وذكرت المنظمة أنه بين عامي 2015 و2021، نفذت القوات البحرية المشتركة والتحالف وخفر السواحل اليمني 15 عملية ضبط بحرية لشحنات أسلحة غير مشروعة مصدرها إيران، تخالف حظر الأسلحة المفروض عليها.
وتصل الأسلحة عبر ساحلي المهرة في شرق اليمن، والساحل الأحمر في غرب البلاد.
وقالت إن معظم الشحنات نقلت عبر مراكب شراعية وقوارب صيد غير مرخصة، وتنقل الأسلحة في البحر بعد توقفها أولاً في بونتلاند، الصومال، حيث تكون سفن الصيد اليمنية أكثر دراية بالممرات المائية وأقل وضوحاً، مما يسهل عليها تجاوز القوات البحرية للتحالف.
تفاقم الأخطار
ترتبط عمليات تسليح الحوثيين بالانتقال من الاعتماد على تهريب الأسلحة إلى منظومات تجارة دولية، مما يعني زيادة اعتماد الجماعة على الوسطاء التجاريين والفاعلين غير الدوليين وفي مقدمهم "حركة الشباب"، وفاعلين آخرين يتم تجنيدهم بواسطة الحركة، وشبكات النقل العابرة للحدود بما فيها المسارات المتصلة بخليج عدن والقرن الإفريقي.
ويمكن أن يتطور الأمر بصورة أكبر مما هو حاصل، من تداخل الأنشطة غير المشروعة بما فيها تهريب الأسلحة والاتجار بها مع أنواع أخرى من التجارة المشروعة، مما يخلق تنافساً على مقرات النشاط الاقتصادي في موانئ القرن الإفريقي، ويؤدي إلى رفع كلف الشحن والتأمين ويضعف الرقابة على السلع بسبب المهددات الأمنية.
في الإطار، يمكن أن تتفاقم أخطار استغلال المهاجرين والعمالة في ظل اعتماد بعض المسارات على المهربين، وهذا ما وثقه "معهد الدراسات الأمنية الإفريقي"، بأن شبكات تهريب المهاجرين بين القرن الإفريقي واليمن، لديها صلات بأنشطة إجرامية أخرى، ضمن شبكات تعمل لحساب الحوثيين، مما يسهم في نشوء نشاط إقليمي تتشابك فيه مصالح الجماعات المسلحة والوسطاء والتجارة غير الرسمية.
ومع أن هذا لا يعني أن جميع المهاجرين مقاتلون أو متعاونون مع الحوثيين، لكن معظمهم يتحركون بحثاً عن العمل أو للوصول إلى دول الخليج، تحت ضغط الفقر والنزاعات والجفاف والبطالة.
وتكشف قراءة مسار الحركة في سياقه الإقليمي مؤشراً مهماً، وهو أن الكثافة البشرية المتزايدة تعبر الممرات نفسها التي تنشط فيها شبكات التهريب والاتصال بين اليمن والقرن الإفريقي، في وقت وثقت فيه تقارير أممية تعاوناً حوثياً مع "حركة الشباب"، شمل التدريب ونقل الأسلحة وتسهيل الحركة بين اليمن والصومال.
وذكرت أن تحقق هذا السيناريو باستفادة الحوثيين من العنصر البشري وتجنيدهم بصورة أوسع يتوقف على قدرتهم على بناء علاقات مستدامة، وعلى استجابة الحكومات الأفريقية والرقابة البحرية لمكافحة الجرائم المرتبطة بهذا الحراك.
بين اليمن والقرن الإفريقي عند مضيق باب المندب، وفي مساحة لا تتجاوز 26 كيلومتراً، نمت روابط تاريخية وطيدة في التجارة والاقتصاد والحراك البشري.
ويتسم النشاط بتداخل التجارة البحرية النظامية مع شبكات الوساطة والنقل غير الرسمي والتهريب، بما فيها تجارة السلع الأساسية والثروة الحيوانية والمنتجات البحرية، وخدمات الشحن والنقل.
وتعد الأخيرة، أكثر صلة بنشاط الحوثيين الاقتصادي، إذ ترتبط بشبكات توفر بيئات لوجيستية مثل استخدام السفن والمخازن، تشرف عليها أطراف مسلحة.
وتنبع أهمية هذه العلاقة من الموقع الجغرافي لخليج عدن، الذي يربط الموانئ اليمنية بموانئ الصومال وجيبوتي وإريتريا وشكلت جزءاً من الممر التجاري الأوسع بين المحيط الهندي والبحر الأحمر.
وعند خليج عدن الذي يسمى "المسار الشرقي"، ضاقت هذه المساحة بفعل الازدحام إذ أصبحت أكثر ممرات الهجرة خطورة.
وتمر جنسيات دول القرن الإفريقي خصوصاً من إثيوبيا والصومال وإريتريا وجيبوتي إلى اليمن، حيث قدرت بحوالى 40% من إجمال حركات الهجرة حول العالم، وبعد وصولهم يسلكون طرقاً برية ينشط فيها تجار البشر لتسهيل وصولهم إلى السعودية ودول الخليج الأخرى، أو البقاء داخل اليمن حيث تستقطب أعداد كبيرة منهم من قبل الحوثيين.
وما أثار مراقبين من المنظمة الدولية، أنه منذ اندلاع الحرب اليمنية عام 2014 وبروز المشروع الحوثي في نشاطات تخريبية داخلية وإقليمية، نما تدفق الهجرة بصورة أوضح على نحو مزدوج، من القرن الإفريقي إلى اليمن، والعكس.
وأورد تقرير منظمة الهجرة الدولية أن أرقام الهجرة من القرن الأفريقي إلى اليمن، تشير إلى حركة بشرية واسعة تتقاطع مع التحولات الأمنية على جانبي البحر الأحمر وخليج عدن.
وذكر أنه في ديسمبر/ كانون الأول 2025، دخل اليمن نحو 22 ألف مهاجر، مقابل 18 ألفاً في نوفمبر/ تشرين الثاني، كان حوالى 80% منهم عبر جيبوتي، و18% عبر الصومال، فيما شكل الإثيوبيون 98%، والبقية من الصوماليين، وتصل القوارب إلى سواحل ذو باب في تعز وأحور في أبين ورضوم في شبوة.
روابط التجارة
تعود التجارة بين جنوب شبه الجزيرة العربية والقرن الأفريقي إلى القرن الأول الميلادي، إذ سبقت بقرون طويلة نشوء الحدود الدولية الحديثة بين اليمن وشرق إفريقيا.
تناول الكتاب الشهير "الطواف حول البحر الإريتري" المدون باليونانية، لكاتب يوناني مجهول، الموانئ والسلع المستوردة والمصدرة، ووصف حركة السفن والتجارة عبر البحر الأحمر وخليج عدن.
وذكر مجموعة من السلع التي كانت تتحرك بين موانئ جنوب الجزيرة العربية والساحل الإفريقي.
وما كانت يصدر من القرن الإفريقي إلى جنوب الجزيرة العربية، العاج، واللبان، والمر، وأصداف السلاحف، وقرن وحيد القرن، والقرفة والمواد العطرية. أما السلع التي وصلت إلى موانئ القرن الإفريقي من جنوب الجزيرة العربية، فهي الرماح والفؤوس والخناجر والحديد، الذي دخل أيضاً في صناعة الأسلحة، والأقمشة والملابس والمنسوجات، والأواني الزجاجية والنحاس والقمح والحبوب والعملات الذهبية والفضية.
يشار إلى أن هذه السلع لم تأتِ كلها من اليمن، بل إن بعضها كانت موانئه هي المحطة الأخيرة قبل عبورها البحر إلى القرن الإفريقي، وأتى بعضها من الهند وشبه الجزيرة العربية.
ولم تكن العلاقة تجارية فقط، فقد نشأت روابط اجتماعية، إذ من طريق اعتماد التجار العرب على وكلاء محليين يعرفون السكان ويساعدونهم في التواصل اللغوي، نشأت علاقات زواج محلية مع أسر تجارية.
ذكرت الكاتبة النرويجية المتخصصة في تاريخ المحيط الهندي، آن كيه بانغ، في كتابها "الحضارمة في إفريقيا"، أن هذه المنطقة لعبت منذ العصور القديمة دوراً حيوياً ضمن شبكة الموانئ التي شكلت النظام التجاري للمحيط الهندي، إذ كانت الموانئ الرئيسة، مثل المكلا والشحر، بمثابة بوابات للدخول والخروج تخدم المدن الكبرى في وادي حضرموت الداخلي، مثل شبام وسيئون وتريم، فضلاً عن البلدات والقرى الأصغر حجماً.
ولفتت إلى أن شبكات من التجار كانوا منذ المراحل المبكرة وحتى وقت متأخر من القرن الـ20، من الذكور، وكانوا يميلون إلى الزواج الاستراتيجي من العشائر المحلية لضمان الوصول إلى شبكات التجارة.
وأوضحت أنه على رغم تلاشي هذه الصلة الاجتماعية بمرور الوقت، لكن كثراً بدأوا في تفعيلها مع موجات من "الاستعراب" في القرن الإفريقي التي كانت تمثل ميزة سياسية.
واستشهدت الكاتبة بفترة حكم أسرة البوسعيدي في شرق إفريقيا.
ومع الضغوط الاستعمارية التي حدت من التنقل من وإلى حضرموت، لكن التجار الحضارمة وجدوا سبلاً أخرى لمواصلة نشاطهم في إفريقيا.
مسارات الهجرة
شغل القرن الإفريقي مكانة بارزة في مسارات الهجرة الدولية، فمنذ قرون بعيدة كانت مسارات الهجرة والتجارة واحدة، تنقل البضائع والأفراد.
تطورت هذه الرحلات خلال القرن الـ20 فراراً من العنف الذي صاحب حركات التحرر، واستمر مع الأزمات السياسية والاقتصادية بعد ذلك.
هناك ثلاثة مسارات تاريخية رئيسة معروفة للهجرة هي، المسار الشرقي الذي يمر عبر اليمن ويتجه نحو شبه الجزيرة العربية والشرق الأوسط، والمسار الشمالي الذي يمر عبر السودان، ومنه يتخذ أحد اتجاهين، الأول براً إلى مصر وإسرائيل ليعبر البحر المتوسط إلى أوروبا، والثاني إلى ليبيا ثم البحر المتوسط أيضاً إلى أوروبا، والمسار الجنوبي الذي يمر عبر كينيا وتنزانيا وصولاً إلى جنوب إفريقيا.
أما الهجرة من القرن الإفريقي إلى اليمن، فبدأت منذ قرون، وزادت بصورة واضحة في تسعينيات القرن الماضي بسبب حالات الجفاف التي ضربت المنطقة، وبسبب الأحداث والاضطرابات السياسية وما صاحبها من عنف خصوصاً في إثيوبيا وإريتريا والصومال.
فقد ذكرت أستاذة الأنثروبولوجيا بجامعة "فلوريدا"، كوني موليغان، أن هناك أدلة على أن اليمن كان من أوائل نقاط الانطلاق في شبه الجزيرة العربية التي وطأتها أقدام المهاجرين عند مغادرتهم القرن الإفريقي.
وأوضحت أن المجموعات السكانية اليمنية كانت تتشارك بالفعل في كثير من السلالات القديمة مع المجموعات السكانية الإفريقية، فضلاً عن سلالات أخرى موجودة خارج إفريقيا، مما يعزز فرضية حدوث هجرة قديمة من إفريقيا إلى اليمن.
وعند المرور على الشبكات الاجتماعية، يبرز ميناء موزع التاريخي في منطقة المخا الذي اشتهر عند الرومان والأحباش كونه من أقدم الموانئ التي ارتبط تاريخها الاقتصادي بروابط اجتماعية وبشرية وثيقة مع القرن الإفريقي نظراً إلى قربه من مضيق باب المندب إذ كان بمثابة جسر للهجرات المتبادلة والامتزاج الثقافي والاجتماعي على مر القرون.
في ملاحظات عدد من الباحثين، هناك تطابق في الأزياء التقليدية مثل المعاوز والوزار، وطرق تصفيف الشعر والرقصات الشهيرة مثل الفرسة والرمعة، تقترب من ملامح الزي والفنون الشعبية في القرن الإفريقي، والميناء والمنطقة المحيطة به، لم يكونا مستقبلين فقط للمهاجرين، بل انطلق منهما يمنيون استقروا في مدن القرن الإفريقي مثل مصوع، وزيلع، وأسسوا مجتمعات عربية هناك.
شبكات متداخلة
على أنقاض شبكات التجارة البحرية القديمة، التي نشأت لتبادل السلع بين ضفتي خليج عدن، تداخلت شبكات من الاقتصاد غير المشروع.
وحسب الباحث في مركز صنعاء نيد والي، فإن البعد الاقتصادي للحرب في اليمن يتمثل في سيطرة الحوثيين على المؤسسات الاقتصادية، والحصار الذي فرضوه على صادرات النفط والغاز، فقد مارست الجماعة ضغوطاً على شركات الشحن لتحويل الواردات إلى ميناء الحديدة الخاضع لسيطرتهم، وفرضت رسوماً على التجارة البرية، لذا تحولت نسبة كبيرة من الإيرادات الجمركية إلى أيديهم.
وأضاف والي أن الحوثيين تمكنوا من السيطرة على مختلف القطاعات الاقتصادية الحيوية بهدف استنزاف ثروات البلاد، بدءاً من قطاع الاتصالات وحتى إنتاج التبغ.
من ضمن المظاهر غير المشروعة القديمة التي يستثمرها الحوثيون الآن هي الأسلحة غير القانونية، فقد أورد التقرير النهائي لفريق خبراء الأمم المتحدة في شأن اليمن، في أكتوبر/تشرين الأول 2024، معلومات في شأن الحوثيين و"حركة الشباب"، تتعلق بتداول الأسلحة في مناطق سيطرة الحوثيين ومطابقة أرقام بعض الأسلحة المسجلة في الصومال.
وأوضح أن "شبكات الإمداد الحوثية لا يمكن فهمها بوصفها مسألة عسكرية منفصلة، بل باعتبارها جزءاً من اقتصاد حرب عابر للحدود تتداخل فيه حركة السلاح والتمويل والوسطاء والمصالح الإقليمية"، وتابع أن الحوثيين يمتلكون فائضاً كبيراً من الأسلحة والذخائر لدرجة أنهم يقومون بتهريبها إلى الصومال، وذلك بهدف تحقيق الربح.
وأشارت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في تقرير سابق، إلى وجود ما بين 40 و60 مليون قطعة سلاح في اليمن.
وذكر أيضاً، أنه بينما ترتبط تجارة المخدرات ارتباطاً وثيقاً بالحرب، فإنها تنتشر أكثر في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وقد حولت الميليشيات الحوثية المناطق الخاضعة لسيطرتها إلى أسواق مفتوحة للمخدرات، داخلياً، ومع منطقة القرن الإفريقي.
وازدادت حركة الاتجار غير المشروع بالقطع الأثرية التاريخية النادرة والنباتات والحيوانات النادرة، وتجارة البشر.
(منى عبدالفتاح)