24 فبراير 2026
23 فبراير 2026
يمن فريدم-أماني الطويل
رويترز


لم تكن جلسة مجلس الأمن الأخيرة حول السودان حدثاً إجرائياً عابراً، بل جاءت كاشفة عن مأزق أعمق يواجه المجتمع الدولي في تعاطيه مع حرب مفتوحة لا تبدو قابلة للاحتواء بالبيانات وحدها، فالمداولات التي جرت داخل المجلس والدعوات المتكررة إلى هدنة إنسانية فورية ومن دون شروط، عكست إدراكاً متزايداً لحجم الكارثة الإنسانية، لكنها في الوقت ذاته كشفت عن فجوة مستمرة بين الوعي السياسي بالأزمة في العواصم الغربية المختلفة التي تعلن برامج لدعم الضحايا وبين القدرة على التأثير في مسارها الفعلي.

في هذا السياق جاء القرار 2724 تحت ولاية الفصل السادس من ميثاق الأمم المتحدة الذي لا يملك عادة آليات لها قدرة الردع الدولي، إذ دعا بوضوح إلى وقف فوري للأعمال القتالية في السودان طوال شهر رمضان، مشيراً إلى ضرورة التزام ذلك مع فتح المسارات الإنسانية والممرات الحدودية وتسهيل الحركة بين الولايات لإيصال الغذاء والدواء، وذلك كله مع رقابة دولية من جانب الأمم المتحدة برصد الخروقات.

قد يكون من اللافت خلال جلسة مجلس الأمن وفي قراره معاً أن الخطاب الدولي بدا أكثر مباشرة في تحميل أطراف النزاع مسؤولية استمرار العنف، مع مناشدتهم وقف هذا الصراع تحت مظلة التزام ديني وأخلاقي، مع تركيز خاص على ضرورة ضمان وصول المساعدات الإنسانية من دون عوائق.

لكن هذا التشديد الأخلاقي ضمن خطابات الدول وفي القرار المشار إليه أعلاه لم يُترجم إلى أدوات تنفيذية ملزمة. فلم يُطرح إطار واضح لآلية رقابة دولية ميدانية، ولا نظام عقوبات نوعي مرتبط بسلوك الأطراف، ولا حتى جدول زمني سياسي يربط بين الهدنة الإنسانية ومسار تفاوضي محدد.

وبذلك بقيت الجلسة، على رغم حدتها اللفظية، محكومة بسقف تقليدي من الضغوط الدبلوماسية التي تعتمد على الاستجابة الطوعية للقوى المتصارعة سياسياً والمتحاربة ميدانياً، مما تُرجم لاحقاً في القرار الدولي الذي لا يتضمن قوات حفظ سلام، بل يعتمد على الموقف الأخلاقي للأطراف، مع وجود تحديين رئيسين هما تمسّك الحكومة في بورتسودان بضرورة التنسيق الكامل معها في كل الخطوات الإنسانية، ورفض قوات الأطراف المتصارعة عسكرياً مسألة خروج قواتها خارج المدن أو ما يطلق عليه الأعيان المدنية.

هذا التباين بين حدة الأزمة ومرونة الأدوات الدولية يضعنا أمام معضلة في إدارة هذا الموقف، فالحرب في السودان لم تعُد مجرد صراع عسكري، بل تحولت إلى فضاء تفكك مؤسسي واسع، تتداخل فيه الحسابات العسكرية بالاقتصادات الحربية وشبكات الدعم الإقليمي وانهيار الخدمات الأساسية.

في هذا السياق، تصبح الدعوة إلى هدنة إنسانية ضرورية أخلاقياً، لكنها غير كافية سياسياً ما لم ترفق بضمانات تنفيذية قادرة على تعديل موازين السلوك العسكري على الأرض، والأهم من ذلك ألا تسمح بتغيير الموازين العسكرية للأطراف، فتكون هذه الهدنة خطوة أولى نحو وقف إطلاق نار شامل لكل ميادين الصراع العسكري.

والأزمة الإنسانية التي كانت محوراً أساسياً خلال مداولات المجلس، تمثل اليوم العامل الأكثر إلحاحاً في الحسابات الدولية. فملايين النازحين داخلياً والانهيار المتسارع في منظومة الصحة العامة وتوسع نطاق انعدام الأمن الغذائي، كلها عناصر تضغط باتجاه تحرك دولي أكثر فاعلية، غير أن التجارب السابقة تشير إلى أن فتح الممرات الإنسانية لا يستدام إلا إذا ارتبط بتفاهمات عسكرية واضحة، وإلا تحولت الهدن إلى فترات إعادة تموضع للقوى المتقاتلة، لا إلى مساحات حقيقية لخفض العنف.

من هنا، يمكن قراءة الجلسة الأخيرة والقرار اللاحق لها بوصفها مؤشراً على تحول نسبي في اللغة الدولية تجاه السودان، من دون أن ترقى بعد إلى مستوى التحول في السياسات. فالدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وبريطانيا، بدت أكثر ميلاً إلى الدفع نحو صيغة رقابية للهدنة، مع تأكيد متزايد على محاسبة مرتكبي الانتهاكات.

لكن هذا الميل لا يزال يصطدم بغياب توافق دولي صلب حول أدوات الإلزام، وبحسابات جيوسياسية أوسع تجعل بعض الأطراف حذرة من الانتظام في مسار تصعيدي داخل مجلس الأمن بلا آليات المراقبة.

وتأثير قرار مجلس الأمن في مسار الحرب يبدو في المدى القصير محدوداً، فالأطراف المتحاربة ما زالت ترى في ميزان القوة الميداني أداة الحسم الأساسية، ولم تظهر مؤشرات واضحة على استعداد استراتيجي للتراجع أو تقديم تنازلات جوهرية.

ومع ذلك، فإن تكرار الضغط الدولي وتراكم التقارير الحقوقية وارتفاع كلفة الاستمرار في الحرب سياسياً واقتصادياً، قد تخلق تدريجاً بيئة ضاغطة تدفع نحو هدنة أكثر استقراراً. لكن هذا الاحتمال يظل مرهوناً بمدى استعداد مجلس الأمن للانتقال من موقع النداء إلى موقع الإلزام.

السيناريو الأقرب في الأجل القصير يتمثل في استمرار نمط الحرب منخفضة الحسم، إذ لا ينجح أي طرف في فرض سيطرة كاملة، ولا يتمكن المجتمع الدولي من فرض وقف دائم لإطلاق النار. في هذا الإطار، قد نشهد هدنة جزئية أو موضعية، أو ما سماه مسعد بولس "ميكانيزم إنسانياً" قد يسمح بتحسين نسبي في وصول المساعدات، من دون أن ينهي جوهر الصراع.

أما السيناريو الأكثر خطورة، فيكمن في تعمق الانقسام الجغرافي والمؤسسي، بما يكرس واقعاً شبه تفكيكي للدولة، ويحول الأزمة الإنسانية إلى سمة دائمة لا إلى طارئ قابل للاحتواء، مما بدا مدركاً ومحسوساً على نحو ما على الصعيد المحلي السوداني.

والدلالة الأهم للجلسة، إذاً، لا تكمن فقط في مضمون ما قيل، بل في ما لم يقُل. فلم تطرح رؤية متكاملة لإعادة بناء الدولة السودانية، ولم يحدد إطار سياسي جامع يعيد دمج الفاعلين المدنيين في معادلة الحل، ولم يربط المسار الإنساني بمشروع تسوية مؤسسية طويل الأمد. وهذا الغياب يعكس استمرار التعاطي الدولي مع الأزمة بوصفها ملفاً إنسانياً عاجلاً، أكثر منها أزمة دولة كاملة.

في المحصلة، كشفت الجلسة وقرار مجلس الأمن عن إدراك دولي متقدم لحجم الكارثة، لكنهما لم يُظهرا بعد قدرة مقابلة على إعادة تشكيل مسارها. وبينما تتراكم البيانات والنداءات، تبقى الأرض السودانية محكومة بمعادلات القوة والسلاح، ذلك أن الانتقال من بلاغة الإدانة إلى سياسة الفعل سيظل الاختبار الحقيقي لفاعلية مجلس الأمن في هذه الأزمة.

وحتى يتحقق ذلك، ستبقى الجلسات محطة ضرورية في حفظ الذاكرة الدولية للأزمة، لكنها غير كافية وحدها لتغيير مسارها ولا حماية المدنيين الذين باتوا بلا مظلة من أمل لوقف هذه الحرب الغبية.

(اندبندنت عربية)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI