الزراعة شريان الحياة في تريم. تعتمد كل أسرة تقريباً على الأرض، وعندما تنبت المحاصيل، يزدهر المجتمع، حيث يصبح الطعام وفيراً، والأسعار ثابتةً، ويتشارك الجيران حصاد الموسم. ولكن مع ارتفاع درجات الحرارة وجفاف الحقول، تصبح الزراعة كفاحاً. ترتفع الأسعار بشكل كبير، حتى أن أبسط المواد الغذائية الأساسية تصبح بعيدة عن متناول العديد من الأسر.
يقول نواف، وهو يُقدم لنا تموراً من شجرة قريبة: "الزراعة هي كل شيء هنا". نشأ نواف على تقليد مشاركة ما توفره الأرض، وهو أسلوب حياة جعل من مجتمعه مترابطاً لأجيال. "عندما تمر بمزرعة، يدعوك المزارعون لتذوق ما زرعوه".
لكن في السنوات الأخيرة، أصبح هذا التقليد مهدداً. فقد أدت الفيضانات المدمرة إلى تآكل الأراضي الخصبة، وجرفت المحاصيل وشردت العائلات الزراعية. وفي الوقت نفسه، زادت فترات الجفاف الطويلة من صعوبة التعافي.
أصبحت المياه، التي كانت في يوم من الأيام عماد ازدهار تريم، مصدراً للنزاع. ففي كل من تريم وسيئون المجاورة، اشتدت المنافسة على موارد المياه الشحيحة بسبب الاستخدام غير المنظم، وارتفاع الطلب، وتغير المناخ. وقد دفع الري المحدود المزارعين إلى الكفاح للحفاظ على محاصيلهم. واضطر الكثيرون إلى التخلي عن الزراعة تماماً، باحثين عن أي وسيلة لإعالة أسرهم.
على عكس الكثيرين في مدينته، لم تُتَح لنواف فرصة العمل في الأرض. وبصفته واحداً من عشرة أشقاء، تعلم في وقت مبكر أن العيش يعني التضحية. عندما توفي والده، لم يكن أمامه خيار سوى ترك المدرسة والعمل في وظيفة بسيطة، مُعطياً الأولوية لاحتياجات أسرته على أحلامه.
الآن، وهو في الخامسة والعشرين من عمره، يعمل هو وشقيقه الأصغر بلا كلل لإعالة أسرتهما. فهما يغطيان النفقات الطبية لأخيهما الأكبر، الذي يعاني من مرضٍ شديد يمنعه من العمل، ويبذلان قصارى جهدهما لإبقاء إخوتهما الأصغر سناً في المدرسة.
ولكن رغم جهودهما، لا يكفيهما ما يحصلون عليه. يُقر نواف قائلًا: "تمر عائلتنا بوقت عصيب، ونحتاج إلى كل مساعدة ممكنة". لطف الجيران لا يكفي، وديونه في البقالة تتراكم باستمرار. مهما جاهد، يبدو أن ذلك لا يكفي. يقول: "ما نجنيه لا يُغطي نفقاتنا".
مع مواجهة العديد من العائلات في تريم نفس المعاناة، أطلقت المنظمة الدولية للهجرة، بدعم من الوكالة الكورية للتعاون الدولي (KOICA)، مبادرة "النقد مقابل العمل". يوفر هذا النهج فرص عمل قصيرة الأجل لأشخاص مثل نواف، مما يتيح لهم كسب دخل مع المساهمة في إصلاح أنظمة المياه والري، وهذا العمل لا يدر عليهم دخلاً فحسب، بل يضمن أيضاً استمرار إنتاجية الأرض لأجيال قادمة.
كان البرنامج فرصة لنواف وكثيرين غيره لكسب دخل مع المساهمة في نفع مجتمعهم. يقول: "أخبرناهم أننا مستعدون للقيام بأي نوع من العمل، وأننا سنبذل قصارى جهدنا فيه".
على مدار أسبوعين، أمضى نواف وفريقه ساعات طويلة في إزالة النباتات المتضخمة وإعادة تأهيل المسارات التي غطتها الأعشاب الضارة. ساعدت هذه الجهود المزارعين على استعادة إمكانية الوصول إلى حقولهم وتحسين الحالة العامة للأرض. والأهم من ذلك، أنها منحتهم شعوراً بالهدف والراحة، وإن كان مؤقتاً.
يقول نواف بفخر: "قضينا في كل مزرعة يومين أو ثلاثة أيام لتنظيفها، وفي النهاية، استطعنا العمل في جميع المزارع في منطقتنا".
بالمال الذي كسبه، تمكن نواف من شراء مستلزمات لأسرته، وتغطية جزء من الرسوم المدرسية لأشقائه، وسداد بعض الديون. يقول نواف: "لقد ساعد هذا البرنامج الكثير من الناس في منطقتنا. الجميع يتمنى لو يستمر لشهر أو شهرين آخرين. معظم الناس هنا يكافحون منذ فترة طويلة للعثور على عمل، ولديهم أسر يعولونها".
نواف مقتنع بأن العمل الذي قاموا به سيحدث فرقاً حقيقياً للمزارعين. يوضح قائلاً: "لم يتمكن البعض من زراعة المحاصيل لأن أراضيهم كانت مغطاة بالحشائش والأعشاب الضارة. كانوا يقضون وقتاً طويلاً في تنظيف الأرض قبل أن يتمكنوا حتى من البدء في الزراعة". ويعني تنظيف الأرض أن مياه الري يمكن أن تصل أخيراً إلى أشجار النخيل، مما يمنح المزارعين فرصة لزراعة أراضيهم بفعالية أكبر.
ومع ذلك، فهو يعلم أن ذلك العمل وحده لن يغير كل شيء. فهو يحلم بمواصلة دراسته، لكنه لا يستطيع أن يترك شقيقه الأصغر يتحمل أعباء أسرتهم وحده. يقول: "سيكون من الصعب عليه إعالة الأسرة بمفرده".
ومع ذلك، لا يزال نواف متفائلًا. "عندما كان والدي على قيد الحياة، لم يكن يسمح لنا بالعمل أبداً، كان دائماً ينصحنا بالتركيز على تعليمنا". بهذه الكلمات، يشجع إخوته الأصغر على الدراسة ما داموا قادرين على ذلك، مذكراً إياهم بأن التعليم يفتح الأبواب، حتى عندما يبدو المستقبل غامضاً.
المصدر: IOM YEMEN