16 يناير 2026
آخر الاخبار
9 يناير 2026
يمن فريدم-إسماعيل محمد علي
فرانس برس


دخلت الحرب الدائرة في السودان بين الجيش وقوات "الدعم السريع" يومها الـ1000، وسط تصاعد وتيرة المعارك وتزايد الانتهاكات الجسيمة في حق المدنيين التي اعتبرها كثر بأنها ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بخاصة أنها طاولت نساء وأطفالاً ومرضى وكبار سن وأسرى، وغيرهم من الأشخاص العزل.

في ظل هذا الواقع، كيف يرى المراقبون المشهد السوداني؟ وما حدث من تغيير في مسار الحرب؟ وما ستؤول إليه الأحداث في ضوء الحراك الدبلوماسي الذي تقوده واشنطن والرياض لإنهاء هذا الصراع؟

انهيار وتشققات

في السياق، قال الباحث في الشؤون السياسية والعسكرية عروة الصادق "بعد مرور 1000 يوم، فإن المشهد السوداني الماثل أقرب إلى دولة تتشقق على مستويات متوازية، تشققات جغرافية ومؤسسية واجتماعية وتشريعية في آن واحد، فالصراع انطلق بوصفه قطع طريق للسلطة المدنية، وتحول إلى معركة سلطة لاستعادة أذرع النظام المحلول".و

أضاف الصادق "على مستوى وظائف الدولة تكشف الأيام الـ1000 عن انهيار متدرج للخدمات، وتحول المؤسسات إلى هياكل تعمل بالحد الأدنى، وتتحرك وفق مقتضيات المعركة أكثر من احتياجات المجتمع. واستعاد النظام المباد بسط سيطرته على كل مفاصل الدولة، فالقطاعان الصحي والتعليمي شهدا شللاً واسعاً، وشبكات الكهرباء والمياه تآكلت، ومسارات الإمداد الإنساني تحولت إلى أدوات تفاوض ومساومة ومصدر تكسب".

وتابع "أما في ميدان الشرعية السياسية فقد أنتجت الحرب فراغاً عميقاً، لأن السياسة فقدت مركزها، والقوى المدنية تعاني تشتتاً واضحاً، والتحالفات التقليدية تآكلت، بينما تمدد نفوذ من يملكون السلاح والمال وشبكات التعبئة، وفي هذا الفراغ تشكل خطابان خطران: خطاب الضرورة العسكرية الذي يمنح الحرب غطاء مفتوحاً باسم إنقاذ الدولة، وخطاب التفويض المناطقي أو القبلي الذي يضفي على العنف طابع الحماية المحلية، وكلا الخطابين يعمق الانقسام ويقوض أي أفق لعقد اجتماعي جامع".

وواصل الصادق "داخل هذا المشهد يبرز دور الإسلامويين الموالين للجيش كعامل بنيوي في إدامة النزاع، وهذا التيار يعمل بوصفه محركاً دائماً لتغذية الحرب، لأن أية نهاية تقود إلى انتقال مدني متوازن تفتح ملفات مساءلة، وتعيد تعريف الجيش كمؤسسة قومية مهنية خارج الهيمنة الحزبية، وتفكك شبكة الاقتصاد السياسي التي تشكلت عبر عقود وتنزع موارد أمراء الحرب من عناصر الحزب والحركة المحلولين".

تحولات مؤثرة

واستطرد الصادق "على مستوى مسار الحرب ظهرت تحولات مؤثرة خلال عام 2025، إذ انتقلت المواجهة من حرب العاصمة إلى حرب الأطراف الحاسمة، فاستعادة مواقع رمزية في الخرطوم، بينها القصر الرئاسي، منحت الجيش مكاسب معنوية، غير أن هذا التقدم لم يغلق الصراع، إذ ترافق مع تعمق جبهة الغرب.

في المقابل ركزت قوات الدعم السريع عملياتها على دارفور والفاشر وكردفان، وبرز نمط حصار تبعه اقتحام ثم سيناريوهات معدة للانتهاكات، مع تقارير أممية وإعلامية عن مجازر واسعة، وهو ما سيحدث في حال استمرت الحرب، وهي بذلك تجاوزت اختبار رفع الأعلام في العاصمة وبورتسودان، ودخلت اختبار القدرة على تفكيك المجتمع والاقتصاد في الأطراف".

وأكد أن "طبيعة العنف شهدت تصعيداً نوعياً، وأصبح المدنيون هدفاً مبرمجاً ضمن هندسة الحرب: حصار غذائي، واستهداف مرافق علاج، واقتحام مخيمات نزوح، وانتقام جماعي وقصف تحت مسمى إبادة الحواضن، فهذا النمط الموثق في تقارير دولية، يخلق دوائر ثأر طويلة الأمد، ويعقد أية تسوية محتملة، لأن المجتمعات المتضررة ستطالب بضمانات عدالة وأمن قبل القبول بأي اتفاق سياسي.

ولفت الباحث في الشؤون السياسية والعسكرية إلى أنه "في المسار السياسي التفاوضي، انتقل النقاش من ترتيبات وقف إطلاق النار إلى أسئلة أعمق تتعلق بصورة الدولة نفسها، ومن يدير الموارد، ومن يحتكر القوة في الأقاليم، ومن يعيد بناء المؤسسة العسكرية، ومن يوفر حماية حقيقية للمدنيين، وهذا التحول كشف عن مأزق واضح: أية تسوية سطحية توقف النار موقتاً تعيد إنتاج العنف، والمسار المطلوب يحتاج إلى بنية ضامنة تشمل رقابة فعالة، وعقوبات رادعة، ومسار عدالة واضح، وترتيبات أمنية قابلة للتطبيق".

وأشار إلى أنه "في ضوء الحراك الدبلوماسي الذي تقوده واشنطن والرياض، تظهر رغبة في كسر الجمود عبر هدنة إنسانية تمهد لوقف نار أوسع، وهذا المسعى يمتلك نقاطاً قوة واضحة، أبرزها أدوات الضغط المالية والسياسية، إذ تمتلك واشنطن منظومة عقوبات فعالة، وتملك الرياض شبكة تأثير إقليمي وعلاقات مع أطراف متعددة، والتركيز على البعد الإنساني يفتح مدخلاً أقل حساسية من التسوية السياسية الشاملة، ويوفر خطوة أولى قابلة للقياس، كما يتيح توحيد رسائل الشركاء إذا أدير التنسيق بعناية".

مبادرات خجولة

من ناحيته، أشار القيادي في "حركة تحرير السودان" (قيادة مني أركو مناوي) محمد حارن أحمد إلى أنه "مر على حرب السودان 1000 يوم، وهو رقم ثقيل بكل المقاييس لما خلفته هذه الحرب من دمار وقتل ونزوح وانتهاكات"، ففي بداية الحرب في الـ15 من أبريل/ نيسان عام 2023، قال قائد "الدعم السريع" آنذاك أن أمام قائد الجيش عبدالفتاح البرهان خيارين، "إما أن يستسلم أو يستسلم، باعتبار أن الأمر محسوم، لكن ذلك لم يتم واستبسل الحرس الخاص للبرهان وقدم تضحيات جسيمة".

وتابع "على رغم عدم استعداد الجيش حينها لخوض الحرب وسيطرة الدعم السريع على مواقع مهمة واستراتيجية عديدة، إلا أنه بمرور الزمن تحول ميزان القوة لصالح الجيش والقوات المتحالفة معه، ممثلة في القوات المشتركة التابعة للحركات المسلحة وأفراد المقاومة الشعبية، فتحقق الانتصار تلو الانتصار حتى جرى إخراج هذه القوات المتمردة من العاصمة وهزيمتها هزيمة نكراء".

وزاد أحمد "لقد ثبت بما لا يدع الشك أن هناك دعماً خارجياً لغزو البلاد وتآمراً واضحاً، فضلاً عن عدم وضوح من المجتمع الدولي حيال الوضع في السودان، صحيح أن هناك مبادرات كثيرة طرحت لحل الأزمة السودانية، لكن في رأيي مبادرات خجولة لم توصف الوصف الحقيقي للمشهد السوداني"، وأكد أن "الموقف الذي ظل يردده قائد الجيش عبدالفتاح البرهان بأنه لا حوار ولا سلام ولا هدنة إلا بخروج الدعم السريع من الأعيان وتجميع هذه القوات في معسكرات محددة يمثل موقف معظم الشعب السوداني باستثناء بعض الجهات التي تدعي الحياد".

وبيّن أن "على واشنطن والرياض إن أرادتا المضي قدماً في حل هذه الأزمة، تصنيف الدعم السريع منظمة إرهابية والوقوف مع تطلعات غالبية الشعب السوداني"، ومضى القيادي في "حركة تحرير السودان" في القول "أي حل يمنح الدعم السريع شرعية أو مكاسب من دون تفكيك بنيتها، ومن دون محاسبة جدية على الجرائم والانتهاكات الفظيعة التي ارتكبتها في حق المدنيين العزل، يعني عملياً إعادة إنتاج الحرب القادمة، لا إنهاء الحرب الحالية".

حرب صحراوية

من جهته، أوضح المتخصص في إدارة الأزمات أمين إسماعيل مجذوب أن "الحرب في السودان وصلت إلى مرحلة خطرة، إذ انتقلت من حرب مدن إلى حرب صحراوية مفتوحة، مع تغير أسلوب القتال لكل من الجيش والدعم السريع"، مؤكداً أن الحرب باتت صحراوية تستهدف المدن، مما أوقع عبئاً على المدنيين بصورة وحشية للغاية.

ونوه مجذوب إلى أن سلاح الجو التابع للجيش لعب دوراً كبيراً في الحد من تقدم "الدعم السريع" وقطع خطوط إمداده التي أصبحت بعيدة جداً في ضوء إغلاق الحدود مع ليبيا وتشاد وجنوب السودان، وبالتالي توغل "الدعم السريع" في جنوب كردفان، وهي مناطق جبلية وعرة.

وعزا المتخصص في إدارة الأزمات تعثر المفاوضات الخاصة بالمبادرات بسبب رغبة "الدعم السريع" في أن يتعامل كوحدة سياسية وليس كمجموعة عسكرية تمردت، "بيد أن الحكومة السودانية لديها مطالب تتمثل في المحاسبة والتجريد من السلاح، وألا يكون هناك أي مستقبل سياسي للدعم السريع".

(اندبندنت عربية)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI