11 إبريل 2026
10 إبريل 2026
يمن فريدم-سمير حسن
عدد محدود من الطلبة أثناء محاضرة بقاعة كلية التربية بجامعة عدن (الجزيرة)


لم يكن دخول الجامعة بالنسبة لأحمد وهيب حلما بعيد المنال، بل خطوة طبيعية بدت وشيكة بعد تفوقه في الثانوية العامة، لكنَّ الشاب اليمني (23 عاما) وجد نفسه اليوم يقف خلف بسطة خضروات في سوق شعبية بمدينة عدن، منشغلا بمساومة الزبائن، بعدما دفعته الحرب والأزمة الاقتصادية إلى مغادرة مقاعد الدراسة قبل أن يبدأ رحلته الجامعية فعليا.

فما حدث لأحمد لم يكن قرارا شخصيا بقدر ما كان استجابة قسرية لواقع فرضته سنوات الحرب، التي دفعت آلاف الشباب اليمنيين إلى التخلي عن التعليم الجامعي لصالح أعمال توفر دخلا فوريا. وبين حلم الشهادة الجامعية ومتطلبات المعيشة القاسية، وجد أحمد نفسه مضطرا إلى طي صفحة طموحه الأكاديمي.

يقول أحمد للجزيرة نت "كنت أرى في الجامعة خطوتي الوحيدة نحو الاستقرار، لكنني وجدت نفسي مخيَّرا بين دفع تكاليف الدراسة أو توفير لقمة العيش، فاخترت السوق لأن الجوع لا ينتظر التخرج".

أزمة تتجاوز الأفراد

قصة أحمد ليست سوى واحدة من آلاف القصص التي تكشف اتساع أزمة العزوف عن التعليم الجامعي في اليمن، حيث يعيش أكثر من 80% من السكان تحت خط الفقر، بحسب تقديرات دولية، في ظل حرب مستمرة منذ عام 2015 أنهكت الاقتصاد، وعمَّقت الانهيار في مختلف القطاعات وعلى رأسها التعليم.

ومع انهيار العملة المحلية وارتفاع تكاليف المعيشة، لم يعد التعليم الجامعي خيارا مضمونا، بل صار لكثير من الأسر عبئا يفوق قدرتها. ووسط غياب فرص العمل وتوقف التوظيف الحكومي، تتراجع جدوى الشهادة الجامعية في نظر كثير من الشباب، الذين أصبحوا يفضلون الالتحاق بأعمال سريعة العائد.

وتعكس البيانات الرسمية هذا التراجع بوضوح، إذ تُظهر إحصاءات حديثة انخفاضا غير مسبوق في أعداد المتقدمين للجامعات اليمنية، حيث سجلت جامعات كبرى بينها جامعة صنعاء تراجعا وصل إلى 80% في بعض الأقسام خلال العامين الأخيرين.

وفي جامعة عدن، يبدو المشهد أكثر وضوحا داخل كليات كانت حتى وقت قريب تعج بالطلبة، مثل كليتَي التربية والآداب اللتين أصبحت قاعاتهما شبه خالية.

مقاعد فارغة وأرقام صادمة

في كلية التربية بجامعة عدن، بلغ عدد الطلبة المسجلين للعام الجامعي 2025-2026 نحو 180 طالبا وطالبة فقط، موزعين على 15 قسما، مقارنة بـ1128 طالبا في العام الدراسي 2013-2014، في تراجع حاد يعكس عمق الأزمة، كما خلت أقسام الكيمياء والفيزياء هذا العام من أي متقدمين، في حين شهدت أقسام أخرى تسجيل أعداد محدودة للغاية.

ولا يبدو الوضع أفضل في كلية الآداب، إذ انخفض عدد الملتحقين هذا العام إلى 887 طالبا، بعد أن كان يتجاوز 2090 طالبا قبل الحرب. وفي بعض الأقسام، اقتصر التسجيل على طالب أو اثنين فقط، وغاب الالتحاق تماما عن تخصصات كانت يوما من الأكثر استقطابا، مثل قسم اللغة العربية وآدابها.

وفي تفاصيل أكثر دلالة، لم يتجاوز عدد الطلبة المسجلين في قسم اللغة الفرنسية بالمستوى الثالث طالبا واحدا، وطالبين في المستوى الرابع، في حين سجل قسم الجغرافيا ونظم المعلومات طالبا واحدا فقط، وثلاثة طلاب في قسم الدراسات الإسلامية وعلوم القرآن، وطالبين في قسم التاريخ، وثلاثة في قسم الفلسفة.

مستقبل غامض

في إحدى قاعات كلية الحاسوب، يجلس أنيس أحمد سالم، الطالب المستجد في قسم علوم الحاسوب، محاولا التمسك بحلمه الجامعي رغم ما يحيط به من شكوك.

ويقول أنيس للجزيرة نت "المعضلة ليست في الدراسة نفسها بل فيما بعدها، فعندما يرى الطالب جيوشا من الخريجين بلا وظائف، يبدأ في التساؤل عن جدوى الاستمرار". ويضيف أن كثيرا من أصدقائه لم يلتحقوا بالجامعة أصلا، مفضلين التوجه إلى أعمال توفر دخلا فوريا لإعالة أسرهم.

ويرى مختصون أن تراجع الإقبال على التعليم الجامعي لا يرتبط فقط بالأوضاع الاقتصادية، بل أيضا بتغير نظرة الشباب إلى التعليم ذاته، مع توقف التوظيف الحكومي منذ عام 2011، وانعدام فرص العمل المرتبطة بالتخصصات الأكاديمية التقليدية.

تراجع غير مسبوق

وتقول نائبة عميد كلية التربية لشؤون الطلبة آزال ناجي إن ما يحدث هو نتيجة مباشرة للحرب، التي أصابت العملية التعليمية من المدرسة حتى الجامعة، وأدَّت إلى تراجع غير مسبوق في الإقبال، لا سيما التخصصات التربوية والعلمية.

وتوضح للجزيرة نت أن بعض الأقسام مثل الكيمياء والفيزياء باتت شبه خالية، في حين يزداد الإقبال على تخصصات مثل علوم الحاسوب واللغة الإنجليزية باعتبارها الأقرب إلى سوق العمل.

وترى آزال أن المشكلة لا تكمن في التخصصات نفسها، بل في الصورة الاجتماعية والمهنية للمعلم والجامعي، إذ لم يعد هذا المسار مغريا بسبب تدني الرواتب وغياب الاستقرار الوظيفي.

العائد السريع

ويربط نائب عميد كلية الآداب لشؤون الطلبة أديب ناصر لصور هذا التراجع بتوقف التوظيف الحكومي، مشيرا إلى أن كثيرا من الطلبة أصبحوا يفضلون الالتحاق بالقطاع العسكري الذي يوفر رواتب أعلى وأسرع.

ويقول للجزيرة نت إن القطاع العسكري أصبح أكثر جاذبية للشباب، ليس فقط لسهولة الالتحاق به، بل لأن رواتب المنتسبين إليه -التي تُصرف أحيانا بالعملة الصعبة- تفوق ما يتقاضاه بعض أعضاء هيئة التدريس الجامعيين.

ويحذّر من أن استمرار هذا الاتجاه، حيث تُفضَّل "العسكرة" على التعليم، ينذر بفقدان المجتمع إحدى أهم ركائزه التنموية، ما لم تتدخل الدولة بسياسات عاجلة تعيد الاعتبار لقيمة المعرفة.

محاولة صمود

في المقابل، تؤكد إدارة جامعة عدن أنها تسعى للتكيف مع هذه التحولات، ويقول نائب رئيس الجامعة لشؤون الطلبة الدكتور محمد عقيل العطاس إن الجامعة حرصت على استمرار العملية التعليمية رغم التحديات، ووسَّعت برامجها في تخصصات أكثر ارتباطا بسوق العمل، مثل المجالات الطبية والهندسية والإدارية.

ويضيف العطاس للجزيرة نت أن الجامعة تواجه تحديات متزايدة، أبرزها ضعف الرواتب وغياب الحوافز وتراجع التعيينات، مما دفع كثيرا من الكفاءات إلى الهجرة أو البحث عن أعمال بديلة خارج الحرم الجامعي.

ورغم انخفاض أعداد الطلبة، يوضح العطاس أن الجامعة تحافظ على أقسامها الأكاديمية تفاديا لإغلاقها، لأن خسارة القسم بالكامل ستكون أكثر كلفة من استمراره بعدد محدود من الطلبة.

ويختم قائلا "من دون استثمار حقيقي في التعليم، ستتسع الفجوة بين ما ندرسه وما يفرضه الواقع، وسيظل الدخل السريع هو الخيار الأقرب للشباب".

(الجزيرة نت)
 

الفيس بوك
تويتر

جميع الحقوق محفوظة YemenFreedom ---- تصميم وبرمجة ALRAJIHI