10 أكتوبر 2026
آخر الاخبار
9 أكتوبر 2026
يمن فريدم-اندبندنت عربية


في أبريل/ نيسان 2020 أقر الحوثيون تعديلات على قانون الزكاة في مناطق سيطرتهم، تضمنت فرض الخمس بنسبة 20% على عائدات بعض الموارد والثروات، بينها المعادن والنفط والغاز والثروة السمكية وغيرها.

والحوثيون، الذين ينتمون تاريخياً إلى الزيدية، وهي مدرسة شيعية نشأت في اليمن وتختلف عن الاثني عشرية السائدة في إيران، تبنوا في تعديل قانون الزكاة المثير لأغنياء اليمن قبل فقرائهم صيغة للخمس تقترب في بعض جوانبها من الفقه الاثني عشري.

تزامن ذلك مع تعمق العلاقة بين الحوثيين وإيران، التي تقدم للجماعة دعماً عسكرياً ومالياً وخبرات، وفق تقارير أممية وأمريكية.

حصة من الخمس لولي الأمر وإيران

ولم يقتصر التغيير الذي أدخله الحوثيون على فرض الخمس بنسبة 20%، بل امتد إلى إعادة تنظيم الجهات التي تتحكم في أموال الزكاة.

وبحسب دراسة لكبير الاقتصاديين في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، وضاح العولقي، نشرت في أكتوبر/ تشرين الأول 2020، نقلت الجماعة صلاحيات تحصيل الزكاة وإدارتها إلى هيئة مركزية أنشئت عام 2018، بعدما كانت السلطات المحلية تتولى إدارة جانب من هذه الإيرادات.

وبينت الدراسة أن اللائحة الجديدة قسمت عائدات الخمس إلى ست حصص، بينها حصة مخصصة لـ"ولي الأمر"، الذي حددته الدراسة بأنه زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي، مع إعطاء الأولوية للمنتسبين إلى آل البيت في أربع حصص أخرى، مما أثار انتقادات في شأن تكريس امتيازات مالية قائمة على النسب.

وفي ظل الضغوط الاقتصادية التي تواجهها إيران، تبرز تساؤلات حول ما إذا كانت بعض الأموال المحصلة من الخمس في مناطق سيطرة الحوثيين تصل إلى جهات مرتبطة بطهران، وإن لم تتوافر أدلة منشورة تثبت ذلك، ففي يناير/ كانون الثاني الماضي كشفت وزارة الخزانة الأمريكية عن أن الحوثيين يستخدمون شركات صرافة في صنعاء لسداد مستحقات شركات مرتبطة بإيران، عبر جهات مالية ضمن شبكات لتجارة النفط، وعلى رغم أن هذه المعلومات توثق وجود تعاملات مالية بين الجماعة وشركات مرتبطة بطهران، فإنها لا تثبت أن الأموال المحولة جاءت من عائدات الخمس الذي يفرضه الحوثيون في اليمن.

وفي قضية منفصلة، كشفت وزارة العدل الأمريكية في مايو/ أيار 2024 عن إقرار شخصين بالذنب في قضية تتعلق بتحويل أموال إلى إيران بالمخالفة للعقوبات الأميركية.

وأوضحت الوزارة أن أحدهما حصل على إذن لجمع أموال الخمس نيابة عن مرجعيات دينية، وأن المتهمين جمعا خلال عامي 2018 و2019 أموالاً من الخمس وتبرعات قدمت تحت عنوان مساعدة ضحايا الحرب في اليمن، قبل ترتيب نقلها من الولايات المتحدة إلى إيران لتصل إلى مكتب المرشد الأعلى الإيراني، ولم تتضمن القضية اتهاماً للحوثيين أو دليلاً على أن الأموال جاءت من الخمس المفروض في مناطق سيطرتهم.

ومع ذلك، تطرح هذه القضية، إلى جانب الجبايات التي فرضها الحوثيون، سؤالاً أوسع حول كيفية إدارة الجماعة مواردها المالية، ومدى تقاطع اقتصادها المحلي مع شبكات التمويل الإقليمية المرتبطة بطهران.

الاقتصاد الموازي

ومن هنا تبرز "حرب الاقتصاد الموازي"، التي تمتد من الجبايات والخمس إلى الموانئ والوقود والاتصالات، وتطرح سؤالاً أكثر أهمية: كيف يمكن لاستعادة الموارد وإعادتها إلى مؤسسات الدولة أن تقلص قدرة الحوثيين على تمويل سلطتهم وأنشطتهم العسكرية؟

فعلى مدى أعوام، بنى الحوثيون منظومة اقتصادية موازية في مناطق سيطرتهم، تقوم على تحصيل الضرائب والرسوم والجبايات، والسيطرة على قطاعات اقتصادية حيوية، والاستفادة من التجارة والاتصالات والوقود والموارد الطبيعية.

وتكشف تقارير الأمم المتحدة عن أن الجماعة لم تكتف بالإيرادات المتاحة داخل مناطق سيطرتها، بل فرضت نقاط تحصيل على حركة السلع المقبلة من مناطق الحكومة، وحولت جانباً من النشاط الاقتصادي اليمني إلى مصدر لتمويل سلطتها.

اقتصاد يمول سلطة الحوثيين

قدر فريق متخصصين من الأمم المتحدة أن الإيرادات التي جمعها الحوثيون وسيطروا عليها خلال عام 2023 بلغت نحو 3.392 تريليون ريال يمني (ما يعادل نحو 6.4 مليار دولار، وفق سعر صرف مرجعي قدره 530 ريالاً للدولار في صنعاء).

وشملت هذه الأموال الجمارك والضرائب والرسوم وغيرها من الجبايات، فيما قدرت الإيرادات التي حصلتها الجماعة عبر نقاط برية غير قانونية على السلع المتجهة من مناطق الحكومة إلى مناطق سيطرتها بنحو 300 مليار ريال يمني (نحو 566 مليون دولار وفق سعر الصرف المرجعي نفسه) خلال العام نفسه.

وبحسب التقرير الأممي ذهبت هذه الجبايات إلى قيادات حوثية، واستخدم جزء منها في دفع رواتب المقاتلين وتمويل أغراض عسكرية.

ووثق التقرير فرض الجماعة ما يسمى "الخمس" على الموارد الطبيعية والأنشطة الاقتصادية في مناطق سيطرتها، مع استفادة عائلة الحوثي ومقربين منها من عائداته.

وكشف تقرير فريق متخصصي الأمم المتحدة المعني باليمن لعام 2023 عن جوانب من استخدام إيرادات الزكاة في أنشطة مرتبطة بالحرب.

ووفق التقرير، أعلنت هيئة الزكاة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 مشروعاً لتوزيع 292 مليون ريال يمني (نحو 520 ألف دولار) على الجرحى وذوي الإعاقة الناجمة عن الحرب، بتوجيهات من زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي ورئيس مجلسها السياسي مهدي المشاط، إلى جانب مشروع آخر بقيمة 150 مليون ريال (نحو 267 ألف دولار) لتقديم مساعدات نقدية وعينية لمن وصفتهم الهيئة بـ"أسرى العدو".

وأشار التقرير الأممي إلى غياب الشفافية عن أوجه إنفاق أموال الزكاة، وأن بعض الأنشطة الممولة منها تبدو مرتبطة بالمجهود الحربي للحوثيين.

وتظهر تقارير أخرى من الأمم المتحدة اللاحقة أن هذه المنظومة توسعت إلى قطاعات أخرى.

ففي قطاع الاتصالات، قدرت مصادر فريق المتخصصين إيرادات الحوثيين من التجوال والمكالمات الدولية بنحو 20 مليون دولار شهرياً، بما في ذلك إيرادات مرتبطة بمستخدمين في مناطق خاضعة للحكومة، فيما وثق التقرير استمرار تهريب معدات الاتصالات عبر منافذ مختلفة، بينها ميناء الحديدة.

التجارة.. جباية من الاقتصاد اليمني كله

وتكمن خطورة الاقتصاد الموازي الحوثي في أنه لا يعتمد فقط على الموارد الموجودة داخل مناطق الجماعة، وإنما يستفيد أيضاً من حركة التجارة بين مناطق اليمن المنقسمة.

فبحسب تقرير فريق المتخصصين، تعامل الحوثيون مع مناطق الحكومة كأنها كيان منفصل، وفرضوا رسوماً على التجار الذين ينقلون بضائعهم إلى مناطق سيطرتهم.

ووصف التقرير هذه الممارسات بأنها جزء من منظومة الإيرادات غير القانونية التي تستخدمها الجماعة لتمويل سلطتها.

وتشير متابعات مركز صنعاء إلى أن الحوثيين يعتمدون كذلك على الضرائب المفروضة على الواردات والوقود والسجائر، إضافة إلى مصادرة الأصول وفرض رسوم على الشركات والاستفادة من قطاعات مالية واقتصادية مختلفة.

وهكذا تحولت نقاط التفتيش والمنافذ والأسواق إلى حلقات في دورة مالية واحدة، التاجر يدفع، والمستهلك يتحمل الكلفة، والحوثيون يحولون جزءاً من العائد إلى مورد لسلطتهم.

النفط والموارد.. خسارة للدولة ومكسب للميليشيا

في المقابل، تعرضت المالية العامة للحكومة لضربة كبيرة منذ توقف صادرات النفط في 2022، وهو ما حرم الدولة من أحد أهم مصادر الإيرادات والنقد الأجنبي.

ويشير صندوق النقد الدولي إلى أن توقف صادرات النفط دفع الحكومة إلى تقليص الإنفاق، فيما أصبح رفع الإيرادات المحلية أحد المحاور الرئيسة لبرنامج الإصلاح المالي لعامي 2026 و2027.

ويكشف البنك الدولي عن حجم المشكلة بصورة أوضح، إذ قال في أحدث مرصد اقتصادي لليمن، مايو/ أيار الماضي إن إيرادات الحكومة تراجعت إلى 5.6% من الناتج المحلي في 2025، بعدما أدت الصدمات الاقتصادية وتوقف صادرات النفط وضعف المنح إلى تضييق المساحة المالية للدولة، وانعكس ذلك على الرواتب والدعم والإنفاق الأساس.

والمفارقة تكمن هنا، إذ إن الدولة تخسر مصادر دخلها الرسمية، بينما تطور الجماعة الحوثية مصادر دخل موازية أكثر قدرة على تمويل سلطتهم داخل مناطق سيطرتهم.

تحرير الموارد.. ضرب اقتصاد الحوثيين

لذلك، فإن استعادة الموانئ والمنافذ وطرق التجارة وموارد النفط والغاز كما حدث في البلاد الأيام الماضية في الساحل الغربي، ربما أنها لا تحمل معنى عسكرياً وحسب، لكنها أكثر من ذلك وأكبر فهي تضرب البنية الاقتصادية التي استفاد منها الحوثيون طوال أعوام الحرب التي تزيد على 12 عاماً.

ويضع صندوق النقد الدولي زيادة تحصيل الضرائب والجمارك وتحسين إدارة الإيرادات المحلية في قلب برنامج الإصلاح الجديد، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى تقليص عجز الموازنة وتعزيز قدرتها على تمويل الإنفاق العام.

وأشار الصندوق في يوليو/ تموز الماضي إلى أن توقف صادرات النفط منذ 2022 جعل زيادة الإيرادات المحلية ضرورة أساسية في مسار الاستقرار المالي.

وبهذا المعنى فإن استعادة الموارد تعني نقل المال من منظومة الجباية التي تديرها الميليشيات إلى مؤسسات الدولة.

اليوم التالي للتحرير.. إلغاء الخمس وأخواتها

ويرى متخصصون اقتصاديون أن استعادة المناطق من الحوثيين لن تكون كافية إذا بقيت شبكات الجباية والتهريب والمنافذ غير الرسمية تعمل تحت تسميات جديدة، ولذلك ستكون الأولوية في المرحلة التالية لإعادة ربط الموانئ والمنافذ والجهات الإيرادية بالمؤسسات المالية الحكومية، وإلغاء نقاط التحصيل غير القانونية، وضمان توريد الإيرادات إلى حسابات الدولة.

ويقول مراقبون إن انتظام تدفق هذه الأموال يمكن أن يمنح الحكومة مساحة أكبر لإعادة دفع الرواتب وتمويل الخدمات، وهذا ربما لن يكون كافياً وحده لإعادة الاقتصاد إلى مساره، إذ يظل استقرار الريال مرتبطاً أيضاً باستئناف صادرات النفط، وتدفق النقد الأجنبي، والدعم الخارجي، وإصلاح القطاع المصرفي.

وهذا يتفق مع تقييم صندوق النقد والبنك الدولي اللذين يحذران من هشاشة الوضع المالي والاعتماد الكبير على الدعم والتحويلات في المرحلة الحالية.

أما على المدى الأبعد فيرى اقتصاديون أن المعركة ينبغي أن تنتقل من استعادة الأموال إلى إعادة بناء النشاط الاقتصادي، أي إعادة فتح طرق التجارة، وتشغيل الموانئ، وتسهيل حركة السلع، وحماية القطاع الخاص من الجباية المزدوجة، وتهيئة بيئة تسمح بعودة الاستثمار والإنتاج في البلد المنهك شعبه واقتصاده.

(أيمن الغبيوي)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI