صعدت قوات "الدعم السريع" أمس الأربعاء هجومها الجوي بواسطة المسيرات الانتحارية باستهداف ثلاثة مناطق تقع خارج نطاق جبهات القتال في ولايتي نهر النيل بشمال البلاد، والجزيرة في وسطها، مما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة خمسة آخرين، في حين كثف الجيش عملياته العسكرية في محور شمال كردفان، حيث واصل توغله في المناطق الواقعة جنوب مدينة الأبيض عاصمة الولاية.
وبحسب مصادر ميدانية، فإن مواطناً سودانياً لقى حتفه وأصيب آخرون عقب سقوط وانفجار مسيرة انتحارية في منطقة الحسانية بالقرب من مدينة عطبرة بشمال السودان، ضمن مسيرات عدة أطلقتها قوات "الدعم السريع".
وأشارت تلك المصادر إلى أن الدفاعات الأرضية التابعة للجيش تمكنت من إسقاط نحو تسع مسيرات أخرى كانت في طريقها لاستهداف مواقع استراتيجية في المنطقة، من بينها مطار عطبرة من دون حدوث خسائر مادية أو أضرار، إذ يعد هذا الهجوم الثاني من نوعه خلال أقل من أسبوعين.
وباتت عطبرة محل استهداف بصورة مستمرة لغارات جوية بواسطة المسيرات الانتحارية، إذ سبق أن استهدفت مطار المدينة إلى جانب المحطة التحويلية للكهرباء، مما أسفر عن أضرار بالغة لحقت بقطاع الكهرباء.
كما أسقطت دفاعات الجيش أيضاً نحو 10 مسيرات انتحارية أخرى في المنطقة الخلوية بمحلية الدامر الممتدة بين مصانع أسمنت عطبرة شمالاً وحتى منطقة الزيداب جنوباً، قبل وصولها إلى أهدافها.
استهداف موقع عسكري
كذلك أفادت مصادر عسكرية بأن مسيرة تابعة لقوات "الدعم السريع" هاجمت معسكراً لقوات درع السودان المتحالفة مع الجيش بجبل الأبايتور الواقع في منطقة سهل البطانة بولاية الجزيرة، مما أدى إلى مقتل شخص واحد وإصابة خمسة آخرين.
وبينت المصادر بأن الهجوم تزامن مع وجود قائد قوات درع السودان أبوعاقلة كيكل داخل الموقع، إلا أنه لم يصب بأي أذى، بينما تمكنت الدفاعات الأرضية التابعة لهذه القوات من إسقاط عدد من المسيرات قبل وصولها إلى أهدافها.
ويعد هذا الهجوم هو الثاني خلال أشهر، إذ سبق أن استهدفت قوات "الدعم السريع" المعسكر نفسه منتصف مايو/ أيار الماضي، مما تسبب في مقتل سبعة أفراد وإصابة 18 آخرين.
وفي الخامس من يناير/ كانون الثاني الجاري أكدت الفرقة 19 مشاة مروي بالولاية الشمالية في بيان إن دفاعات الفرقة تمكنت من التصدي لمسيرات انتحارية أطلقتها ميليشيات "الدعم السريع" مستهدفة مقر قيادة الفرقة وقاعدة مروي الجوية وسد مروي، وهو هجوم يأتي في سياق استمرار استهداف المنشآت الاستراتيجية بشمال السودان.
وتأتي هذه التطورات في ظل تصعيد واسع للعمليات العسكرية باستخدام الطيران المسير بين الجيش وقوات "الدعم السريع"، بخاصة بعد تهديدات تحالف تأسيس الذي تتزعمه "الدعم السريع" بالرد على الغارات الجوية التي استهدفت منطقة الزرق بشمال دارفور مطلع الشهر الجاري.
تجفيف الإمدادات
أما في محور كردفان، فقد تمكن الجيش، وفقاً لمصادر عسكرية من التقدم في المناطق الواقعة جنوب مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان وتحديداً في محور الرياش وكازقيل بعد عمليات تمشيط واسعة.
ويتخذ الجيش مدينة الأبيض مركزاً قيادة لانطلاق عملياته إلى محاور القتال المختلفة بإقليمي كردفان ودارفور، وذلك لاستعادة المدن والمناطق التي تسيطر عليها "الدعم السريع".
وأشارت المصادر نفسها إلى تنفيذ طيران الجيش غارات جوية استهدفت مواقع تجمعات "الدعم السريع" في مدينة أبو زبد بولاية غرب كردفان، لليوم الثاني على التوالي.
كما نفذ طيران الجيش غارات نوعية في مدينة النهود بولاية غرب كردفان، أسفرت عن تدمير نحو 80 عربة قتالية تابعة لقوات "الدعم السريع"، فضلاً عن إحراق مخزن أسلحة رئيس كان يستخدم في إمداد العمليات القتالية في المنطقة، وفقاً لتلك المصادر.
وتأتي هذه العمليات في إطار حملة متواصلة للجيش تهدف إلى تدمير القدرات القتالية لهذه القوات المعادية، وتجفيف مصادر إمدادها، خصوصاً في المدن ذات الأهمية الاستراتيجية.
تعزيزات ضخمة
في المقابل، أكدت مصادر عسكرية بأن قوات "الدعم السريع" دفعت بحشود وتعزيزات عسكرية ضخمة إلى مدينة الدبيبات بولاية جنوب كردفان، في محاولة تهدف للحد من تقدم الجيش الذي يتحرك عبر مسارين ضمن خطة لفك الحصار عن مدينتي الدلنج وكادوقلي أكبر مدن ولاية جنوب كردفان، وإيصال الإمدادات الحربية واللوجيستية المتوقفة منذ يونيو/ حزيران الماضي.
ويعتمد الجيش حالياً على العمليات البرية لفك الحصار عن الدلنج وكادوقلي، بينما تشتعل الجبهات بالطيران المسير لتجنب استنزاف قوات المشاة، وسط تكهنات بقرب وقوع معركة حاسمة قد تغير الموازين على الأرض في جنوب كردفان بصورة كاملة.
في الأثناء، أشارت وسائل إعلام سودانية إلى أن السلطات الأمنية في الدلنج بولاية جنوب كردفان منعت المواطنين من مغادرة المدينة بصورة كاملة بعد القصف الأخير الذي شنته "الدعم السريع" على المدينة، وتسبب في مقتل 57 من المدنيين وإصابة 48 آخرين، بينهم أطفال، وسط أوضاع صحية وأمنية بالغة التعقيد.
وبحسب تلك الوسائل، فإن السلطات في الدلنج أصدرت توجيهات مشددة تمنع خروج الأهالي من المدينة نهائياً، من دون توضيح الأسباب وراء هذا القرار أو المدة المتوقعة لاستمراره.
وأحدث القرار حالة من الارتباك والخوف لدى السكان، بخاصة في ظل الاستهداف المتكرر بالطائرات المسيرة والمدفعية الثقيلة والتهديدات المستمرة بالهجوم على المدينة من عناصر الحركة الشعبية شمال وقوات "الدعم السريع".
حراك دبلوماسي
سياسياً، تتسارع الجهود الدبلوماسية بين بورتسودان والرياض وواشنطن لإقرار هدنة إنسانية في السودان، يعقبها وقف لإطلاق نار بين الجيش وقوات "الدعم السريع".
ففي بورتسودان التقى قائد الجيش السوداني عبدالفتاح البرهان أمس الأربعاء نائب وزير الخارجية السعودي وليد الخريجي، إذ بحث اللقاء، وفقاً لبيان صادر من مجلس السيادة السوداني، مبادرة السلام التي يرعاها ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس الأميركي دونالد ترمب، التي تهدف إلى معالجة الأزمة السودانية وإحلال السلام في السودان، إضافة إلى تناول الترتيبات الجارية لانعقاد مجلس التنسيق الاستراتيجي بين البلدين.
فيما أشارت تقارير صحافية إلى التئام لقاء بواشنطن بين وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ونظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان آل سعود، الذي يأتي بعد اجتماع مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس في الرياض مع مسؤولين سعوديين، تمحور حول الجهود المشتركة، إلى جانب شركاء أميركا الإقليميين، للتوصل إلى وقف إنساني لإطلاق النار في السودان.
واستضافت الرياض، أول من أمس الثلاثاء، محادثات سعودية أميركية حول تطورات الأوضاع في السودان. وقال بولس، في منشور على منصة "إكس"، إنه "عقد اجتماعاً مثمراً مع كبار المسؤولين السعوديين، ركز على الوضع في السودان وضرورة التوصل إلى هدنة إنسانية تتيح وصول المساعدات وتخفيف معاناة المدنيين".
وأوضح بولس أن النقاشات تطرقت إلى الجهود المشتركة بين الرياض وواشنطن، بالتنسيق مع الشركاء الإقليميين، من أجل دفع مسار التهدئة في السودان، ونوه بأن الشراكة الأميركية السعودية تشكل رافعة للتقدم في القضايا الإقليمية الأوسع.
وكانت دول الرباعية، التي تتكون من الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، طرحت في سبتمبر/ أيلول الماضي مبادرة تقضي بإقرار هدنة إنسانية كخطوة تمهد لوقف إطلاق نار، ومن ثم عملية انتقالية مدنية شفافة، لكن قادة الجيش السوداني رفضوا التعاطي معها كلياً.
وكان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان طلب من الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال زيارته إلى واشنطن في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، النظر في إحلال السلام في السودان، وهو ما وعد به الأخير.
(اندبندنت عربية)