في بلد أنهكته الصراعات، تبدو عودة سالم الخنبشي إلى موقع القرار في اليمن محاولة لإعادة الاعتبار لسياسة الإدارة الهادئة، والتفاوض، والبحث عن الحلول الممكنة لا القصوى.
وهو رهان يعكس إدراكًا متزايدًا بأن إدارة المرحلة المقبلة لا تحتاج فقط إلى القوة، بل إلى خبرة تعرف متى تُستخدم السلطة، ومتى تُضبط.
يعود اسم الدكتور سالم أحمد سعيد الخنبشي إلى واجهة القرار السياسي في اليمن مع تعيينه عضوًا في مجلس القيادة الرئاسي، بوصفه أحد الأسماء التي راكمت خبرة طويلة في العمل العام، وتحرّكت بين التعليم، والإدارة، والسياسة، والوساطة، دون أن تنغمس في خطاب الصدام أو الاصطفاف الحاد.
ويأتي هذا التعيين في لحظة تتقاطع فيها أزمات الحكم، وتتعاظم فيها الحاجة إلى شخصيات قادرة على إدارة التوازنات، لا تفجيرها، وهذه صفات امتلكها الرجل الحضرمي الذي جمع بين القيادة والإدارة، والثقل السياسي الذي أهله ليكون صاحب القرار الأول في الأزمة السياسية الأخيرة التي شهدتها المحافظات الشرقية في اليمن.
وُلد سالم الخنبشي في الثالث من مارس/آذار 1953 في مديرية دوعن بمحافظة حضرموت، وهي إحدى المناطق التي اشتهرت تاريخيًا بإنتاج نخب تعليمية وإدارية لعبت أدوارًا بارزة في الحياة العامة. في تلك البيئة، تشكّلت ملامح شخصيته الأولى، المتأثرة بثقافة التعليم والانضباط الاجتماعي، وهي سمات سترافقه لاحقًا في مسيرته السياسية والإدارية.
بعد إنهاء تعليمه الأساسي في حضرموت، اتجه الخنبشي إلى الخارج لاستكمال دراسته العليا، حيث حصل على درجة الماجستير في علم الاجتماع من جمهورية المجر. وقد أتاح له هذا التخصص فهمًا عميقًا لبنية المجتمع، والعلاقة بين السلطة والمجتمع المحلي، وهو ما انعكس لاحقًا في مقاربته لقضايا الحكم المحلي والتنمية، خصوصًا في البيئات الهشّة والمتعددة الولاءات مثل حضرموت.
بدأ الخنبشي مسيرته المهنية في القطاع التربوي، حيث عمل مدرسًا ثم مشرفًا تعليميًا في سبعينيات القرن الماضي، قبل أن ينتقل إلى العمل الأكاديمي في جامعة حضرموت، ويتدرج فيها حتى شغل مناصب قيادية، من بينها رئاسة قسم الفلسفة وعلم الاجتماع، وتولى مهام عميد كلية التربية بالمكلا بالإنابة خلال الفترة (1986–1988).
هذا المسار الأكاديمي شكّل بوابته الأولى إلى العمل العام، إذ انتقل لاحقًا إلى المجال السياسي، ليكون من أوائل الأكاديميين الحضارم الذين شاركوا في العمل البرلماني بعد الوحدة اليمنية، حيث انتُخب عضوًا في مجلس النواب (1993–1997)، في مرحلة كانت تشهد فيها البلاد إعادة صياغة النظام السياسي.
ينتمي الخنبشي إلى تيار سياسي معتدل، وقد شارك في الحوار الوطني الشامل ضمن فريق "الحكم الرشيد"، حيث ساهم في صياغة رؤى إصلاحية حول الحكم والإدارة، كما كان رئيس الفريق الحكومي في مفاوضات الكويت، وعضوًا في فريق مشاورات الرياض، ما يعكس حضورًا دائمًا في عمليات التفاوض الوطنية، كما ارتبط بفترة عضويته في اللجنة المركزية للحزب الاشتراكي اليمني والمكتب السياسي للحزب في سنوات ما قبل تغيّرات المشهد السياسي الداخلي.
تنوعت أدوار الخنبشي بين العمل التشريعي والتنفيذي والاستشاري، حيث شغل عضوية اللجنة العليا للانتخابات والاستفتاء (2001–2007)، في واحدة من أكثر المراحل حساسية في إدارة الحياة السياسية.
عُيّن محافظًا لمحافظة حضرموت في مايو/أيار 2008، وهو المنصب الذي أتاح له احتكاكًا مباشرًا بتعقيدات المحافظة الأكبر مساحة والأكثر تنوعًا اجتماعيًا واقتصاديًا.
عُيّن في أكتوبر/تشرين الأول 2018 نائبًا لرئيس مجلس الوزراء، مشاركًا في إدارة الملفات التنفيذية للدولة خلال سنوات الحرب، وشغل عضوية مجلس الشورى، وسلهم في النقاشات المرتبطة بالمرحلة الانتقالية ومستقبل الحكم.
برز اسم الخنبشي بقوة خلال الأزمة السياسية والأمنية التي شهدتها حضرموت أخيرًا، في ظل تصاعد الاحتجاجات، وتداخل المطالب المعيشية مع الصراعات السياسية، واشتداد التنافس بين قوى محلية وإقليمية على النفوذ داخل المحافظة. في تلك اللحظة، لم يتقدّم الخنبشي بوصفه طرفًا في الصراع، بل باعتباره وسيطا سياسيا وإداريا، وسعى إلى احتواء التوتر والدفع باتجاه حلول تفاوضية، مستندًا إلى معرفته العميقة بالبنية الاجتماعية الحضرمية.
علاقات متوازنة مع القيادات المحلية والقبلية
له خبرة سابقة في إدارة المحافظة، وهو صاحب إدراك لحساسية استخدام القوة في بيئة شديدة التعقيد، وقد ساهمت مواقفه الداعية إلى تحييد حضرموت عن الصراعات المسلحة والحفاظ على مؤسساتها، في ترسيخ صورته شخصيةً عقلانية قادرة على التحدث بلغة الدولة في زمن تتراجع فيه هذه اللغة.
يحمل تعيين الخنبشي في مجلس القيادة الرئاسي دلالات تتجاوز البعد الشخصي، من بينها: تعزيز حضور الخبرة الإدارية المدنية داخل مجلس يغلب عليه الطابع السياسي والعسكري، وإدخال صوت حضرمي يمتلك معرفة دقيقة بتحديات المحافظات الشرقية، ويعكس حساسية ملف حضرموت، بالإضافة إلى الاستفادة من شخصية مقبولة لدى أطراف متباينة وغير محسوبة على الاستقطابات الحادة.
ومن المتوقع أن يضطلع الخنبشي بدور فاعل في ملفات الحكم المحلي وإدارة الموارد، وتهدئة التوترات في المحافظات ذات الحساسية الخاصة، وعلى رأسها حضرموت، ودعم المسارات التفاوضية داخل المجلس، وبين المجلس والقوى المحلية.
انتماء الخنبشي الجغرافي إلى محافظة حضرموت يمنحه وزنًا خاصًا في المشهد الوطني. حضرموت، التي تُعد أكبر محافظات اليمن مساحة وثروةً نفطية واستراتيجية على البحر العربي، تحمل حساسية سياسية واقتصادية عالية. وجود شخصية حضرمية مخضرمة في مجلس القيادة الرئاسي يشكّل رسالة تطمين لمكونات الجنوب الشرقي، ويمنح المجلس مزيدًا من التوازن في تمثيل القوى المحلية ضمن بنية السلطة العليا.
يمثّل الدكتور سالم الخنبشي نموذجًا للفعل الإداري المتوازن في سياق اليمن المعاصر: رجل سياسة وأكاديميا، تجاوز حدود الخطاب الحزبي الضيق، وحافظ على حضور وطني مرن. تعيينه في مجلس القيادة الرئاسي يشي بمحاولة إسقاط محاور استقرار وإدارة جيدة داخل بنى السلطة العليا، في وقت يحتاج فيه اليمن الكثير من الأحكام الرشيدة والخبرات المتنوعة.