16 يناير 2026
آخر الاخبار
7 يناير 2026
يمن فريدم-علي ياحي
ارتفاع مبيعات الأسلحة الصينية إلى دول غرب أفريقيا (أ ف ب)


باتت منطقة الساحل حلبة صراع دولي وساحة تنافس بين القوى الكبرى، بعد أن أصبحت دولها تعيش هشاشة على المستويات كافة جراء الانقلابات التي جاءت بأنظمة عسكرية، تسببت بانفلات أمني نتيجة "انتعاش" الحركات المسلحة والجماعات الإرهابية، إضافة إلى شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وهو الوضع الذي شجع أطرافاً خارجية على التدخل "الناعم" عبر أبواب عدة، ومنها الصين من خلال اتفاقات التسليح.

26 في المئة من واردات الأسلحة من الصين

وكشف تقرير نشرته مجلة "جون أفريك" الفرنسية عن ارتفاع مبيعات الأسلحة الصينية إلى دول غرب إفريقيا، في ظل تعدد المزايا التي تقدمها بكين مقارنة بالدول الغربية. وأوضح أن أكثر من ربع واردات الأسلحة في غرب أفريقيا سجلت بين عامي 2020 و2024، أي نحو 26% من القطع الحربية المستوردة، مصدرها الصين، وأشار إلى أن الطلب في كل من بوركينا فاسو وكوت ديفوار ومالي وموريتانيا والنيجر والسنغال، سجل أعلى المعدلات.

وأبرز الباحث في معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام سيمون وايزمان أن بكين باتت اليوم المورد الأول للأسلحة والمعدات العسكرية في غرب أفريقيا، بما فيها منطقة الساحل، مضيفاً في سياق تقرير "جون أفريك" أن هذا التحول يرجع إلى عاملين، أولهما اهتمام بكين الاستراتيجي بموارد القارة وسعيها إلى تعزيز حضورها الاقتصادي وضمان النفاذ إلى أسواق المنطقة.

وأما الثاني فهو ارتفاع الطلب على الأسلحة بالمنطقة، بسبب هشاشة الوضع الأمني الذي يعود لضعف الأنظمة الحاكمة، إذ فرض السلاح الصيني نفسه بقوة لكلفته الرخيصة مقارنة بنظيره الغربي، إضافة إلى أنه حر من القيود السياسية والحقوقية التي غالباً ما يفرضها الشركاء الغربيون، كفرنسا والولايات المتحدة، اللتين شددتا قيودهما على صادرات السلاح إلى بعض دول غرب أفريقيا بسبب قضايا حقوق الإنسان.

زيادة الطلب الإقليمي

وأبرز معهد استوكهولم الدولي أن مقتنيات دول المنطقة من المعدات العسكرية الصينية اختلفت بحسب الحاجيات، إلا أن المدرعات والطائرات المسيرة تبقى الأكثر طلباً، إذ تعد بوركينا فاسو أكبر المشترين للمدرعات بمختلف فئاتها، بعد أن اقتنت 122 مركبة بين عامي 2015 و2024، تليها نيجيريا بـ118 مركبة، مشيراً إلى أن نحو 70% من الجيوش الأفريقية تمتلك مركبات مدرعة صينية.

وأضاف التقرير أن النفوذ الأمريكي في المنطقة تراجع في مقابل توسع حضور بكين العسكري التي نفذت في العقدين الماضيين 20 تمريناً عسكرياً مشتركاً و44 زيارة لموانئ بحرية إفريقية ومئات الزيارات المتبادلة بين كبار المسؤولين العسكريين، مرجعاً توسع الحضور العسكري الصيني إلى زيادة الطلب الإقليمي على الأسلحة بنسبة 100% مقارنة بالفترة بين 2015 و2019، وبنسبة 82% مقارنة بالفترة بين 2010 و2014، مع تسجيل أعلى الزيادات في بوركينا فاسو وساحل العاج ومالي وموريتانيا والنيجر والسنغال.

وتابع أن روسيا، وعلى رغم خفض صادراتها منذ الهجوم على أوكرانيا، غير أنها لا تزال من الموردين الرئيسين للأسلحة في القارة السمراء.

من الاقتصاد إلى شراكات أمنية استراتيجية

وفي السياق، يرى أستاذ العلاقات الدولية سليم طاليس، في تصريح خاص، أن التحولات التي تشهدها أفريقيا على المستويات كافة، دفع بكين إلى التحرك في محاولة استباقية تستهدف تعزيز نفوذها، ومن بين ذلك توسيع تعاونها العسكري مع دول القارة السمراء بما فيها منطقة الساحل، عبر تعدد الزيارات والإشراف على تعليم وتدريب الضباط الأفارقة، وبيع مختلف أنوع الأسلحة وإقامة مناورات مشتركة، موضحاً أن تقارير تحدثت عن مساع صينية إلى الحصول على قاعدة عسكرية دائمة ثانية في غرب القارة، تضاف إلى القاعدة في دولة جيبوتي، وهو ما يكشف عن نوايا بكين في أفريقيا.

وتابع طاليس أن منطقة الساحل باتت مركز الإرهاب العالمي بالنظر إلى تصاعد الاعتداءات وحجم الخسائر لا سيما عدد القتلى، وكذا توسع مساحات سيطرة الجماعات الإرهابية، في مقابل فشل الأنظمة العسكرية الحاكمة، وهو الوضع الذي دفع الصين إلى التسلل في المنطقة بحثاً عن التموقع. وقال إن بكين لم تترك الدول الكبرى تتنافس وحدها على النفوذ في منطقة الساحل، بل سارعت في ظل بحث مالي والنيجر وبوركينا فاسو عن حلفاء جدد عوضاً عن الغربيين، إلى التحول من التركيز على الجانب الاقتصادي إلى عقد شراكات أمنية استراتيجية.

رابع أكبر مصدر للأسلحة في العالم

وتعد الصين رابع أكبر مصدر للأسلحة في العالم، وتشهد مبيعات الأسلحة الصينية رواجاً ملاحظاً نتيجة كثافة توظيفها في مختلف الصراعات المسلحة، إذ ارتفع متوسط صادراتها من الأسلحة على مدى خمسة أعوام أكثر من ثلاثة أضعاف في الفترة بين 2020 و2024 مقارنة بالفترة 2000 و2004، وفق تقرير معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام.

وأوضح المعهد أن الصناعات العسكرية الصينية شهدت تحولات كبرى من التركيز على الإنتاج الكمي للسلاح إلى تحسين الكفاءة النوعية، مما يمنح بكين ميزة تنافسية في الحروب الحديثة ويعزز موقفها في الصراعات، ويفرض معادلات ردع جديدة أمام واشنطن وحلفائها الإقليميين، ويجعل الصين من كبار موردي السلاح لبعض الدول الأفريقية والآسيوية، لا سيما في ظل انخفاض أسعارها نسبياً وتراجع القيود السياسية المصاحبة لاستيرادها.

اعتبارات وراء تعزيز الحضور

إلى ذلك، يعتقد الصحافي المهتم بالشؤون الأمنية في منطقة الساحل حسين لنصاري أن هناك اعتبارات عدة وراء تعزيز الصين وجودها في الساحل، من بينها تهديدات التنظيمات الإرهابية للمصالح الصينية المتنامية في المنطقة، بخاصة في قطاعات التعدين والطاقة، لا سيما بعد إحراق معدات شركاتها وخطف رعاياها وعمالها، ثم اهتمام بكين المتزايد بالموارد الطبيعية في المنطقة، التي تعتبر مصدراً مهماً للمواد الخام الاستراتيجية لاقتصاد الصين الضخم، إذ تزخر دول مالي وبوركينا فاسو والنيجر وبعض دول المنطقة باحتياطات مهمة من الذهب واليورانيوم والليثيوم وغيرها، وهي معادن أساسية للصناعات التكنولوجية والعسكرية الصينية.

ولفت إلى أن بكين تحرص على عدم تقديم نفسها كقوة استعمارية جديدة، وتؤكد أن شراكاتها تقوم على أساس المنفعة المتبادلة واحترام السيادة الوطنية.

وواصل لنصاري أن الصين ركزت على الجانب الاقتصادي والتنموي بصورة أساسية لطرق أبواب المجال العسكري، بخاصة عند تراجع الوجود الفرنسي والأميركي، إذ إن استراتيجية بكين جعلت حكومات المنطقة تنظر إلى الصين كشريك اقتصادي مهم يمكنه تقديم بدائل للاستثمار والتمويل من دون شروط سياسية صارمة، مضيفاً أن بكين طورت تعاونها الأمني مع دول المنطقة، من خلال توفير التدريب والمعدات القتالية وغير العسكرية وتبادل المعلومات الاستخبارية.

وأوضح أن فرص تعزيز الوجود الصيني في الساحل تبدو واعدة، لا سيما مع تركيز بكين على الجوانب الاقتصادية والتنموية التي تلقى ترحيباً من حكومات المنطقة، مبرزاً أن التنافس الدولي يزيد من حماسة الصين لتعزيز نفوذها، لكن تبقى قدرتها على تقديم نفسها كشريك موثوق وقادر على تحقيق المنفعة المتبادلة من دون شروط سياسية مسبقة ومن دون حضور عسكري على الأرض، أهم التحديات.

(اندبندنت عربية)

 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI