في اليمن، وفي غضون أسابيع قليلة، تمكن الانفصاليون المنضوون تحت لواء المجلس الانتقالي الجنوبي من بسط سيطرتهم على مساحات واسعة ومناطق استراتيجية في البلاد.
ويحظى هؤلاء بدعم من أبوظبي، في حين تتهمهم الرياض بتهديد الأمن الإقليمي، ما يزيد من هشاشة بلاد أنهكتها الحرب والانقسامات.
وفي ما يلي قراءة تحليلية تستند إلى توضيحات فرانك ميرمييه، وهو عالم أثروبولوجيا، ومدير أبحاث فخري في المركز الوطني الفرنسي، للبحث العلمي متخصص في الشأن اليمني.
بينما لا يزال اليمن غارق في حرب أهلية مستمرة منذ نحو عقد بين الحوثيين والحكومة المعترف بها دوليا، برز طرف آخر أعاد خلط الأوراق في ساحة النزاع. ففي ديسمبر/كانون الأول، أطلقت قوات انفصالية هجوما خاطفا في جنوب البلاد، سيطرت خلاله على مناطق استراتيجية وقواعد عسكرية وحقول نفط.
وتتهم السعودية هذه القوات التي تحظى بدعم إماراتي، بتهديد أمن المنطقة. وقد رفضت هذه الجماعات الانسحاب. فمن هم الانفصاليون وما هي أهدافهم؟.
من هم انفصاليو الجنوب؟
تأسس المجلس الانتقالي الجنوبي عام 2017 بهدف معلن يتمثل في الدفاع عن قضية انفصال جنوب اليمن. ويقوده عيدروس الزبيدي، وهو نائب رئيس المجلس الرئاسي، أي الهيئة التنفيذية للحكومة المعترف بها دوليا، والمحافظ السابق لعدن كبرى مدن الجنوب.
وقد وضعت العملية الأخيرة للمجلس قواته في مواجهة مباشرة مع الحكومة المعترف بها دوليا والمدعومة من السعودية.
غير أن جذور هذا التيار أقدم من ذلك بكثير بحسب فرانك ميرمييه، وهو عالم أثروبولوجيا، ومدير أبحاث فخري في المركز الوطني الفرنسي، للبحث العلمي متخصص في الشأن اليمني.
يوضح ميرمييه أن "نشأة الحراك الجنوبي انطلاقا من الحرب الأهلية اليمنية عام 1994 والتي انتهت بهزيمة الجنوبيين وتهميشهم، لا سيما في الجيش والوظيفة العمومية، مع عمليات عزل مكثفة في عهد الرئيس السابق علي عبد الله صالح".
ظهرت في البداية مطالب اجتماعية واقتصادية، لتتحول تدريجيا إلى مطالب سياسية، ثم إلى دعوات انفصالية بدءا من عام 2007. وشكل اندلاع حرب 2015 بين الحوثيين المدعومين من إيران من جهة، والقوات المدعومة من تحالف عسكري عربي يشمل السعودية والإمارات، فرصة حاسمة للحراك الجنوبي لتثبيت نفسه عسكريا وتوسيع تأثيره.
يمثل المجلس الانتقالي منذ تأسيسه، جزءا من المعسكر الداعم للحكومة المعترف بها دوليا، وله مقاعده داخل مجلس القيادة الرئاسي الذي يفترض أن يوحد القوى المناهضة للحوثيين. لكن هذه الشراكة هشة... فمنذ عام 2018، اندلعت مواجهات بين الانفصاليين والقوات الحكومية في عدن، "العاصمة المؤقتة" للبلاد، وأسفرت اشتباكات عام 2019 عن سقوط نحو أربعين قتيلا خلال أربعة أيام، وفقا للأمم المتحدة.
ما هو مشروعهم السياسي؟
يعلن الانفصاليون أن هدفهم هو إعادة إنشاء دولة مستقلة في جنوب اليمن، على أراضي جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية السابقة، التي قامت بين عامي 1967 و1990، وكانت الدولة الماركسية الوحيدة في العالم العربي قبل أن تتحد مع الشمال.
ويوضح ميرمييه أنه "منذ 2017 لم يعد الانفصاليون يتحدثون فقط عن جنوب اليمن، بل بات يدور حول "دولة جنوب الجزيرة العربية"، ويضيف أنهم "يطالبون بالاستقلال سعيا للتمايز عن الثقافة والهوية اليمنية".
وفي الأيام الأخيرة، شهدت شوارع عدن مظاهرات رفع خلالها المحتجون أعلام جنوب اليمن السابق، وأحيانا أعلام الإمارات. وطالبت أصوات في هذه المظاهرات في تصريحات لـ"قناة عدن المستقلة" المجتمع الدولي والتحالف العربي بـ"إعلان الجنوب دولة مستقلة".
لكن خلف هذه المشاهد المذهلة، يعتبر ميرمييه أن الواقع أكثر تعقيداً فيقول "لا تعني هذه المظاهرات أن المجلس الانتقالي يحظى بدعم شعبي واسع. هو متجذر بقوة في محيط عدن، لكنه يواجه أيضا معارضة قوية تتعلق بفساده وسوء إدارته الاقتصادية، وعجزه عن تلبية التطلعات الاجتماعية".
كما يثير مشروع الانفصال مقاومة محلية في مناطق أخرى، على غرار حضرموت الغنية بالموارد النفطية والمتاخمة للحدود السعودية.
ويوضح ميرمييه أن "شريحة واسعة من قبائل المحافظة ترفض الإدماج القسري في كيان جنوبي، بل تطالب بحكم ذاتي إقليمي ضمن إطار يمني أوسع، مع الحفاظ في نفس الوقت على روابطها التاريخية مع السعودية".
(فرانس 24)