في آخر التطورات العسكرية في جبهة الصبيحة والمضاربة بمحافظة لحج جنوب اليمن، تصدت قوات العمالقة الجنوبية مسنودة بقبائل الصبيحة لزحف واسع شنّته ميليشيات الحوثي باتجاه منطقة المحاولة بمديرية المضاربة، والمواقع المتاخمة لوادي الأحيوق بمديرية الوازعية في محافظة تعز المجاورة، مما أدى إلى سقوط عشرات المهاجمين وتدمير عدد من الآليات والمعدات العسكرية خلال المواجهات.
وبالتوازي أعلنت قوات العمالقة أمس السبت أنها استهدفت تجمعات لميليشيات الحوثي بضربات دقيقة في جبهة المضاربة، إضافة إلى استهداف مركبة حوثية محمّلة بالذخائر في جبهة الصبيحة - المضاربة، بضربات دقيقة أدت إلى اشتعالها.
الحركة والإمداد
لا تقتصر أهمية المنطقة على موقعها وحسب، بل ترتبط أيضاً بطرق الحركة والإمداد التي تصل بين أجزاء من لحج والمناطق المجاورة في تعز والساحل الغربي، مما يجعل أي تطور عسكري فيها موضع اهتمام، بالنظر إلى انعكاساته المحتملة على المناطق المحيطة.
وفي قراءة للمشهد، يرى المتخصص العسكري العميد حسين الحالمي أن المواجهة في الصبيحة تتجاوز الاشتباكات المباشرة، إذ تتداخل فيها طبيعة الأرض مع دور القبائل والتنسيق بين التشكيلات العسكرية المناهضة للحوثيين.
جغرافيا المعركة
تتميز مناطق الصبيحة بتنوع تضاريسها، من المرتفعات والوديان إلى المناطق الساحلية والطرق التي تربط التجمعات السكانية بعضها ببعض. وتؤثر هذه الطبيعة في حركة القوات، وقدرتها على الانتشار والإمداد، وتجعل معرفة المسالك المحلية عاملاً مهماً في إدارة المواجهات.
وتكتسب المرتفعات أهمية ميدانية في مثل هذه البيئات، لما يمكن أن توفره من قدرة على مراقبة التحركات والتحكم في بعض الطرق والممرات، وفي المقابل، قد تشكل المسالك الوعرة عائقاً أمام القوات التي لا تمتلك معرفة كافية بطبيعة المنطقة.
وتزداد أهمية هذه الاعتبارات بالنظر إلى قرب الصبيحة من الساحل الغربي وباب المندب، وهي منطقة ذات قيمة إستراتيجية بسبب موقعها على خطوط الاتصال والحركة البحرية والبرية ومع ذلك، فإن أهمية الموقع الجغرافي لا تعني بالضرورة أن كل تطور عسكري محلي يفضي إلى تغيير واسع في موازين القوى، إذ يظل ذلك مرتبطاً بالوقائع الميدانية وقدرة الأطراف على تثبيت مواقعها وتأمين خطوط الإمداد.
وفي حديثه إلى "اندبندنت عربية" يصف العميد الحالمي المواجهات بأنها معركة مستمرة تشهد حالات من الكر والفر بين الحوثيين والقوات المناهضة لهم، وفي مقدمتها ألوية العمالقة وقوات درع الوطن، إلى جانب مقاتلين من أبناء قبائل الصبيحة.
ويقول الحالمي إن أبناء القبائل يشكلون، بحسب تقديره، سياجاً محلياً واسعاً للدفاع عن المنطقة، مستندين إلى معرفتهم بتضاريسها ومسالكها، وإلى الروابط الاجتماعية التي تسهم في حشد المقاتلين عند تصاعد المواجهات.
ويشير إلى أن عدداً من أبناء الصبيحة شاركوا في معارك عنيفة بالمناطق القريبة من الساحل، في سياق المواجهات التي شهدتها جبهتا المخا وذُباب ومناطق أخرى على امتداد الساحل الغربي، ويرى أن هذه المشاركة تعكس حضور العامل المحلي في المواجهة، إلى جانب دور التشكيلات العسكرية المنظمة.
وفي المقابل، يحذر الحالمي من أن تقدم الحوثيين باتجاه مناطق من الصبيحة قد يفتح المجال أمام تهديد مناطق أخرى في محافظة لحج، وصولاً إلى عدن، إذا اتسع نطاق المواجهات، ويؤكد أن محاولات التوغل التي يتحدث عنها واجهت مقاومة من أبناء القبائل، بمساندة وحدات من ألوية العمالقة وقوات درع الوطن، إلى جانب إسناد جوي، وهو ما يقول إنه أسهم في تراجع الحوثيين في بعض المواقع.
القبيلة كدفاع محلي
يمثل العامل القبلي أحد العناصر المؤثرة في المشهد الأمني والعسكري بالصبيحة، فمعرفة السكان بطبيعة الأرض، وقدرتهم على التحرك في المسالك المحلية، وشبكات التواصل الاجتماعي، كلها عوامل يمكن أن تؤثر في طبيعة المواجهة، خصوصاً في المناطق التي تتداخل فيها القرى والمرتفعات مع خطوط التماس.
ويشدد الحالمي على أهمية الاصطفاف القبلي في مواجهة محاولات التوغل، معتبراً أن تضامن أبناء المنطقة يعزز القدرة على الدفاع عنها. ويستحضر في هذا السياق المقولة الشائعة "الأرض تحارب مع أهلها"، في إشارة إلى أن معرفة المقاتلين المحليين بتفاصيل جغرافيتهم قد تمنحهم مزايا ميدانية في مواجهة القوات القادمة من خارج المنطقة.
لكن الدور القبلي لا ينبغي النظر إليه باعتباره بديلاً من التنظيم العسكري، ففاعلية أي جبهة تتأثر أيضاً بالتنسيق بين المقاتلين، وتوزيع المهمات، وتوفير الإمداد، والقدرة على حماية المواقع التي يجري الدفاع عنها، والمواقف القبلية ليست بالضرورة متطابقة في جميع المناطق، مما يستدعي تجنب التعميم عند وصف المشاركة المحلية.
وبحسب الحالمي، فإن انضمام مزيد من أبناء القبائل إلى جهود الدفاع عن مناطقهم يعكس من وجهة نظره، اتساع التعبئة المحلية في مواجهة الحوثيين.
التكتيك العسكري والألغام
ويلفت الحالمي إلى أن القوات المناهضة للحوثيين استخدمت أساليب ميدانية وتكتيكية للتعامل مع طبيعة المواجهات، واصفاً بعض التحركات بأنها نوع من "الخداع العسكري التكتيكي"، ويعكس هذا الوصف تقديره لأهمية المناورة وتغيير أساليب التحرك وفق ظروف الأرض وتطورات المعركة.
وفي المقابل، يتحدث عن لجوء الحوثيين إلى زرع مساحات من الأراضي بالألغام، مما قد يضيف تحديات أمام حركة القوات والمدنيين على حد سواء، وتمثل الألغام والذخائر غير المنفجرة خطراً طويل الأمد في مناطق النزاع، إذ يمكن أن تستمر آثارها حتى بعد توقف القتال أو ابتعاد خطوط المواجهة.
ويقول إن الحوثيين يواجهون صعوبات في التعامل مع تضاريس الصبيحة، ويرى أن افتقارهم إلى غطاء جوي مماثل لما يتوافر للقوات المناهضة لهم يؤثر في حساباتهم الميدانية، وطبيعة المعارك في المناطق الجبلية والساحلية لا تتوقف على عامل واحد، بل تتأثر بمزيج من التضاريس والإمداد والتنسيق والقدرة على تثبيت المواقع.
المرتفعات وخطوط الإمداد
تمثل المرتفعات أحد مفاتيح المعركة في الصبيحة، لما لها من أهمية في مراقبة التحركات والتحكم في بعض الطرق، ووعورة الأرض أسهمت في توفير مواقع دفاعية للمقاتلين المحليين، وجعلت التقدم في بعض المناطق أكثر صعوبة.
ويشير المتخصص العسكري إلى أهمية التنسيق بين ألوية العمالقة وقوات درع الوطن ومكونات الإسناد الجنوبية والقوات النظامية التابعة للشرعية. ومن وجهة نظره، فإن تكامل الأدوار بين هذه القوات والمقاتلين المحليين يعزز فرص الدفاع عن المنطقة، لا سيما عندما تتزامن الجهود العسكرية مع معرفة أبناء القبائل بتفاصيل الأرض.
وتكتسب خطوط الإمداد أهمية خاصة في هذا السياق، فالتقدم الميداني لا يرتبط بالوصول إلى موقع جديد وحسب، بل بقدرة القوات على تأمينه والحفاظ على الاتصال بمصادر الإمداد، ولهذا، فإن الطرق والممرات والمرتفعات المحيطة بها قد تصبح مواضع تنافس رئيسة خلال المواجهات.
لا يمكن قراءة التطورات في الصبيحة بمعزل عن المشهد العسكري الأوسع في غرب اليمن، حيث تتداخل جبهات لحج وتعز والساحل الغربي في سياق جغرافي متصل، وإن اختلفت ظروف المواجهة من محور إلى آخر.
ويمنح القرب من باب المندب المنطقة أهمية إضافية، نظراً إلى حساسية الممرات البرية والساحلية المحيطة به، وتظل القدرة على تثبيت المواقع وتأمين الطرق والإمداد من العوامل الأساسية التي تحدد قيمة أي تقدم عسكري، والتقديرات في شأن المرحلة المقبلة تبقى مرتبطة بما يجري على الأرض، وبالتحركات التي يمكن التحقق منها، وليس بمجرد إعلان طرف من أطراف النزاع تحقيق مكاسب، إلى جانب الحسابات العسكرية، تفرض المواجهات أخطاراً على السكان في المناطق القريبة من خطوط التماس، وقد تشمل هذه الأخطار صعوبة التنقل، وتعطل الوصول إلى الخدمات، والأخطار الناجمة عن الألغام والذخائر غير المنفجرة.
تعكس جبهة الصبيحة تداخلاً بين الجغرافيا والعامل القبلي والتنظيم العسكري، وهي عناصر يمكن أن تؤثر مجتمعة في طبيعة المواجهات ومسارها، ويؤكد الحالمي أن التنسيق بين القوات والمقاتلين المحليين، إلى جانب معرفة الأرض، يمثل عاملاً مهماً في مواجهة محاولات التوغل الحوثي.
(جمال شنيتر)