29 إبريل 2026
آخر الاخبار
29 إبريل 2026
يمن فريدم-صلاح الواسعي


يجري الحديث عن العمارة المستدامة اليوم كأحد الحلول البيئية الأكثر جذبا في سياق الحديث عن التغيرات الحرارية وتحدياتها على المدن السكنية الحديثة في العواصم العربية.

وأصبحت العودة إلى دراسة العمارة التقليدية القديمة ليست مجرد حنين إلى الماضي أو شعورا بالـ"نوستالجيا" فحسب، بل ضرورة لمواجهة تحديات وجودية تتعلق بالمناخ ومقاومة الطبيعة.

وتعد العمارة اليمنية بنماذجها الفريدة في مدينة شبام حضرموت الشهيرة، وكذلك مدينة صنعاء القديمة التي تعد أول ناطحات سحاب في العالم مثالا حيا على الصمود والتكيف.

إلا أن إهمال الإنسان ونشاطاته السلبية، مثل الحروب وغيرها، قد نال من هذه العمارة، وأدى إلى تدمير أجزاء منها وإهمال الجزء الآخر، مما جعل تدخل الجهات المعنية لحمايتها وإنقاذها مطلبا ملحا اليوم أكثر من أي وقت مضى.

في هذا الحوار، نناقش مع الأكاديمي والباحث في الهندسة المعمارية الدكتور عبد الفتاح محمد يحيى المسهلي أبعاد العمارة اليمنية وعلاقتها بالاستدامة والهوية والتكنولوجيا.

استدامة فطرية

إلى أي حد يمكن اعتبار العمارة اليمنية القديمة نموذجا مبكرا لما يعرف اليوم بالعمارة المستدامة؟

العمارة اليمنية التقليدية تُعد نموذجا متقدما لما نُسميه اليوم بالاستدامة، لأنها نشأت من فهم عميق للبيئة المحلية، واستخدمت مواد طبيعية محلية، وحققت كفاءة طاقية عالية دون أي تقنيات حديثة. نحن لا نحتاج إلى اختراع الاستدامة… بل إلى إعادة اكتشافها.

ما الذي يجعل هذه العمارة التقليدية قادرة على الصمود وتحقيق الراحة الحرارية ومقاومة التغيرات المناخية دون تقنيات حديثة؟

لأنها تعتمد على مجموعة من الحلول الذكية مثل: سماكة الجدران الطينية والحجرية، الفتحات المدروسة، التهوية الطبيعية، والتدرج الحراري، وهي حلول قائمة على التوازن بين الإنسان والمناخ، وليس مقاومته.

هل يمكن للعمارة التقليدية اليمنية أن تقدم حلولا واقعية لأزمة الطاقة والمشكلات البيئية في المدن العربية اليوم؟

نعم، وبقوة. يمكن إعادة توظيف مبادئ العمارة اليمنية التقليدية في العمارة الحديثة، خاصة في ظل أزمة الطاقة. هناك توجهات معاصرة في العمارة البيئية تحاول استلهام هذه النماذج، لكن التحدي الحقيقي يكمن في ترجمتها بما يتناسب مع احتياجات العصر.

ويمكن تطبيق ذلك اليوم عبر تصميم مبانٍ منخفضة الطاقة تعتمد على التهوية الطبيعية والمواد المحلية، وهو ما بدأت بعض المشاريع المعاصرة في تبنيه بشكل تدريجي.

هل هناك تجارب معاصرة نجحت في إعادة استلهام النماذج التقليدية ضمن مشاريع العمارة الحديثة؟

بالطبع، ومن أبرز الأمثلة:

مدينة مصدر (الإمارات): تم توظيف فكرة الشوارع الضيقة والمظللة المستوحاة من المدن التقليدية، إلى جانب أبراج الرياح لتحقيق التبريد الطبيعي.

جامعة قطر: استُلهم تصميم الحرم الجامعي من البيئة المحلية باستخدام الأفنية الداخلية والممرات المظللة.

مشروع جبل عمر (مكة): أُعيد تفسير فكرة التظليل والكثافة العمرانية التقليدية لتقليل التعرض المباشر للشمس.

حي الطريف بالدرعية (السعودية): يُحيي العمارة النجدية التقليدية باستخدام مواد محلية ولكن بمعايير حديثة.

واحة سيوة (مصر): لا تزال العمارة الطينية (الكرشيف) تُستخدم نموذجا حيا للتكيف المناخي في مشاريع سياحية بيئية.

المبنى كـ "نص ثقافي"

كيف يمكن أن نقرأ المبنى التقليدي بوصفه هوية ثقافية يحكي عن المجتمع اليمني وتاريخه وعاداته اليومية؟

المبنى التقليدي هو "نص ثقافي"؛ يعكس القيم الاجتماعية وأنماط الحياة والخصوصية. تفاصيله المعمارية تحكي عن المجتمع، من توزيع الفراغات إلى الزخارف.

ما الذي يميز فلسفة العمارة التقليدية اليمنية عن غيرها من أنماط العمارة التقليدية في العالم العربي؟

تميزها يكمن في الاندماج الكامل بين الوظيفة والجمال والبيئة، خاصة في العمارة الطينية الرأسية (ناطحات السحاب الطينية)، وهو نموذج فريد عالميا، إذ تمثل مدينة شبام حضرموت (أول ناطحة سحاب طينية في العالم) مثالا عالميا على ذلك.

كيف يمكن الحفاظ على الهوية المعمارية في سياق أنماط العمارة الحديثة؟

ليس بالنسخ الحرفي، بل بإعادة تفسير العناصر التقليدية (المواد، النسب، الفتحات) ضمن إطار معاصر يحقق التوازن بين الأصالة والتطور.

ندوب الحرب

لماذا تراجعت العمارة التقليدية في اليمن مقابل أنماط بناء حديثة؟

بسبب الاستيراد غير الواعي للنماذج الغربية، وضعف الوعي، وسهولة استخدام المواد الحديثة، وغياب السياسات العمرانية التي تحمي الهوية اليمنية.

كيف أثّرت الحرب في اليمن على العمارة التاريخية والبنية العمرانية التقليدية؟

تسببت الحرب في تدمير مباشر للتراث، بالإضافة إلى فقدان الخبرات الحرفية، وتدهور النسيج العمراني التقليدي. وبعضها فُقد إلى الأبد للأسف.

إلى أي مدى يمكن ترميم أو إنقاذ هذا الإرث المعماري في ظل الظروف الحالية؟

يمكن ترميم وإنقاذ ما تبقى، لكن هذا يتطلب تدخلا علميا ومؤسسيا، عبر التوثيق والترميم وإدماج العمارة التقليدية في خطط التنمية المستقبلية.

العمارة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

هل فلسفة العمارة اليوم تُبنى لراحة الإنسان أم لمنطق السوق التجاري والتكنولوجيا؟

للأسف، في كثير من الأحيان تخضع لمنطق السوق. لكن العمارة الحقيقية يجب أن تعود للإنسان ككائن يعيش ويشعر، وليس كمستخدم فقط، وتوازن بين الاقتصاد والراحة والجودة البيئية.

إلى أي حد يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعيد تشكيل مفهوم العمارة في المستقبل؟

الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل أدوات التصميم، لكنه لن يستبدل الفكر المعماري. يمكن أن يكون أداة قوية لإعادة إحياء العمارة المستدامة وتحليل الأداء البيئي في المستقبل.

هل يمكننا العودة كليا إلى أنماط العمارة التقليدية في يوم من الأيام؟

العمارة التقليدية لم تكن بدائية… بل كانت ذكية قبل أن نُدرك معنى الذكاء. لا يمكن العودة بشكل كامل، لكن يمكن استلهامها وتطويرها. فالمستقبل ليس في الماضي، بل في فهمه وإعادة صياغته.

كلمة أخيرة تود إضافتها؟

أود التأكيد أن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في بناء مبانٍ جديدة، بل في بناء وعي معماري جديد يعيد التوازن بين الإنسان والبيئة والتكنولوجيا. فالعمارة ليست مجرد شكل… بل هي مسؤولية حضارية.

(الجزيرة نت)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI