصادي حاد.
ولا بد من الإشارة إلى أن الذكاء الاصطناعي لن يؤدي تلقائياً إلى تسهيل حياة شخص ما لمجرد توافره لديه، فالفائدة الحقيقية تكمن في معرفة كيفية دمجه ضمن الأنشطة القائمة بالفعل. لذا بالنسبة إلى بعضهم قد يكون التحسن طفيفاً نسبياً، أما بالنسبة إلى بعضهم الآخر، ولا سيما أولئك الذين تتضمن أعمالهم الكتابة أو البحث أو التحليل أو التواصل أو إدارة المعلومات، فقد تكون مكاسب الإنتاجية كبيرة للغاية.
أمّية أم جهل اجتماعي؟
قد يكون من المبالغة القول إن الشخص الذي لا يعرف كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي سيُعتبر في المستقبل "جاهلاً اجتماعياً"، فبإمكان الأفراد أن يكونوا أذكياء ومتعلمين ويتمتعون بمهارات اجتماعية راقية من دون أن يكونوا متقدمين تقنياً.
ومع ذلك، فإن "الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي" ربما تتحول بصورة متزايدة إلى نوع من أنواع الحرمان الرقمي، فعندما انتشرت أجهزة الكمبيوتر، اكتسب القادرون على استخدامها ميزة في مجالي التعليم والتوظيف، وعندما أصبح الإنترنت عنصراً أساساً، حظي القادرون على البحث والتواصل والعمل عبره بمزايا تفوق مزايا أولئك الذين لم يمتلكوا هذه القدرات، وعندما انتشرت الهواتف الذكية، انتقل كثير من الخدمات اليومية إلى منصات الهواتف المحمولة، وبطبيعة الحال سيسير الذكاء الاصطناعي على المسار ذاته، ومع تزايد دمج الذكاء الاصطناعي في أماكن العمل والتعليم والخدمات الحكومية والتجارة والاتصالات، قد يجد الأشخاص العاجزون عن التفاعل مع هذه الأنظمة أنفسهم في وضع غير مريح وسيحصلون على فرص قليلة، مما سيمنعهم من المشاركة في المجتمع بفاعلية.
وإضافة إلى ذلك، قد تكافئ بيئة العمل المستقبلية البشر الذين يعززون قدراتهم بالذكاء الاصطناعي، فالطبيب الذي يفهم أدوات الذكاء الاصطناعي سيتمكن من تحليل معلومات معينة بكفاءة أكبر، والمحامي الذي يعرف كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي قد يسرّع عملية مراجعة المستندات، ويمكن للصحافي استخدام الذكاء الاصطناعي لتنظيم عمليات البحث، مع الاحتفاظ بمسؤولية التحقق من المعلومات وإعداد التقارير، كما يمكن للمهندس استخدام الذكاء الاصطناعي لاستكشاف احتمالات التصميم، ويمكن للمعلم استخدامه لإعداد مواد تعليمية مخصصة، ولرائد الأعمال اللجوء إليه لدراسة الأسواق وتطوير أفكار تجارية.
هل تتحول الفجوة الاجتماعية إلى فجوة في مجال الذكاء الاصطناعي؟
وثمة قلق اجتماعي أوسع نطاقاً يحدث عندما يتعلم بعضهم كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي بفاعلية، بينما لا يفعل آخرون ذلك، وهنا قد تؤدي هذه التكنولوجيا إلى تفاقم أوجه التفاوت القائمة.
ولنتخيل عاملين يتمتعان بمستوى تعليمي متماثل، أحدهما يفهم الذكاء الاصطناعي ويستخدمه لزيادة الإنتاجية واكتساب مهارات جديدة وخلق فرص جديدة، أما الآخر فلا يعرف كيفية استخدامه ويواصل أداء المهمات بالطرق اليدوية، ومع مرور الأعوام، قد يصبح هذا الفارق بينهما كبيراً وسيخلق فجوة خطيرة على صعيد المجتمع.
ومن المحتمل أن يحدث الأمر ذاته بين الطلاب والشركات وحتى الدول، فمن يطورون مهارات الذكاء الاصطناعي والبنية التحتية والتعليم يحققون ربما مزايا اقتصادية، في حين أن الشعوب التي تفتقر إلى فرص التعليم المتعلق بالذكاء الاصطناعي قد تتخلف أكثر عن الركب.
لذا، لا ينبغي النظر إلى الإلمام بالذكاء الاصطناعي على أنه مسؤولية فردية وحسب، إذ قد تزداد حاجة المدارس والجامعات والحكومات وأصحاب العمل إلى جعل التعليم في مجال الذكاء الاصطناعي متاحاً للجميع.
(سامي خليفة)