في الوقت الذي جرى فيه إطلاق حوار رفيع المستوى بين القطاعين العام والخاص، احتضنته العاصمة السعودية الرياض حول قطاع الكهرباء في اليمن، تشهد عدن العاصمة المؤقتة للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، ومدن أخرى حيوية مثل تعز (جنوب غرب) ومأرب (شمال)، تدهوراً لافتاً وانقطاعات طويلة في التيار الكهربائي، بالتزامن مع حلول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة.
هذا الأمر أعاد مشكلة الطاقة إلى الواجهة مجدداً، باعتبارها إحدى أكبر الأزمات الخدمية والمعيشية التي تستعصي على الحل في البلاد منذ سنوات، وذلك بعد فترة قصيرة من التحسن النسبي الذي شهدته المنظومة بفضل منحة الوقود والمشتقات النفطية السعودية.
وقد خرج هذا الحوار الرفيع، الذي نظمه البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن بمشاركة مجموعة البنك الدولي وبحضور وزراء ومسؤولين حكوميين وممثلين عن مؤسسات التمويل الدولية والقطاع الخاص اليمني والسعودي والدولي، بتحديد رؤية استراتيجية شاملة لإنقاذ قطاع الكهرباء في اليمن بعد تقييم دقيق للوضع الراهن.
وبموجب هذه التفاهمات، سيقود البنك الدولي تنفيذ مشروع وطني متكامل لإنعاش قطاع الكهرباء بهدف تحقيق "انتقال عادل للطاقة"، وهو مشروع تعمل عليه مجموعة البنك بالشراكة مع الحكومة اليمنية، ويتضمن استثمارات عاجلة لإعادة تأهيل شبكة التوزيع المتهالكة في عدن، وتوسعة مشاريع الكهرباء الريفية في بقية المحافظات.
كما جرى الكشف خلال الحوار عن توجه رسمي لإنشاء منطقة صناعية متكاملة في عدن، بهدف توفير طاقة مستقرة وتعزيز البيئة الجاذبة للاستثمارات، وهي خطوة تتطلب تحديث التشريعات، وتسهيل إجراءات الأعمال، وربط قطاع الكهرباء بالتنمية الصناعية والتصدير.
وفي السياق، أكدت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي اليمنية، أفراح الزوبة، والتي ترأست الوفد الحكومي، على أهمية تنسيق جهود الشركاء الدوليين تحت مظلة وزارة التخطيط، والعمل على تفعيل وحدة الشراكة بين القطاعين العام والخاص لإعداد المشاريع وتنسيقها مع المستثمرين والمانحين.
وقالت لـ"العربي الجديد" إن قطاع الكهرباء يتصدر أولويات الحكومة، ويمثل محوراً أساسياً يقع في صميم خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية وإعادة الإعمار (2027–2031).
انقسام حول الربط الشبكي في اليمن
جرى الاتفاق على مجموعة من المخرجات التنفيذية، أبرزها المضي في تفعيل قانون الشراكة بين القطاعَين، واستكمل إعداد نموذج موحد لعقود شراء الطاقة، وتأسيس وحدة الشراكة الحكومية، إلى جانب إعداد حزمة مشاريع جاهزة للاستثمار.
وفي الوقت الذي أكدت فيه مصادر مطلعة لـ"العربي الجديد" التوافق على الجوانب الفنية والمالية والحلول الكفيلة بتحسين بيئة الاستثمار، أبدى رئيس غرفة عدن التجارية والصناعية ونائب رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية، أبوبكر باعبيد، في تصريح لـ"العربي الجديد"، استغرابه الشديد من الحديث عن مشاركة القطاع الخاص، مؤكداً عدم معرفته بهوية الجهات أو الممثلين الذين جرى استدعاؤهم للمشاركة في هذا الحوار.
وجدد باعبيد تطلع القطاع الخاص لبناء شراكة حقيقية وفعلية مع الحكومة تتجاوز أخطاء الفترات الماضية، التي شهدت اضطرابات أمنية وسياسية واقتصادية ساهمت في خلق بيئة طاردة لرؤوس الأموال الوطنية، مشدداً على أن التجار ورجال الأعمال يرفضون الاكتفاء بـ"شراكة إعلامية صُورية" مقتصرة على الشكليات، بل يريدون الإسهام الحقيقي في اتخاذ القرارات الاقتصادية ومنح التسهيلات.
في المقابل، تؤكد الحكومة أنها بصدد إعداد محفظة أولية لمشاريع الشراكة عبر عدد من الوزارات لتكون نقطة الإسناد الرئيسية لإعادة الإعمار.
انتقادات فنية
في المقابل، يواجه هذا التوجه انتقادات فنية واقتصادية من بعض الخبراء؛ إذ يرى المحلل الاقتصادي المتابع لملف الكهرباء في عدن، عبدالرحمن أنيس، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أنّ إسناد المشاريع للقطاع الخاص ليس حلاً مناسباً في ظل الظروف الراهنة.
وأوضح أنيس أن العائق لا يتوقف عند عدم جاهزية البيئة الاستثمارية والأمنية فحسب، بل يمتد إلى الوضع المعيشي المتردي للمواطنين؛ إذ إنّ عدم تفعيل سلم رواتب عادل، مع استمرار أزمة عدم انتظام صرف أجور الموظفين الحكوميين، يجعل المواطن عاجزاً تماماً عن تحمل كلفة فواتير الكهرباء التجارية أو مسبقة الدفع.
يُذكر أنه كان من المفترض عقد مؤتمر موسع للاستثمار يجمع الحكومة والقطاع الخاص في عدن نهاية عام 2025، قبل أن يجري تأجيله فجأة واستبداله بمؤتمر آخر ركز على الطاقة للإعلان عن مشاريع استثمارية إماراتية، لكنها ظلت حتى اليوم حبراً على ورق.
(العربي الجديد)