30 إبريل 2026
30 إبريل 2026
يمن فريدم-أمير حسين مير إسماعيلي
تتابع عائلات ضحايا احتجاجات يناير، شأنها شأن قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني، التطورات الخارجية عن كثب (أ ف ب)


مرت 110 أيام على الاحتجاجات الإيرانية التي اندلعت في الثامن والتاسع من يناير/ كانون الثاني الماضي، لكن ما يظهر اليوم في الروايات الواردة من داخل إيران لا يقتصر على استمرار حالة الحداد لدى عائلات الضحايا، بل يتجاوز ذلك إلى تشكل نمط من العدالة في صمت مفروض، إذ يحرم عدد من العائلات حتى من حق ذكر أسماء أبنائها، في حين يستمر غضبها ومطالبتها بالعدالة عبر رسائل ومنشورات، إضافة إلى أشكال من التظلم المحلي غير العلني.

وتشير معلومات حصلت عليها "اندبندنت فارسية"، من طهران وكرج وأصفهان وساري ومشهد ونيشابور وكرمانشاه ولاهيجان وعدد من المدن الإيرانية الأخرى، إلى استمرار الضغوط الأمنية على عائلات القتلى، بما في ذلك التهديد بالاعتقال، والاستدعاءات المتكررة، والتحذير من التواصل مع وسائل الإعلام.

ودفع ذلك جزءاً كبيراً من هذه العائلات إلى الامتناع عن أي نشاط أو تصريح علني، على رغم أن روايات غير مباشرة تتسرب إلى الخارج وتقدم صورة مختلفة عما هو ظاهر.

وأرسل أحد أقارب شاب رياضي قتل خلال احتجاجات أصفهان صورة لوالدته إلى "اندبندنت فارسية"، تظهرها جالسة في صمت تحدق في هاتفها. وجاء في وصف الصورة أنها منذ مقتل ابنها تقضي معظم وقتها أمام التلفاز أو الهاتف، في انتظار اليوم الذي ينتقم فيه لدمه ويحاسب المسؤولون عن القتل، ولم يكشف عن هوية العائلة لأسباب أمنية.

ويؤكد مقربون من عائلات أخرى لضحايا أحداث ديسمبر/ كانون الأول أن هذا الشعور لا يقتصر على أسرة واحدة، إذ يقول مصدر مقرب من أم في منتصف العمر قتل ابنها في التاسع من يناير الماضي، في مدينة شهريار برصاص قوات تابعة للنظام الإيراني إنه تم تحذيرهم من أنه إذا تحدثوا فسيتم اعتقالهم، وربما قتلهم مع أبنائهم، لذلك لا يتحدثون علناً، لكن داخل الدوائر الخاصة، يتحدثون فقط عن الانتقام.

وأضاف المصدر "هذه العبارة مشتركة بين معظم العائلات التي نعرفها في شهريار وكرج، وكما كانوا يحتفلون يوم مقتل المرشد علي خامنئي، فإنهم اليوم ينتظرون سقوط النظام بالكامل".

وفي مدينة ساري شمال إيران، يقول أحد أقرباء عائلة ضحية أخرى إن "أمه لم تعد تخرج من المنزل، ومن يزورها يشعر وكأنها ما تزال عالقة في لحظة تلقيها خبر وفاة ابنها، وتكرر جملة واحدة: هذا الدم لن يذهب سدى".

وبحسب مصادر متعددة، انتقل جزء من نشاط هذه العائلات إلى فضاءات مغلقة وغير علنية، مثل مجموعات عائلية صغيرة على تطبيقات المراسلة، أو منشورات لا يراها إلا نطاق محدود من المتابعين. وتظهر في هذه المساحات ملامح مختلطة من الحزن والغضب والانتظار، انتظار لا يرتبط بمسارات قضائية داخلية بقدر ما يرتبط بتطورات سياسية أوسع.

وفي ظل الهدوء النسبي وتوقف المواجهات المباشرة، يتابع عدد من هذه العائلات، شأنها شأن قطاعات واسعة من المجتمع الإيراني، التطورات الخارجية عن كثب. ووفقاً لشهادات من أكثر من 10 مدن، فإن الأمل في سقوط النظام الإيراني بات لدى كثير من هذه العائلات أحد المسارات الرئيسة التي يربطون بها إمكان تحقيق العدالة.

ويقول ناشط مدني في طهران، يتواصل مع عدد من عائلات الضحايا، إن كثيرين منهم يصرحون بأن "هذا النظام إذا لم يضعف من الخارج فلن يحاسب أبداً، لأن احتجاجات الـ27 من ديسمبر/ كانون الأول 2025، أثبتت مجدداً أن قوة الشعب الأعزل لا تصل إليهم، وأنهم مستعدون لقتل مزيد من الناس كلما اقتضى الأمر لاستمرار نظامهم. لذلك فإن أنظارهم تتجه إلى الخارج، ويقولون إن هذا ربما يكون الطريق الوحيد لمحاكمة من أصدروا أوامر القتل داخل إيران بصورة عادلة".

ويشير هذا التصور، بحسب ما تفيد به مصادر ميدانية، إلى أنه يزداد حضوراً خصوصاً لدى عائلات واجهت خلال الأشهر الماضية اعتقالات، وأحكاماً قاسية، وتهديدات أمنية متكررة، واستدعاءات، أو قيوداً اجتماعية مشددة. وتعتقد هذه العائلات أنه في ظل غياب أي مسار قضائي أو قانوني فعال لملاحقة قضايا القتلى داخل البلاد، فإن مسار العدالة بات مغلقاً بالكامل، وأن الطريق الوحيد للكشف عن الحقيقة ومحاسبة المسؤولين يمر عبر تغييرات جوهرية في بنية السلطة أو انهيار النظام.

في السياق ذاته، تفيد تقارير واردة بأن حتى تنظيم مناسبات عائلية بسيطة، مثل أعياد الميلاد أو ذكرى الزواج للضحايا، يواجه قيوداً أمنية مشددة. إذ قامت قوات أمنية، بحسب هذه المصادر، بالتدخل في أماكن إحياء المناسبات أو عند مقابر بعض الضحايا مثل مهرداد إسماعيل ‌بور في "آستانة أشرفية"، وقهرمان رجبي في كرج، وراحلة شرافتي ‌مقدم في مشهد، وياسمين صحنه في آق ‌قلا، وفرهاد أماني في طهران، ومنعت أي تجمعات عائلية، مطالبة بعدم القيام بأي سلوك استفزازي.

كما علمت "اندبندنت فارسية" أن ساسان آزاد وار، وهو شاب يبلغ من العمر 21 سنة ولاعب كاراتيه، اعتقل في الثامن من يناير الماضي، بتهمة المشاركة في احتجاجات أصفهان، وصدر في حقه حكم بالإعدام، وهو الآن يواجه خطر التنفيذ الوشيك، بينما تعرض أفراد عائلته لتهديدات بالاعتقال في حال نشر أية معلومات أو إجراء مقابلات صحافية.

وبحسب معلومات من مقربين منه، فقد صدر الحكم في حق هذا الرياضي في فرع المحكمة الثورية الأولى في أصفهان في مارس/ آذار الماضي، وسط ما وصف بوجود غموض في ملف القضية وغياب أدلة واضحة، قبل أن تؤيده المحكمة العليا في إيران في أبريل/ نيسان الجاري، استناداً إلى ما اعتبر اعترافاً قسرياً تحت التعذيب.

وتجمع الروايات الواردة على أن ما يسود ليس مجرد حالة حزن بل غضب ممتد، تقول مصادر متعددة إنه لم يتراجع مع الوقت، بل ازداد عمقاً. وفي ظل هذا الواقع، لم تعد قضية العدالة بالنسبة إلى هذه العائلات مجرد مطلب فردي، بل أصبحت جزءاً من رؤيتهم لمستقبل إيران، مستقبل لا يرونه ممكناً إلا عبر محاسبة المسؤولين عن القتل وإقامة مسار حقيقي للعدالة.

(اندبندنت فارسية)

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI