منذ تصعيده الأخير، وعقب سيطرته على الساحل الغربي المطل على البحر الأحمر وصولاً إلى باب المندب، دفع الحوثي بغالبية قوامه القتالي نحو تعز، المحافظة التي تتربع في الإقليم الغربي لليمن، بهدف السيطرة على المنطقة التي تمثل الثقل المدني والسياسي للقضية اليمنية، وأولوية استراتيجية في مشروع حربه الجارية.
وفق المعطيات الميدانية، أولى الحوثيون لهذه المعركة أهمية بارزة تعززت بمركز عمليات موحد وكبير يقود المهمة التي بلغت، على صعيد كثافة الأنساق المهاجمة، مرحلة غير مسبوقة متخذة نمطاً ميدانياً وتكتيكياً أوسع يمتد على عشرات نقاط الاشتباك المستحدثة، مصحوبة بغطاء ناري ومدفعي كثيف أبرزها مناطق سامع، ودبع، والضباب، وجبل حبشي، ومقبنة، والكدحة، وبني عمر، وجبال راسن، والأقروض، والمقاطرة- هيجة العبد، والشقب وغيرها.
واشتدت وطأة الهجوم الحوثي مساء أمس الخميس وحتى فجر اليوم الجمعة قبل كسرها على يد الجيش الحكومي والأهالي الذين نزلوا للقتال بسلاحهم الشخصي أمام آلة نارية ثقيلة ومتطورة استمدت الجماعة غالبيتها من مخازن "الحرس الثوري" و"حزب الله"، وفقاً لبيانات حكومية.
يؤكد سكان محليون أن الهجوم الحوثي لم يكن تقليدياً بل فتح ثغوراً وجبهات جديدة بلغت نحو 56 جبهة ونقطة اشتباك، شكلت مفاجأة لقوات الجيش والأهالي، وتعتمد في بعضها على التسلل الخفي من خلف خطوط الدفاع قبل أن تحدث إرباكاً ميدانياً تسبب بكثير من الإرهاق للقوات الحكومية.
أنساق مشتتة
في نموذج غير معتاد لطبيعة الهجمات التي ينتهجها مقاتلو الجماعة، يقول سكان محليون إن مسلحي الحوثي هاجموا بصورة متزامنة منطقة سامع من خمسة اتجاهات، ومن ثلاث جهات هاجموا منطقة الأقروض، وكذلك في بني عمر، وحققوا اختراقاً وتقدماً في واحدة منها، ومن خمس جهات أيضاً حاولوا التقدم في جبل حبشي واستطاعوا السيطرة على ثلاث قرى.
بحسب المعطيات الميدانية، تهدف الجماعة الحوثية إلى تشتيت قدرات الجيش والمقاومة واستنزافها بعد حال التصدي الكبير الذي أبدته في وجه مقاتليها الذين تتقدمهم فرق انتحارية، بينما توزع الأدوار لمقاتليها مع الاحتفاظ بخطة ميدانية توصل لهدف عسكري موحد في نقاط متقدمة تلتحم فيها قواتها، يساعدها على ذلك امتلاكها كثافة بشرية لديها هدف محدد ومركز في محافظة واحدة.
البعد الاستراتيجي
وفقاً للمحلل السياسي والعسكري عبدالوهاب بحيبح، يسعى الحوثي إلى صنع فارق ميداني سريع وحاسم يربك خطة الإعداد للمعركة الكبرى التي يعدها اليمنيون ضده، من خلال الضغط العسكري على تعز، باعتبارها الجهة الأنسب لذلك، بالنظر إلى موقعها وأهميتها الاستراتيجية.
وتتمثل الأهداف الرئيسة من هذه الحملة، وفقاً لبحيبح في "تأمين وجود الجماعة في الساحل الغربي، خصوصاً في ذو باب وباب المندب والمخا، لأن مرتفعات غرب تعز تطل على هذه الخطوط الملاحية والبقعة الجغرافية الاستراتيجية التي تهم العالم بأكمله".
هدف إيراني
هذا المبدأ يرتبط "بهدف إيراني يتمثل في تمكين الجماعة من التموضع في هذه المنطقة وتحويلها إلى نقطة تهديد وضغط تخدم المصالح الإيرانية".
أما الهدف الآخر فيكمن في "أهمية تعز الاستراتيجية للقضية اليمنية، نظراً إلى ثقلها السياسي والثقافي والسكاني والتاريخي، ولكونها بيئة جغرافية رافضة للمشروع الحوثي، ولذلك تسعى الجماعة إلى الضغط ومحاولة السيطرة عليها، بما يفتح أمامها مجالاً أوسع للمناورة العسكرية باتجاه مناطق الجنوب.
فشل المشروع
ما يميز حالة تعز، وفقاً لبحيبح، هو الصمود المستمد من مختلف مكوناتها وقواها السياسية والجماهيرية وحاراتها ومديرياتها، التي التحمت وتقاتل جنباً إلى جنب مع الجيش، وأفشلت مخططات الجماعة التي سعت إلى إثارة الخلافات بين أبناء المدينة الواحدة.
ويرتبط إفشال مسعى الحوثي ومن خلفه إيران، بحسب بحيبح، بتماسك جبهات الجيش، وتوفير الحاجات اللازمة، وتوحيد الجهود العسكرية والدفع بالتعزيزات، وتركيز الإسناد الجوي بالطيران الحربي والمسير بكثافة.
(توفيق الشنواح)