منذ الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، أعلن الحوثيون دعمهم حلفاءهم في طهران رغم الفارق المهول في معادلة القوة التي خبروا كلفتها الباهظة عندما شاركوا في جولات صراع سابقة استهدفت عدداً من رؤوس قادتهم وعتادهم.
وبعد 40 يوماً من بدء العمليات التي انهالت على النظام الإيراني، مارست الميليشيات اليمنية شيئاً من التريث لإسناد رعاتها، إذ أطلقت أول صاروخ نحو إسرائيل السبت 28 مارس/ آذار الماضي، ثم واصلت الهجمات بوتيرة متصاعدة خلال الأيام التالية. ومنذ ذلك التاريخ، نفذت أربع ضربات إضافية، ليصل إجمال الهجمات إلى خمس عمليات خلال فترة قصيرة، في دلالة تحمل أبعاداً مرتبطة بالتوقيت والخلفيات السياسية والاستراتيجية.
تسجيل موقف
في الحالة الحوثية تُفهم دلالة التوقيت على عدة أوجه يرى المحللون أن لها معطيات تسند بعضها في إطار رؤية الحرب التي تخدم الاستراتيجية الإيرانية ليس أقلها تخفيف الضغط عن النظام وتوسيع دائرة الصراع إقليمياً.
ووفقاً للمحلل الاستراتيجي عبدالعزيز الهداشي يُنظر إلى ميقات تدخل الحوثي ونوعية إسناد حلفائه من عدة احتمالات منها "اعتقادهم أن الحرب باتت على وشك الانتهاء على وقع المفاوضات التي تجري بين واشنطن وطهران، فسارعوا لتسجيل موقف رد جميل لنظام الملالي".
ومن بين احتمالات توقيت المشاركة، وصول الحرب إلى مرحلة التلويح الصريح بورقة إغلاق المضائق الدولية التي يبدو أن مياهها ستشهد أحداثاً جسيمة في سياق سياسة الضغط والابتزاز وتهديد تدفقات الطاقة التي يتوقع أن تعيد رسم الاستراتيجية الدولية في التعامل مع تلك التطورات وخلفياتها وعوامل بقاء أخطارها.
أوامر طهرانية بحرب المضائق
في تأكيد على التبعية رغم غياب المصلحة السياسية والاستراتيجية جاء خطاب زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي، الخميس الماضي، مجدداً القول إن "اليد التي قلنا في الكلمات السابقة إنها على الزناد بدأت منذ هذا الأسبوع إطلاق الصواريخ والمسيّرات في العمليات المشتركة لمحور الجهاد والمقاومة ضد العدو الصهيوني". مؤكداً أن توقيت دخوله الحرب جاء متزامناً مع "تحرك محور الجهاد والمقاومة في مختلف الجبهات في إطار موقف موحد"، تحت عنوان "وحدة الساحات"، الذي يديره الحرس الثوري، الذراع العسكرية الإيرانية.
وأعلن الجيش الإسرائيلي، السبت، رصد صاروخ أطلق من اليمن، للمرة الخامسة منذ إعلان الحوثيين انضمامهم إلى الحرب مع تواصل الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران.
وعلى رغم العلم المسبق بتبعات تلك المغامرات فإن الصواريخ الحوثية لم تحدث أثراً تدميرياً يذكر وسقوطها في الغالب في مواقع خالية أو صحراوية، ومع ذلك، راح المتحدث العسكري باسم الجماعة المصنفة على لوائح الإرهاب يحيى سريع، يتحدث بانتشاء عن "نجاح" تنفيذ "العملية العسكرية الخامسة" عبر استهداف إسرائيل بصاروخ باليستي "انشطاري" وعدد من الطائرات المسيرة.
بدخولهم الحرب التي لا مصلحة مباشرة لليمن فيها، يحتمل الهداشي "تلقي الحوثيين توجيهات من إيران بالدخول في الصراع رغم خشية الحوثي بعد أيام قليلة من حديث مسؤول إيراني بالقول إن هناك مضيقاً آخر بإمكاننا إغلاقه في إشارة إلى مضيق باب المندب".
ويعزز احتمال اللجوء إلى حرب المضائق تزامن ذلك مع تشديد إيران على إغلاق مضيق هرمز وسعيهم إلى إغلاق مضيق باب المندب "لكن الحوثي لم يلجأ بعد لهذا الخيار لإدراكه عواقب الكلفة الثقيلة والموجعة التي سيضطر لدفعها إذا ما غامر بخطوة تصعيدية كهذه".
يدرك الحوثي بحسب الهداشي، حساسية مضيق باب المندب الحيوي على الخريطة الجيوسياسية مع إدراك المصلحة الاقتصادية الكبرى للدول المطلة على كل من البحر الأحمر والتجارة الدولية وخصوصاً بعد المساعي الإيرانية لإغلاق مضيق هرمز ضمن محاولات خنق العالم وإرضاخه للدفع بوقف الحرب ضدها لما يشكله المضيقان من أهمية اقتصادية تستوعب أكثر من 40% من التجارة العالمية، وقد لمس الاقتصاد العالمي بوادر هذا الخنق من خلال ارتفاع أسعار النفط.
جاهزون لإغلاق الآخر
وأغلقت إيران مضيق هرمز مانعة حركة الملاحة البحرية من مغادرة الخليج العربي وانتقلت بعده إلى التهديد بإغلاق مضيق باب المندب بين خليج عدن والبحر الأحمر، المؤدي إلى قناة السويس وتهديد حركة سلاسل إمدادات الطاقة العالمية.
ومنذ إغلاقها الفعلي مضيق هرمز، اكتسب البحر الأحمر أهمية بالغة بصفته بديلاً أقرب لحركة التجارة العالمية بعد أن يممت سفن النقل الدولي وجهها نحوه، إلا أن إيران قالت إنها قد "تفتح جبهات أخرى في الحرب" إذا ما تم نشر قوات أميركية برياً على جزيرة خرج، التي تضم محطة نفطية رئيسة.
ونقلت وكالة أنباء "تسنيم" التابعة للحرس الثوري، عن مصدر عسكري إيراني قوله، إن "مضيق باب المندب أحد المضائق الاستراتيجية في العالم وإيران لديها الإرادة والقدرة على خلق تهديد حقيقي فيه" في إشارة للتحكم بقرار الحوثيين كذراع جاهزة لتنفيذ ما يمليه الحرس الثوري وقادة النظام.
ويربط مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن والمحيط الهندي، وهو رابع أكثر الممرات المائية ازدحاماً عالمياً حيث يمر عبره نحو 12% من تجارة النفط العالمية وثمانية في المئة من الغاز الطبيعي المسال ويمثل المضيق الذي يبلغ عرضه 26 كم فقط بين اليمن وجيبوتي، شرياناً حيوياً لاقتصاد الطاقة ويفصل بين آسيا وأفريقيا ويسهل التجارة بين الشرق والغرب خصوصاً السفن المتجهة إلى قناة السويس.
وبدأت السعودية باستخدام باب المندب كنقطة عبور لتصدير النفط السعودي من ميناء ينبع. وتصدر الرياض ملايين البراميل من النفط الخام يومياً من حقولها الشرقية عبر خط أنابيب.
تداعيات عسكرة الماء
تصريحات الحوثيين التي تشي بتصعيد متوقع قد يصل إلى مستوى عودة الاعتداء على الأصول النفطية وناقلاتها وحركة الملاحة الدولية هي في مضمونها رسائل متكررة تشير إلى تصعيد متوقع قد يصل إلى عودة الاعتداء على الأصول النفطية وناقلاتها وحركة الملاحة الدولية كرسالة ضغط لمنع ضرب بنى الطاقة التحتية لحلفائهم الإيرانيين.
وفي تصريح لوكالة "رويترز"، قال أحد قادة الحوثيين، إن الجماعة "جاهزة عسكرياً" لاستهداف مضيق باب المندب دعماً لطهران.
وخلال الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة، هاجم الحوثيون الذين يسيطرون على العاصمة اليمنية صنعاء والمحافظات المجاورة لها، أكثر من 100 سفينة تجارية بالصواريخ والطائرات المسيرة، مما أدى إلى إغراق سفينتين ومقتل أربعة بحارة.
خطر عسكرة هذه المياه أدركت دول الخليج عواقبه فطالبت عبر الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي، الخميس الماضي، مجلس الأمن الدولي باستصدار قرار يضمن حرية الملاحة في مضيق هرمز، ووقف الاعتداءات الإيرانية المتصاعدة في المنطقة.
وقال البديوي، في كلمة أمام مجلس الأمن الدولي، إن السلوك الإيراني "تجاوز كل الخطوط الحمراء"، مشيراً إلى أن دول المجلس تتعرض لاعتداءات طالت منشآت مدنية وحيوية وأسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين.
وأضاف أن تهديد الحوثيين بإغلاق باب المندب يعكس اتساع رقعة الصراع وتزايد أخطاره على أمن الملاحة الدولية، مؤكداً أن مثل هذه التهديدات تمثل تصعيداً خطراً يهدد الاستقرار الإقليمي.
ووفقاً لتقارير دولية، أدى توقف حركة الملاحة في الخليج إلى ارتفاع أسعار خام برنت من نحو 70 دولاراً للبرميل قبل الأزمة، إلى أكثر من 115 دولاراً.
نيران مستدامة
ويشرح موقف الحوثي مسارات الصراع الذي تسعى طهران إلى إدارته عن طريق "استدامة النيران" المساندة لها، حتى تفعل المحادثات المعلنة والخلفية برجاء التوصل إلى صيغ تسوية وإن موقتة مع الولايات المتحدة وإسرائيل تسمح لتفادي السقوط الأخير وفق استراتيجية متدرجة تمنح النظام المترنح وأذرعه في المنطقة خيارات أوسع في التصعيد بحسب الحاجة.
وفقاً لهذه الاستراتيجية كان من الملاحظ تريث الحوثي وعدم رميه بمخزونه الناري دفعة واحدة، فالميليشيات منذ أسبوع على إعلانها دخول الحرب، لم تطلق سوى بضعة صواريخ بلا أثر تدميري مما يعني أنها تدخر شيئاً من ترسانتها لمعارك مقبلة لتضمن استدامة النيران المحسوبة على إيران ضمن المحور التابع لها.
وفي 26 فبراير/ شباط الماضي قالت الإدارة البحرية التابعة لوزارة النقل الأميركية في بيان، إنه "على رغم من أن جماعة الحوثي الإرهابية لم تهاجم السفن التجارية منذ اتفاق وقف إطلاق النار بين إسرائيل وغزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2025، إلا أن الحوثيين لا يزالون يشكلون تهديداً للأصول الأميركية، بما في ذلك السفن التجارية، في هذه المنطقة".
بلا أثر عسكري
وبقراءة لوزن وقيمة هذا التدخل وتداعياته يتوقع أن الحوثيين سعوا بالإسناد المحدود "لجس رد الفعل الإسرائيلي".
ومن الناحية الاستراتيجية قلل الهداشي من قيمته، "فبينما تطلق إيران عشرات الصواريخ والمسيرات يومياً باتجاه إسرائيل وبالمثل حزب الله، لن يضر الكيان إضافة صاروخ أو اثنين يومياً قادمة من جنوب البحر الأحمر، ولكنه مع ذلك يتوقع أن تبحث إسرائيل عن حجة لتوجه لميليشيات اليمن "حملة جوية عنيفة بشكل منفرد عقب الانتهاء من هذه الحرب ستكلفهم الكثير".
(اندبندنت عربية)