ودع اليمن الرئيس السابق عبدربه منصور هادي عن عمر يناهز 80 عاما، والذي ارتبط اسمه بإدارة مرحلة شديدة التعقيد في تاريخ اليمن الحديث، اتسمت بالانقسام السياسي والأمني، تعرض خلالها لأربع محاولات اغتيال، لتُطوى بهذا حياة الرجل العسكري بعد نصف قرن من الأحداث الملتهبة والمنعطفات الخطيرة في تاريخ اليمن الحديث.
ونعت الرئاسة اليمنية هادي الذي توفي الخميس في العاصمة السعودية الرياض بعد تدهور حالته الصحية خلال الأيام الماضية.
وأفاد مصدر رسمي أن وفاة هادي جاءت إثر معاناته من مشاكل صحية في القلب، وأنه اعتاد السفر سنويًا بشكل غير معلن إلى الولايات المتحدة لإجراء الفحوصات اللازمة ومتابعة الحالة في أحد المشافي بمدينة كليفلاند الأمريكية.
وكان هادي تقلد منصب رئيس الجمهورية في العام 2012 خلفا للرئيس علي عبد الله صالح (قتل على يد الحوثيين بالعام 2017)، حتى تنحيه عن السلطة في أبريل /نيسان 2022 حينما سلم مقاليد الحكم إلى مجلس القيادة الرئاسي برئاسة رشاد العليمي وعضوية سبعة أشخاص آخرين.
ويعد هادي أحد أبرز الساسة اليمنيين في العصر الحديث، وسبق أن عمل لسنوات عديدة نائبا لرئيس الجمهورية في عهد علي عبدالله صالح.
وتقام الصلاة على جثمان هادي عصر اليوم الجمعة، في جامع الإمام تركي بن عبدالله بمدينة الرياض، فيما سيوارى جثمانه الثرى في مقبرة العود، حسب بيان لأسرة الرئيس السابق.
عرف هادي الحياة العسكرية منذ شبابه، حيث تخرج سنة 1964 في مدرسة "جيش محمية عدن"، المدرسة العسكرية في اليمن الجنوبي، التي كانت معروفة محلياً بـ"جيش الليوي"، والذي تأسس إبان الاحتلال البريطاني لجنوب اليمن.
وكانت هذه المدرسة انطلاقة لمسيرته العسكرية الطويلة، التي تبلورت في دورات تدريبية ما بين بريطانيا والاتحاد السوفيتي السابق ومصر، التي ظل فيها حتى سنة 1970.
برز اسمه على الساحة السياسية في اليمن منذ سنة 1986 مع اندلاع أحداث يناير/كانون الثاني داخل الحزب الاشتراكي الحاكم في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، التي كانت تشكل اليمن الجنوبي آنذاك، قبل وحدة الجمهوريتين اليمنيتين.
وقد حُكم عليه غيابياً بالإعدام رمياً بالرصاص بسبب مشاركته في تلك الأحداث التي وُصفت بالدموية، وفُصل من الحزب الاشتراكي ومن جميع المناصب الرسمية، إلى أن تأسست جمهورية اليمن التي جمعت شمل الجنوب بالشمال سنة 1990، ليعُيّن مستشاراً في المجلس الرئاسي تحت قيادة الرئيس السابق علي عبد الله صالح.
وفي سنة 1992، أُعلن العفو عنه من جميع الأحكام الصادرة بحقه. وحصل على درجة الماجستير من أكاديمية ناصر العسكرية في القاهرة عام 1994م. وفي هذه السنة، حصل على ترقيتين عسكريتين، ليتقلد منصب وزير الدفاع في اليمن وهو يحمل رتبة العميد، قبل أن يحصل على ترقية ثانية بعدها ببضعة أشهر ليصبح لواء.
ولم يستمر في منصبه الوزاري سوى نحو خمسة أشهر، ففي أكتوبر/تشرين الأول، عُين عبد ربه منصور هادي نائباً للرئيس علي عبد الله صالح، لكنه استمر في الإشراف على شؤون الدفاع والأمن في البلاد.
وفي سنة 1995، انتُخِب نائباً لرئيس المؤتمر الشعبي العام الذي أسسه صالح في الثمانينيات، والذي ظل مهيمناً على الساحة السياسية اليمنية حتى عام 2011.
وأدى هادي دوراً مهماً في إقناع صالح بتوقيع اتفاق للخروج من الأزمة بعد الاحتجاجات الحاشدة التي شهدها اليمن سنة 2011. ففي مارس/آذار، ترأّس هادي الاجتماع الأول للجنة العسكرية والأمنية المعنية بحالة الطوارئ التي أعلنها صالح، حين أُعلنت حالة الطوارئ لمدة 30 يوماً بسبب تفاقم أعمال الشغب في البلاد.
وفي يونيو/حزيران، أُعلن توليه مهام الرئيس بالنيابة خلال غياب الرئيس علي عبد الله صالح في السعودية لتلقي العلاج من إصابات لحقت به جرّاء هجوم على مُجمع دار الرئاسة. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 2011، وقّع الرئيس صالح اتفاقية نقل السلطة في الرياض، التي صاغها مجلس التعاون الخليجي بهدف حل الأزمة في اليمن، وتسليم السلطة إلى هادي.
وفي الشهر نفسه، أصدر هادي مرسوماً رئاسياً، بصفته نائباً عن الرئيس، يدعو فيه إلى إجراء انتخابات رئاسية في فبراير/شباط 2012. وقد أعلن حينها صالح أن هادي "هو مرشح توافقي، ومرشح المؤتمر الشعبي العام وحلفائه".
وفي يناير/كانون الثاني من عام 2012، رُقّي هادي إلى رتبة مُشير على يد صالح الذي تنحى عن منصبه ودعا الشعب اليمني إلى دعم هادي، الذي أصبح رسمياً ثاني رئيس للجمهورية اليمنية بعد الوحدة، في انتخابات حصد فيها نسبة 99.8 في المئة من الأصوات.
بعد تنحيه عن منصبه الذي استمر فيه لـ10 سنوات صعبة، عاش هادي حياة هادئة بعيدة عن الأضواء لنحو 4 سنوات في السعودية التي فر إليها بعد الإقامة الجبرية التي فرضها عليه الحوثيون، قبل أن تعلن الرئاسة اليمنية الخميس، وفاته والحداد عليه لثلاثة أيام، مع تنكيس الأعلام.
وأشاد بيان الرئاسة بـ"قيادته الحكيمة"، قائلاً إنه "قاد الدولة اليمنية خلال إحدى أكثر المراحل تعقيداً التي شهدتها البلاد على الإطلاق، وسط حرب وانقلاب وأزمات إنسانية واقتصادية غير مسبوقة".
وقدمت العديد من الدول تعازيها لليمن بوفاة هادي، على رأسها العاهل السعودي سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، التعازي إلى اليمن وشعبه بوفاة الرئيس السابق عبدربه منصور هادي.
وقال بيان صادر عن الديوان الملكي نشرته وزارة الخارجية السعودية على منصة إكس، إن الملك سلمان وولي عهده تلقيا "ببالغ الحزن وعظيم الأسى" نبأ وفاة الرئيس السابق عبدربه منصور هادي.
وأعربا "عن بالغ التعازي وصادق المواساة لعائلة الفقيد، ولحكومة وشعب الجمهورية اليمنية الشقيق".
وأكد الملك سلمان وولي عهده "وقوف المملكة وشعبها مع الجمهورية اليمنية وشعبها ويشاطرونهم مشاعر الأسى والألم".
بدوره، بعث سلطان عمان هيثم بن طارق برقية تعزية ومواساة إلى رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد محمد العليمي، بوفاة الرئيس السابق عبدربه منصور هادي.
وأعرب سلطان عمان "عن خالص تعازيه وصادق مواساته للعليمي، وللشعب اليمني الشقيق".
وفي الكويت، بعث أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح برقية عزاء إلى رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بوفاة الرئيس السابق عبدربه منصور هادي.
ودعا أمير الكويت أن "يتغمد الله الفقيد بواسع رحمته ويسكنه فسيح جناته وأن يلهم العليمي والشعب اليمني الشقيق وذوي الفقيد جميل الصبر وحسن العزاء".
وقدمت السفارة الأميركية لدى اليمن "أحر التعازي والمواساة إلى أسرة الرئيس اليمني السابق هادي، وإلى الشعب اليمني كافة، في هذا المصاب الأليم".
وقالت السفارة في بيان" لقد تولى الرئيس هادي مسؤولية قيادة بلاده في منعطف تاريخي بالغ الصعوبة والتعقيد، وجسّد حرصه على أمن اليمن واستقراره، ومساعيه لتجنيب البلاد ويلات الصراع الداخلي، إخلاصه وتفانيه من أجل أبناء الشعب اليمني".
وأعرب المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ عن خالص تعازيه في وفاة هادي. وقال غروندبرغ، في بيان مقتضب، إن الرئيس هادي كرس سنوات طويلة لخدمة اليمن، وقاد البلاد خلال العديد من المحطات المفصلية.
وقدم الاتحاد الأوروبي، خالص تعازيه في وفاة عبد ربه منصور هادي، الرئيس السابق للجمهورية اليمنية. وفي بيان صادر عن بعثته لدى اليمن، تقدم الاتحاد الأوروبي بصادق المواساة إلى أسرة الراحل وذويه والشعب اليمني.
بدورها، أعربت السفارة البريطانية لدى اليمن عن حزنها لوفاة الرئيس عبدربه منصور هادي.