تؤكّد المنظّمة أن ما يجري يتجاوز الانتهاكات الفردية إلى سياسة قمع قائمة على النوع الاجتماعي، تشمل تقييد الحركة والعمل، واعتقال النساء بسبب آرائهن أو نشاطهن، ما يحوّلهن إلى أهداف مباشرة لمنظومة أمنية تستخدم الترهيب والتشهير والاحتجاز كأدوات للضبط والسيطرة.
عانت حنان الشيباني، الموظفة في قسم الخدمات والبروتوكول ببرنامج الغذاء العالمي(WFP)، من خوف ورعب من الاعتقال؛ الخوف نفسه الذي أودى قبل أشهر بحياة الموظف بقسم تقنية المعلومات في المفوضية السامية للأمم المتحدة بصنعاء عبدالله الأكحلي، إذ توفي بذبحة صدرية.
هذا الضغط النفسي الحاد انعكس على صحة حنان، مما أدى إلى وضع مولودها قبل موعده، ليفارق الحياة بعد أيام من ولادته. لم تمنحها الجماعة وقتًا لاستعادة عافيتها، ودون مراعاة لظروفها الصحية الاستثنائية؛ قامت في الخامس والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2025، عناصر مسلحة برفقة "الزينبيات" بمداهمة منزلها في صنعاء، وفتشته قبل أن تقتادها إلى جهة مجهولة، ذلك بعد أيام قليلة من فجيعتها بفقدان رضيعها.
و"الزينبيات" أداة أمنية نسائية تستخدمها جماعة الحوثي للسيطرة على المجتمع، خصوصاً النساء، عبر المراقبة والقمع والاعتقال، ضمن منظومة أمنية موازية خارج الأطر القانونية.
وبالتزامن، داهمت قوة أخرى منزل زميلتها نسرين الشرماني، الموظفة في قسم الخدمات والسفريات في (WFP) واعتقلوها.
وبعد أقل من شهر على اعتقال الشيباني، عادوا واقتحموا منزلها مرة أخرى، وانتزعوا زوجها "الدكتور عبد اللطيف عبد الغني"، الموظف في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) من بين أطفالهما واقتادوه إلى جهة مجهولة!.
تجدر الإشارة إلى أن اعتقال الشرماني والشيباني تزامن مع إطلاق سراح الفنانة انتصار الحمادي، التي قضت خمس سنوات في السجن، وخرجت لتروي في لقاء تلفزيوني تم اذاعته مؤخراً ما لاقته من ظلم وعنف وعنصرية.
مع تكتم الأسر ورفضها الإبلاغ، وعدم توفر معلومات دقيقة، يظل العدد الحقيقي للسجينات والمعتقلات في سجون الحوثي غير معلوم.
إلا أن موجة الاعتقالات وتصاعدها عقب الضربات الأمريكية مطلع يناير، زادت حدتها بعد الضربات الإسرائيلية في أغسطس/آب 2025، والتي أسفرت عن مقتل عدد من الحوثيين، بينهم أعضاء في الحكومة، يكشف عن حالات اعتقالات واسعة، بعضها لم يعلن عنها اهالي الضحايا وبعضهم اعلن بعد أشهر من الاعتقال.
طالت الاعتقالات العشرات من موظفات وموظفي المنظمات الدولية والمحلية، بالإضافة إلى احتجاز نساء، وإخفائهن قسريًا، بسبب مواقفهن المناوئة للحوثي أو لسفرهن بدون "محرم". من بينه هؤلاء سحر الخولاني، التي اعتقلت لأشهر مع طفليها، بسبب انتقادها تردي الأوضاع المعيشية للمواطنين.
أطلق سراحها، لكن بعد الإفراج عنها بدت عليها تصرفات أثارت قلق من حولها وتم تفسيره بأنه نتيجة تعرضها للتعذيب أثناء اعتقالها. جرى اعتقالها مرة أخرى منذ أشهر مع زوجها ولا يعرف مصيرهما.
وفي نوفمبر الماضي، اعتقلت فتاة كانت متجهة من صنعاء الى محافظة ذمار، بحجة سفرها "بدون محرم"، وبقيت في السجن اسبوعًا قبل الإفراج عنها.
قبل أسابيع أطلق سراح ناشطة اعتقلت في محافظة الحديدة، بينما تمكنت حينها صحفية من الهرب عقب اعتقال زوجها.
أين أمي؟
يكتب "عرفات" نجل المعتقلة والمختفية قسريًا في سجون الحوثي، أشواق الشميري على صفحته في فيسبوك باحثا عن أمه:"أربعة أشهر ونحن ننتظر اتصالا أو طارق باب يرفع عنا هذا القهر الذي خنق أيامنا، أما يكفي ما بثوه في قلوبنا من خوف وترهيب واقتحام للبيوت؟".
لثلاثة أشهر، لم تتحدث العائلة عن واقعة الاعتقال أملاً بإطلاق سراحها، لكن بعد أن طالت مدة اعتقالها، وشعورهم بالقلق من مصيرها في سجن لا يعرفوه، ومع تلاشي الأمل بإطلاقها، قرروا التحدث.
وفي أول منشور لنجلها على صفحته، ناشد زعيم جماعة عبد الملك الحوثي، الكشف عن مصير والدته والإفراج عنها.
أفاد أحد أقرباء الشميري:"ناشدناهم، من أكبر القيادات إلى أصغرها، لمعرفة مكانها والإفراج عنها، لكن لم يستجب أحد لمناشداتنا". في مرة واحدة فقط، أجابوا بأنها قيد التحري في استخبارات الشرطة، وبحسب ما وصلنا كعائلة، فهي محتجزة في "الدار المخفي".
والدار المخفي، عبارة عن "فيلا" في صنعاء، حولها الحوثيون إلى سجن سري، تحتجز فيه النساء، وتشير المعلومات إلى أن إدارته تخضع للاستخبارات.
في السادسة من صباح 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، حاصرت مليشيا الحوثي بالمصفحات والمدرعات، الحي الذي تقطنه أشواق الشميري (50 عامًا)، ومنعت سكانه من الدخول إليه أو الخروج منه.
واقتحم عناصر بزي عسكري برفقة "زينبيات"، منزلها، وقاموا بتفتيشه ومصادرة مقتنيات شخصية، قبل أن يقتادوها إلى جهة مجهولة.
كانت الشميري تعمل وكيلة لإحدى المدارس في محافظة تعز قبل نزوحها إلى صنعاء أثناء الحرب عام 2015.
بحسب العائلة فإن أشواق"لم تُحال إلى النيابة ولا نعرف مكانها، ولا التهمة الموجهة إليها، حتى نتمكن من توكيل محام".
ومنذ اعتقالها، سمح لها الاتصال بعائلتها مرتين فقط، الأولى في 4 يناير/ كانون الأول، ثم أجرت اتصالا آخر قبل أسابيع، استمر أقل من دقيقتين، اطمأنت خلاله على أبنائها دون أن تقول شيئا عن وضعها، ومنذ ذلك الحين لا يزال مصيرها مجهولًا.
تنكيل وتعذيب
تجسد حنان شوعي المنتصر (52 عاماً) مأساة المغيبات في سجون الحوثي؛ فمنذ اعتقالها قبل سبع سنوات وهي تصارع مرضًا خلف أسوار السجن المركزي.
تكشف والدتها في تسجيل بثته قناة "الحدث"عن الوضع المتدهور لصحة إبنتها، مؤكدة خروج "قطع لحمية"من أنفها، وترفض إدارة السجن منحها تقريرًا طبيًا يوضح حالتها، أو السماح بنقلها إلى مستشفى متخصص.
لم تعلق جماعة الحوثي على ما تم تداوله، حول صحة حنان المنتصر، التي بدأت مأساتها في الثالث من يوليو/تموز 2019، عندما حاصرت وداهمت عناصر تابعة للجماعة، منزلها بصنعاء في الثالثة فجرًا، وفتشته وصادرت مقتنيات شخصية، واقتيادها إلى جهة مجهولة!.
واحتجزت لأكثر من عام ونصف في سجون سرية، لا أحد يعلم مكانها ومصيرها، قبل نقلها إلى سجن البحث الجنائي، حيث تعرضت هناك لأبشع أنواع التعذيب النفسي والجسدي. ثم نُقلت لاحقا إلى السجن المركزي.
محاميها، عبد المجيد صبرة، الذي صار، هو الآخر معتقلا في سجون الحوثي منذ أيلول سبتمبر الماضي؛ كان قد أكد ما مورس ضدها من انتهاكات.
واتهم صبرة الحوثيين بمخالفة الدستور والقانون، والمواثيق الدولية التي صادقت عليها اليمن، كما شكك بنزاهة الإجراءات المتخذة بحقها.
المنتصر ليست مجرد سجينة، أو رقم في تقارير المنظمات، بل هي قصة كفاح وصورة من صور معاناة اليمنيات، وأحد الشهود على الجريمة الحوثية.
المنتصر أم لخمسة أطفال، أكبرهم في السابعة عشرة من عمره.
كانت قد نزحت بسبب الحرب، من زبيد بمحافظة الحديدة (غرب اليمن) لتستقر في صنعاء.
ظلت تكافح من أجل لقمة العيش، وتأمين احتياجات عائلتها؛ حيث أنها المعيل الوحيد لوالدتها وأطفالها الخمسة (أحدهم مصاب بضمور في الدماغ). عملت مع منظمة خيرية في توزيع السلال الغذائية، كما عملت حارسة في صالة للأعراس بصنعاء.
بعد أربع سنوات، من الاحتجاز والمحاكمة الجائرة، صدر بحقها في الثاني والعشرين من فبراير/ شباط 2023 حكم قاسٍ، قضى بسجنها إثنتي عشرة سنة، بتهمة التخابر مع المملكة العربية السعودية وحلفائها، وبدأ سريانه من تاريخ اعتقالها.
في تعليقه على الحكم، كتب المحامي عبد المجيد صبرة على حسابه في فيسبوك، مؤكدا:"القضية برمتها، مبنية على تهم سياسية كيدية، والقاضي لم يلتفت إلى الدفوع القانونية التي قدمها الدفاع، بل اعتمد على أقوال مزعومة نُسبت إلى حنان من قبل أجهزة مكافحة الإرهاب".
وأشار إلى أن حنان نفسها أكدت توقيعها على تلك الأوراق وهي معصوبة العينين، ولا تعلم محتواها، فضلاً عما تعرضت له من ضرب وتعذيب.
زابن في قائمة العقوبات
عام 2019، كتب الصحفي المناصر لجماعة الحوثي محمد الديلمي، على صفحته في فيسبوك منشورًا يتهم مدير البحث الجنائي آنذاك، سلطان زابن، باستغلال السجينات، والاعتداء عليهن في سجون سرية، قبل إحالتهن إلى السجن المركزي.
اتهم الديلمي زابن بـ"المتاجرة بالنساء". ماكتبه الديلمي، أكدته سجينات سابقات، وتقارير أممية.
بعد فترة وجيزة من إدراج سلطان زابن في لائحة العقوبات لمجلس الأمن في 25 فبراير/ شباط 2021 نعته وزارة الداخلية التابعة للجماعة، مطلع إبريل/ نيسان 2021، بشكل مفاجئ، مدعية وفاته بمرض بدون أي تفاصيل!.
مات زابن، أو هذا ما ادعته الجماعة، هروبًا من المسائلة ومحاولة لملمة ما يمكن لملمته؛ لكن الجريمة الـ"المستمرة" بحق النساء تبقى شاهدة على ارتكابات الحوثي بحق السجينات اليمنيات.
تؤكد هيومن رايتش:"الحوثيون، منذ سيطرتهم على صنعاء في 2014، ارتكبوا انتهاكات جسيمة لحقوق المرأة وحرياتها".
أحكام بالإعدام
في الرابع من ديسمبر/ كانون الأول 2023، أصدرت المحكمة الجزائية المتخصصة بصنعاء حكمًا بإعدام الناشطة فاطمة العرولي رميًا بالرصاص حتى الموت، بتهمة التخابر مع دولة أجنبية في حالة حرب مع الجمهورية اليمنية وهي (دولة الإمارات)، خلال الفترة من 2019 إلى 2022.
ألقي القبض على العرولي منتصف أغسطس/ آب 2022، في نقطة تفتيش «المنشور» الأمنية بمديرية الحوبان، الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثي بمحافظة تعز، أثناء سفرها إلى صنعاء بعد زيارة قصيرة لوالدتها في الإمارات، وظلت مختفية قسريا لخمسة أشهر.
وعلى إثر صدور حكم الإعدام، أطلقت منظمة العفو الدولية مطلع فبراير/شباط 2024 حملة تحرك عاجل للمطالبة بإنقاذها والإفراج عنها.
الحكم نفسه، صدر بحق أسماء العميسي، قبل أن يخفض إلى سجن عشر سنوات، وأطلق سراحها في أكتوبر/تشرين الماضي بعد تسع سنوات من الاعتقال، تعرضت خلالها للتعذيب الشديد.
إعتقالات مستمرة
خلال عيد الفطر الماضي نفذت الجماعة، حملة اعتقالات جديدة. تقول مصادر حقوقية إنّ بين المعتقلين موظفة تعمل بإحدى المنظمات الأممية.
في السادس من يونيو/حزيران 2024، أعتقلت فادية السريحي، الموظفة في المعهد الديمقراطي، وظلت محتجزة خمسة أشهر قبل إطلاق سراحها. وكحال أغلب عائلات المعتقلات، فضلت أسرتها عدم التحدث إلى وسائل الإعلام أو المنظمات الحقوقية.
واعتقلت مطلع يونيو/حزيران 2024، سميرة بلح، المنسقة الميدانية للمفوضية السامية لحقوق الإنسان في محافظة الحديدة، من منزلها، واقتيدت إلى جهة مجهولة.
كما طالت حملة الاعتقالات الواسعة والتي لا تزال مستمرة، سارة الفائق، المديرة التنفيذية للائتلاف المدني للسلام، إذ اعتقلت مع زوجها وأطفالها. وأُطلق سراح الزوج والأبناء لاحقًا.
في أغسطس/آب، وبعد مرور أكثر من عام على اعتقالها، سُمح لسارة بزيارة عائلتها لمدة ساعة تقريبًا قبل إعادتها إلى المعتقل.
وفي وقتٍ لاحق، تم معرفة مكان احتجاز أغلب موظفات وموظفي المنظمات؛ وهو سجن المخابرات في صنعاء.
الزينبيات نساء لقمع النساء
يؤكد التقرير النهائي لفريق الخبراء الدوليين المعني باليمن، الصادر في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، بأن "كتيبة الزينبيات" تقوم بتجنيد الفتيات لأعمال التجسس، والمراقبة، والإمداد اللوجستي، بما في ذلك نقل المواد المتفجرة، مشيرًا إلى أن عمليات التجنيد تتم غالبًا في المدارس، وخلال المناسبات الدينية.
وفقا للتقرير، الكتيبة تلعب دورًا محوريًا في تسهيل ارتكاب العنف الجنسي، الذي يمارسه قيادات حوثية ضد السجينات، فضلاً عن قيامهن بضرب وتعذيب المعتقلات. ولفت التقرير أيضًا إلى أن رفض عائلات كثير من السجينات قبولهن بعد إطلاق سراحهن يسهل على الجماعة عملية تجنيدهن كـ "جواسيس".
وكشف الفريق عن تعرض الناشطات، لاستهداف ممنهج؛ يشمل التهديد بالقتل، والتشهير العلني، بالإضافة إلى ممارسة العنف، والتهديد ضد عائلاتهن، مع وصم بعضهن بتهمة "التجسس لإسرائيل"، وهو اتهام بالغ الخطورة في ظل الصراع الدائر في غزة، حسب وصف التقرير.
تجدر الإشارة الى أن "الزينبيات" يعمل كجهاز سري، وتتخفى قياداته النسائية وراء "كُنًى" مستعارة. ولا تتوفر معلومات حول أعدادهن الحقيقية، إلا أن التقديرات تشير إلى أنهن بالآلاف.
وتفيد المصادر بأنه جرى تسريح عدد كبير منهن في أعقاب الضربات الإسرائيلية والأميركية.
وعلى الرغم من أن اسم "الزينبيات" غير معلن، ولا يُذكر رسميًا في وسائل إعلام الجامعة، ويشار إليهن بـ"الهيئة النسائية أو الأمن النسائي"، إلا أن شهادات ناجيات، وموظفين في أجهزة الأمن والمخابرات، تؤكد تداول هذا الإسم داخل المؤسسات.
حسب تقارير إعلامية وحقوقية، تقود الكتيبة إمرأة تدعى "زهراء أبو طالب"، والتي تعرف بشخصيتها القمعية. وتشرف أبو طالب على عمليات مداهمة المنازل والاعتقالات والاعتداءات التي تستهدف النساء، كما تشرف على السجن المعروف شعبيًا باسم "الدارالمخفي".
وقد عملت تحت إشراف سلطان زابن، مدير البحث الجنائي.
إلى جانب ذلك، أشرفت أبو طالب مع هدى العماد، الأستاذة في جامعة صنعاء، على قمع مظاهرات نسائية. أبرزها تلك التي خرجت فيها النساء مطالبات بتسليم جثمان الرئيس الأسبق، علي عبد الله صالح، في ديسمبر/كانون الأول 2017، وانتفاضة طالبات جامعة صنعاء التي عُرفت بـ"ثورة الجياع"، في أكتوبر/تشرين الأول 2018.
وتؤكد شهادات الضحايا أن هذه المظاهرات قُمعت بوحشية، وصلت إلى حد ضرب الطالبات، حتى سالت منهن الدماء؛ إضافة تهديدات طالت حتى أكاديميات في الجامعة.
حملات ممنهجة ضد النساء
لم تأتِ هذه الحملات بشكل مفاجئ، فقد سبقتها حملات تحريض وترهيب ممنهجة ضد النساء تحريض، قادها شخصيات دينية وإعلامية؛ من على منابر المساجد ووسائل إعلام تابعة لهم، ومواقع التواصل الاجتماعي؛ حتى جدران شوارع صنعاء امتلأت بكتابات تحريضية تستهدف المنظمات والنساء.
خطاب تحريضي اتهم الصحفيات والعاملات في المنظمات بأنهن "شبكة ناعمة" تعمل لصالح "العدوان".
ولم يتوقف الأمر عند التحريض اللفظي، بل تبعه إجراءات لتقييد الحريات الأساسية؛ حيث صدرت قرارات تمنع سفر النساء خارج البلاد، أو تنقلهن بين المدن اليمنية، بدون موافقة وزارة الداخلية التابعة للجماعة. ولاحقًا، فُرض شرط موافقة ولي الأمر على السفر، ثم استحدث شرط "مرافقة ولي الأمر".
أدت هذه القيود إلى احتجاز عدد من النساء، أو إعادتهن قسرًا إلى صنعاء، بحجة سفرهن بدون محرم، ما دفع ببعض الموظفات للنزوح نحو المدن الخاضعة لسيطرة الحكومة المعترف بها دوليًا، وأخريات توقفن عن العمل؛ رغم إنهن المعيلات الوحيدات لأسرهن.
رغم كل هذه الانتهاكات التي تمارس ضد النساء، يظل تداول الكثير منها طي الكتمان بطلب من أسر الضحايا، خوفا من تعنت الحوثي وعرقلة إطلاقهن، وخوف من أي رد فعل انتقامي، إضافة الى الخوف من "الوصمة" التي تلاحق الضحايا وعائلاتهن.
ولاتقتصر الانتهاكات بحق النساء على الاعتقال، بل يلجؤون إلى الاغتيال المعنوي للشخصية، بتوجيه تهم تمّس السمعة والشرف، كالدعارة أو تعاطي المخدرات، ومؤخرًا تهمة "التجسس" التي وجهت إلى عدد من موظفات المنظمات، بهدف تشويه صورتهن ، وتجريدهن من أي تعاطف مجتمعي، ووصمهن اجتماعيًا حتى بعد الإفراج عنهن.
والسجينات خارج حسابات النخبة
يكشف هذا الواقع المأساوي الذي تعاني منه المرأة اليمنية، عمق الفجوة بين النساء واحتياجاتهن من جهة، وبين مطالب بعض الناشطات والمنظمات من جهة أخرى؛ إذ لا تزال مطالب العديد منها نخبوية، تتركز في الحصول على المناصب، وهي مطالب منفصلة عن الاحتياجات الحقيقية للنساء على الأرض.
وحتى اللاتي وصلن إلى مواقع صنع القرار، لم يكنَّ أصواتًا حقيقية للنساء، أومعبرًة عن قضاياهن، بل تكتفي بعضهن بمواقف آنية عبر إصدار بيانات تتماشى مع القضايا الرائجة (الترند) ثم سرعان ما تُنسى. كما أن المناصرة انتقائية ؛ حيث يقتصر التضامن غالبًا على ناشطات وشخصيات معروفة، مما يعكس غياب النضال الحقيقي الذي يتبنى القضايا الأساسية لكل النساء دون تمييز.
أما الدور المؤسسي الرسمي يكاد يكون غائبًا ؛ إذ لم تصدر "اللجنة الوطنية للمرأة" منذ سنوات أي تقارير حول وضع النساء، مبررة ذلك بعدم توفر الميزانية الكافية.
وبالإضافة إلى قصور مواقف المنظمات، يظل ملف النساء في سجون جماعة الحوثي خارج أولويات المتفاوضين والأحزاب.
حيث تغيب قضية السجينات في المفاوضات بخصوص ملف الأسرى، سألت أحد أعضاء الوفد الحكومي المفاوض عمّا إذا كانت النساء المعتقلات ضمن كشوفات الحكومة؟ أفاد بأسف؛ بأن قوائم المعتقلين لدى أطراف الحكومة المختلفة، لا تتضمن أسماء نساء، في حين ذكر عضو آخر، أن طارق صالح أدرج اسم "فاطمة العرولي" ضمن قائمة المقاومة الوطنية.
ناهيك عن ذلك، تكتفي المنظمات الدولية، وفي مقدمتها الأمم المتحدة، بالتنديد الدوري باعتقال موظفيها. وكانت منظمة العفو الدولية قد أصدرت بيانًا في 4 يوليو/تموز 2024، وثقت فيه سلسلة مداهمات نفذتها جماعة الحوثي في محافظتي صنعاء والحديدة، واعتقلت ما لا يقل عن 27 موظفاً، بينهم أربع نساء، اقتيدوا إلى جهة مجهولة!.
وأشار البيان إلى أن المكاتب، والمنازل المستهدفة شهدت توافدًا مكثفًا لقوات الأمن الحوثية، الذين أغلقوا أحياء بأكملها وصادروا أجهزة حاسوب وهواتف نقالة ووثائق وصورًا شخصية، لافتًا إلى احتجاز ما لا يقل عن ثلاثة من أفراد أسر الموظفين، بينهم طفلان، لمدة لا تقل عن 10 أيام.
أمهات قتلهنَّ الحزن
ثمّة قصص لم تُرو؛ قصص أمهات قتلهنّ القهر والانتظار. وجع لم يُعبّر عنه كما يجب؛ وجع أمهات ينتظرن عودة بنات وأبناء إبتلعتهم الزنازين، أو حتى خبر يطمئن قلوبهن عن مصيرهم.
ففي الخامس من كانون الثاني/يناير 2025، أسلمت والدة المعتقلة “سارة الفائق” روحها للسماء حزناً على ابنتها، وغادرت الدنيا دون وداع وفي قلبها غصة.
وبعد شهر، لحقت بها والدة “رباب المضواحي”،الموظفة في المعهد الديمقراطي الأمريكي (NDI) إثر تدهور حالتها الصحية، أثناء وجود ابنتها في المعتقل.
في الثامن عشر من فبراير/شباط 2025، توفيت وسُمح لرباب بتوديعها الوداع الأخير قبل أن تعاد إلى السجن، ثم أُطلق سراحها بعد ثلاثة أشهر من وفاة أمها.
وفي منتصف ديسمبر 2024، كان الموت على موعد مع والدة “مراد ظافر”، نائب مدير المعهد الديمقراطي الأمريكي (NDI)؛ حيث توفيت بعد ستة أشهر فقط من اعتقاله وإخفائه قسريًا، وقبل أن يُكشف عن مكان احتجازه. ولم تسمح الجماعة لمراد بحضور مراسم دفن أمه، ولا يزال حتى كتابة هذا التقرير في المعتقل بصنعاء دون تهمة.
ومنذ اعتقاله وإخفائه قسريًا في أبريل 2015، ظلت والدة القيادي في التجمع اليمني للإصلاح "محمد قحطان" تنتظره؛ ولمدة ست سنوات، ظل سمعها وبصرها معلقين بالباب لعله يأتي، لعله يطرقه ،لكنه لم يأتِ.
ولم يعد قلبها يقوى على تحمل القهر، ليتوقف في نوفمبر/تشرين الثاني 2021 حزنًا وكمدًا؛ خصوصًا مع تلاعب الجماعة بمشاعر العائلة، تارةً بتسريب أخبار عن وفاته، وتارةً أخرى بإبداء الاستعداد لإطلاق سراحه، دون أن تكشف عن مصيره.
(درج)