منذ لحظة تشكيل مجلس القيادة الرئاسي في أبريل/ نيسان عام 2022، كانت المعركة الأخطر في اليمن ليست على الجبهات، بل على الدولة نفسها بمؤسساتها وعملتها وبقائها ككيان معترف به دولياً، وفي قلب تلك المعركة وقف البنك المركزي اليمني.
عند انتقال السلطة إلى المجلس الرئاسي برئاسة رشاد العليمي كانت جماعة الحوثي قطعت شوطاً كبيراً في محاولة فرض أمر واقع نقدي بإدارة مالية منفصلة في صنعاء ونظام نقدي مغلق مع مساعٍ غير معلنة لفرض بنك صنعاء كمرجعية أمر واقع.
ولو نجح الحوثي في السيطرة على القرار النقدي حينها، لكانت "الشرعية" تحولت إلى مجرد عنوان سياسي بلا دولة وأصبح هو يتحكم في مصير ملايين اليمنيين في الداخل والخارج.
تحصين البنك المركزي في عدن
أولى خطوات المجلس الرئاسي كانت تحويل البنك المركزي من مؤسسة تقنية إلى قضية سيادة، إذ تمكن من تثبيت الاعتراف الدولي ببنك عدن كمرجعية نقدية وحيدة، ومنع أي مسار أممي أو دولي قد يفضي إلى الاعتراف ببنك صنعاء، مع إعادة ضبط العلاقة بين الرئاسة والبنك لمنع تفككه إدارياً أو مالياً.
وبهذا التدخل، أغلق الباب أمام أخطر سيناريو متمثل في انتزاع الحوثي لشرعية الدولة عبر الاقتصاد.
إفشال الهيمنة الحوثية على العملة
كانت خطة الحوثيين تعتمد على إنهاك بنك عدن، وترك الريال اليمني ينهار ضمن المناطق المحررة، وتقديم صنعاء كنموذج "استقرار نقدي" بديل، لكن المجلس الرئاسي قلب المعادلة عبر جلب دعم مالي إقليمي، تحديداً من السعودية مما مكّنه من التدخل عند الضرورة، وأبقى على دورة الاستيراد مفتوحة عبر القنوات المعترف بها مع حماية الحد الأدنى من قيمة الريال ومنع الانهيار الكامل، ففشل مشروع "العملة كأداة سيطرة سياسية".
معركة الموظفين والمؤسسة
قبل الحرب، كان البنك المركزي يضم نحو 2000 موظف، وبعد الانقسام أصبحوا ألف موظف في البنك المركزي في صنعاء ونحو 900 موظف ضمن عدن والمناطق المحررة.
الاقتصاد كسلاح سياسي مضاد
ولم يكُن المجلس الرئاسي قادراً على توحيد الاقتصاد بسبب الاحتلال، لكنه نجح في حرمان الحوثي من استخدام الاقتصاد كسلاح خطر يهدد مدخرات نحو 30 مليون يمني.
وأبقى على التعدد النقدي كأمر واقع موقت لا كحل دائم مع الحفاظ على قناة تفاوض اقتصادية باسم الدولة اليمنية، ومنذ عام 2022، خاض المجلس الرئاسي بقيادة العليمي أهدأ معاركه وأخطرها التي لم تكُن بالدبابات، بل بالقرارات والعلاقات الدولية والتمسك بمؤسسات الدولة.
ففي اليمن، من يفشل في حماية البنك المركزي، يفشل في حماية الدولة، والمجلس الرئاسي حتى الآن نجح في منع أخطر انتصار كان الحوثي يسعى إليه، أي الانتصار عبر الاقتصاد، ونجح عبر الريال والبنك المركزي في توحيد اليمنيين سواء الذين كانوا يعيشون تحت سلطة الحوثيين أو في مناطقهم المحررة أو حتى في الخارج.