دفن وسام قائد بعد يومين من اختطافه وقتله في عدن عصر الأحد، الثالث من مايو 2026.
لكن ملفه لم يُطوَ مع الدفن.
فالبريطاني اليمني، المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية في عدن، كان ثاني شخصية مؤثرة تُقتل في المدينة خلال أقل من أسبوعين، بعد مقتل القيادي في حزب الإصلاح عبد الرحمن الشاعر أواخر أبريل.
ورغم عدم ثبوت صلة مباشرة بين هذه الوقائع، فإن موقع قائد في مؤسسة تنموية حساسة، تتقاطع فيها أموال المانحين مع نفوذ السلطات المتصارعة، جعل مقتله يبدو في نظر كثيرين أكثر من حادثة أمنية منفصلة.
تابعت "الحرة" قصة اغتياله مع دوائر مقربة منه، بعد تقارير صحفية وتصريحات رسمية طرحت احتمال تورط الحوثيين في مقتله، على خلفية خلافات مرتبطة بالصندوق الاجتماعي للتنمية.
لكن مقتله ليس شأنا يمنيا فحسب.
في رد خاص لـ"الحرة"، قالت الخارجية البريطانية إنها "تتابع القضية عن كثب" وإنها "على تواصل مع السلطات المحلية".
وأضافت: "بما أن التحقيق لا يزال جاريا، لن يكون من المناسب التكهن بمزيد من التفاصيل".
بحسب السلطات اليمنية، وما وثقته كاميرات المراقبة، اقتاد مسلحون وسام قائد من قرب منزله في حي إنماء بعدن، قبل أن يُعثر عليه لاحقا مقتولا داخل سيارته في منطقة الحسوة.
ومن التفاصيل التي أثارت تساؤلات لدى مقربين من قائد أن منفذي الخطف ظهروا، بحسب التسجيلات، بوجوه غير مغطاة.
وقالت عائلة قائد في تصريحات خاصة بالـ"الحرة" إنه لم يبلّغها بتلقيه تهديدات مباشرة أو مخاوف محددة قبل مقتله. في المقابل، أعلنت السلطات اليمنية فتح تحقيق وتوقيف مشتبه واحد على الأقل، غير أنها لم تقدم حتى الآن رواية مكتملة أو أدلة علنية تجيب عن الأسئلة الأساسية: من خطط للعملية؟ من نفذها؟ وما الدافع وراءها؟
ولفهم لماذا قد يتحول مسؤول تنموي إلى هدف محتمل، لا بد من فهم الصندوق نفسه.
منذ تأسيسه عام 1997، ظل الصندوق الاجتماعي للتنمية إحدى القنوات القليلة القادرة على تنفيذ مشاريع في بلد مقسم بين سلطات وجبهات متناحرة.
وهو آخر مساحات الثقة الدولية في ما تبقّى من الدولة، وممرّ لمئات الملايين من الدولارات إلى مدارس وعيادات وطرق. كما يحظى الصندوق بدعم البنك الدولي منذ أكثر من عقدين.
تحدثت “الحرة” مع صديق عملَ مباشرة مع وسام قائد، فضّل عدم ذكر اسمه بسبب مخاوف أمنية.
بحسب الصديق، كان الصندوق الاجتماعي حتى بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء يُنظر إليه كـ"جهة وطنية ومحايدة"، لا كمنظمة أجنبية، وهو ما سمح له بالعمل حتى بعد تضييق الحوثيين على منظمات دولية كثيرة.
وكان قائد قد تبوأ منصب نائب مدير الصندوق في 2019، وهناك بدأ، وفق رواية المصدر، يفتح ملفات مالية وإدارية ويتساءل عن وجهة بعض الأموال، ما أدى إلى اشتداد ما وصفه صديقه بـ"حرب" داخلية ضده.
لكن موقعه تغير عمليا بعد مغادرته صنعاء إلى عدن عام 2024. فمن نائب مدير يعمل داخل بنية الصندوق في صنعاء، أصبح قائد واجهة الإدارة التنفيذية في عدن، ونقطة الاتصال الأبرز مع الحكومة المعترف بها دوليا والمانحين الدوليين.
يروي الصديق أن قائد غادر صنعاء بعد معلومات عن مداهمات تستهدف عاملين ومديرين في منظمات ومؤسسات مدنية.
ويقول إن أحد معارفه نقله بالسيارة إلى عدن بعد تحذير بأن هناك "مداهمات لمدراء المنظمات"، قبل أن تنتشر أخبار مغادرته، بينما داهم مسلحون حوثيون منزله لاحقا.
ولم يتسنَّ لـ"الحرة" التحقق بشكل مستقل من كل تفاصيل هذه الرواية. لكنها تتقاطع مع سياق موثق؛ ففي يونيو 2024، قالت هيومن رايتس ووتش إن الحوثيين اعتقلوا وأخفوا قسرا عشرات الأشخاص منذ نهاية مايو، بينهم موظفون أمميون وعاملون في منظمات غير حكومية. وبعد أسابيع، قالت منظمة العفو الدولية إن الحملة طالت 13 موظفا أمميا وما لا يقل عن 14 عاملا في منظمات يمنية ودولية.
بعد وصوله إلى عدن، لعب قائد دورا محوريا في إعادة تموضع الصندوق. يقول صديقه لـ"الحرة" إن "وسام هو مهندس نقل الصندوق من صنعاء إلى عدن".
وصدرت مذكرتان، إحداهما من رئاسة الوزراء والأخرى من البنك المركزي اليمني، لنقل الصلاحيات والتعاملات المالية المرتبطة بالصندوق إلى عدن بدلا من صنعاء.
عمليا، كان ذلك يعني تغييرا في آلية إدارة التمويلات الدولية التي تمر عبر الصندوق، وتقليصا لصلاحيات قيادات كانت تدير جزءا من عمله من صنعاء. وجاء هذا التحول في سياق أوسع من الشكوك القديمة حول سيطرة الحوثيين على مؤسسات مالية وتنموية في العاصمة؛ ففي 2018، اتهمت الرئاسة اليمنية الحوثيين بالعبث بموارد الصندوق، بما في ذلك المساعدات والقروض.
وزادت حساسية الملف لاحقا بعد فرض عقوبات أميركية على بنك اليمن والكويت، وهو من البنوك التي يقول المصدر إن أموالا مرتبطة بالصندوق كانت تُودع أو تمر عبره في صنعاء.
ثم جاءت إعادة واشنطن تصنيف الحوثيين، منظمة إرهابية أجنبية في 2025، لتجعل أي تعامل مالي قد يُفسَّر كدعم مادي للجماعة أو لكيانات مرتبطة بها ذا مخاطر قانونية عالية.
لذلك حُصرت التعاملات المالية المرتبطة بالصندوق عبر بنوك عدن.
في ردود الفعل الدولية، دان المبعوث الأممي لليمن، هانس غروندبرغ، مقتل وسام قائد، وقال إن إرثه “يجب أن يستمر”. أما اليونسكو، فوصفت اغتياله بأنه "ضربة مدمرة" للمجتمعين الإنساني والتنموي. وتوالت مواقف دبلوماسية مماثلة.
إذ طالب الاتحاد الأوروبي بتقديم الجناة إلى العدالة، ودعت السفارة الأمريكية إلى تحقيق شامل، بينما عبّرت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدة شريف، عن غضبها وصدمتها، مؤكدة أن قائد عمل لضمان وصول المساعدات إلى ملايين اليمنيين. كما دعت سفارات غربية، بينها الألمانية والفرنسية، إلى تحقيق سريع ومحاسبة المسؤولين.
(الحرة)